منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تربية الأولاد، بحث في الآليات

تربية الأولاد، بحث في الآليات/ عبد الصمد الخزروني

0

تربية الأولاد، بحث في الآليات

بقلم: عبد الصمد الخزروني

مقدمة

التربية علم وفن وفلسفة وفقه. قيل عنها ا

لكثير من المحاضرات وكُتب حولها العديد من الكتب والمؤلفات. عندما تجد من المؤلفات مثلا كتاب “التربية عبر التاريخ” من 600 صفحة أو أكثر، فاعلم بأن التربية وُجدت مع وجود الإنسان، وصاحبته عبر الزمان والمكان، وكما تطور الانسانُ تطورت التربيةُ أيضا، من التربية البدائية الى التربية العلمية، ومن التربية التقليدية إلى التربية العصرية، ومن التربية القديمة إلى التربية الحديثة. والتربية أنواع كثيرة (التربية الإسلامية، البدنية، الجمالية، الفنية، الأخلاقية…حتى نجد التربية الحيوانية، وهو اقحام تعسفي لمفهوم التربية في مجال الحيوانات). وبهذا التطور ارتبطت التربية بمجالات عدة كالاقتصاد والسياسة والتعليم والفن وغيرها.

فإن كان من تعريف للإنسان شامل وكامل فهو أنه الكائن الوحيد الذي يخضع للتربية دون غيره من الكائنات، فلم يعد تعريفه بـ “حيوان ناطق”، يكفي، لأن حتى الطير أثبت له ربُّ العزة جل وعلا النطق وأثبتَ للنمل والهدهد القول والكلام واللغة.

وهذا الاهتمام الكبير بالتربية عبر التاريخ لأهميتها في حياة الانسان. فهو بدونها لا يصح له سلوك، ولا تحسُن له أخلاق، ولا تثبُت له آداب، ولا يصلُح له مجتمع، ولا تقوم له حضارة ولا أمة. يقول أليفيي ربول: “إن الطبيعة الإنسانية تتضاءل خارج إطار التربية”[1].

أما الأولاد فهم الأبناء والبنات (البراعم والزّهرات)، وهم الأطفال من مرحلة الولادة إلى بداية مرحلة المراهقة التي تبدأ تقريبا من اثني عشر سنة. والأطفال كما يختلفون في القابلية والاستعداد للتربية يختلفون أيضا في البِيئة التي تحتضنهم وفي نوع التربية التي يتعرضