منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ظاهرة الغش في الامتحان ومعالجتها (خطبة)

عبد الله بنطاهر التناني

0

الحمد لله أكرم الإنسان بالفكر والنظر، وشرع لتحصيل علمه وتحصينه طرقا لا ضِرار فيها ولا ضَرر، وحرم الحصول على أي شيء بالغش والغرر، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تجعلنا ممن وحد الله تعالى وشكر، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد البشر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه المكرمين في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم أمره كلمح بالبصر.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

لقد دقت ساعة الامتحان، وجاء الموعد المرتقب، والكل قد تأهب، قد أحضر من أسلحته ما يقاوم به أسئلته، ومنها الأسلحة التقليدية والمتطورة والجائزة والمحرمة.
فتعالوا بنا اليوم نكشف الستار عن سلاح يستعمل التقليدي منه والمتطور في أيام الامتحان، وهو من الأسلحة المحرمة إسلاميا ودوليا؛ ذلكم هو سلاح الغش في الامتحانات، وعنوان خطبة اليوم: (ظاهرة الغش في الامتحان ومعالجتها بين مراقبة الخالق وحراسة المخلوق)؛ وقد كثر الحديث في هذه الأيام عن الغش، وعن الوسائل المستعملة لتطبيقه والوصول إليه من طرف الطلبة، وعن الوسائل المستعملة أيضا لضبطه والحصول عليه من طرف المراقبة، الكل يبتكر ليتنكر، ويخترع ليخدع؛ فقد دخلت التكنلوجيا في هذه الساحة من كلا الطرفين، الطالب يستعملها ليَشْفي شر فشله، والمراقب يستعملها ليُفْشي سر أمره، ومع الأسف الشديد لا نسمع عندنا ببراءة الاختراع وببراعته في التكنلوجيا إلا في جانبها السَّلبي؛ عند السرقات والاختطافات والاختلاسات، وعند الاختراقات لمواقع البنوك والدول في الشبكات، وعند الغش في الامتحانات…

والغش حرمه الإسلام في جميع المجالات، ويكفي أن نعلم أن الإسلام حارب الغش بأمرين عظيمين:

الأمر الأول: أن النبيﷺ تبرأ من الغشاش فقالﷺ فيما يعم عموم الناس: «من غش فليس منا»، وقالﷺ في يخص المسلمين: «من غشنا فليس منا»؛ ولا توجد كلمة يقشعر منها جلد المؤمن مثل قول النبيﷺ: «ليس منا»، ويل لمن تبرأ منه المصطفىﷺ، وهل تحلو الحياة لمن تبرأ منه صاحب الشفاعة العظمىﷺ؟ ماذا تساوي الدنيا بأجمعها بالنسبة لمسلم تبرأ منه النبيﷺ؟ وأي فائدة في نجاحه وعلمه وتقدمه؟

المزيد من المشاركات
1 من 34

الأمر الثاني: أن النبيﷺ وعد من ابتعد عن الغش بأن يكون معه في الجنة؛ فقالﷺ: «إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل، ذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة».

وإذا تبرأﷺ من الغشاش وعمله، فإن خالي القلب من الغش يكون معهﷺ في الجنة.

والغش جريمة تحمل في أحشائها عدة جرائم نكراء، ومفسدة في طياتها عدة مفاسد خطيرة؛ ففيه الكذب والخيانة والمكر والخديعة؛ والرسولﷺ يقول: «إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار»، ويقولﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». ويقولﷺ: «المكر والخديعة والخيانة في النار».

وعلاوة على ذلك فالغش هو ادعاء الإنسان ما ليس له هو سرقة المعلومات والسطو على الممتلكات، والله تعالى يقول: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}؛ ولكن الغشاش في غفلة من هذا؛ فيظن في نفسه أنه قد نجح مرتين، وضرب بحجر واحد عصفورين؛ لأنه قد نجح في خداع الحارس كما نجح قبلُ في خداع المدرس؛ وحتى الشعراء قد تفننوا بدورهم في التحذير من الغش في الامتحان فقال أحدهم:

غُضُّوا العُيُونَ فَإِنَّ الفَرْضَ مَحْرُوسُ        وَالنَّقْلُ فِي هَذِهِ الأَجْوَاءِ مَحْبُوسُ
وَيُمْنَـعُ الْهَاتِـفُ النَّقَّـــالُ أَجْمَعُـــــــــهُ      أَوْ لَوْحَةٌ فِيهَا مَا تُخْفِي الكَرَارِيسُ
وَلاَ جِهَــازٌ لِتَسْجِيــلٍ بِــــهِ اتَّصَلَـــــــتْ     سَمَّاعَةُ الأُذْنِ أَوْ غِــــشٌّ وَتَدْلِيسُ
وَالوَاجِبُ الصَّمْـتُ دُونَ الْهَمْسِ بَيْنَكُمُ      إِنْ دُقَّ لِلْمَوْعِدِ الْمَحْسُـــومِ نَاقُوسُ
وَمَـنْ يُؤَمِّـلُ أَحْلاَمـا بِنَقْلَتِـــــــــــــــــــهِ      أَغْرَاهُ بِالأَمَلِ الْمَوْهُـومِ إِبْلِيـــــــسُ

وقال أحد الطلبة في قصيدة مختطلة بتشلحيت يتحدث عن الطالب المحروس:

إن نام لم يطب له (سُولْ إِطْسِي)       لثقـل ما يحملــــــــه (أُرْإِنْسِي)
تراه عند الامتحـــــانْ (إِرَا أَيْخْسِي)   يطلب ما تكتــب (إِرَا أَكْتِكْسِي)
وحـارس الامتحــانْ (غَارْ إِقْرْسِي)     من يرى عنده غشا (أَسْتِكْسِي)

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ هل تدرون ما هو الحل لمشكل هذا الغش المستشري؟ وما هو الدواء لهذا الداء؟

إن الحل هو المراقبة، ولا أعني بها مراقبة الأساتذة؛ بل أعني بها مراقبة الله عز وجل، تربية المراقبة الربانية في نفس الطالب، لأن مراقبة الإنسان قد تنجو منها بمالك، قد ترشو أحدهم فيتغاضى عن نقولك، أو تعرف وجها يتوسط لأجل ارتفاع نقطتك؛ ولكن مراقبة الله عز وجل لن تنجو منها، لأن حسابها سيكون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؛ فالطالب الأمين هو الذي تربى على مراقبة الله عز وجل بشقيها: يراقب الله تعالى في أعماله، ويعلم أن عين الله تراقبه، لا يحتاج في ذلك لمفتش ولا لمراقب، لأن المراقبة فضيلة تنبع من أعماق القلوب فتطهرها، وتنبثق من طوايا النفوس فتزكيها، وترتبط بالباطن أكثر مما ترتبط بالظاهر، فهي قائمة على الشعور الحي العميق بجلال الله وسلطانه، تجعله أمينا على معلوماته، فقد يستطيع أن يختلس أو يغش؛ لكنه لا يفعل، لأنه يتذكر دوما قوله تعالى: {وكان الله على كل شيء رقيبا}، وقوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وقوله تعالى: {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}، وقول الرسولﷺ عند ما سأله جبريل عن الإحسان فقال: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

فمراقبة الله تعالى هي التي جعلت النبيﷺ يقول وهو في الغار، وقد أحاط به الكفار: {لا تحزن إن الله معنا}، وهي التي جعلت سيدنا موسى عليه السلام يقول عندما أحاطت به جيوش فرعون من كل جانب: {كلا إن معي ربي سيهدين}، وهي التي جعلت سيدنا يوسف يقول عندما أحاطته امرأة العزيز بشهوتها العارمة وبجمالها الجذاب، فقالت: {هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون}؛ إن انعدام المراقبة في نفس الإنسان تجعله شبيها بالحيوان يرتع ليبتلع، ويجمع لينتفع، ويسطو على الحقوق لينتزع، وينتهك الحرمات ليتمتع، فتفشو بذلك الرذائل، وتغيب الفضائل،
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.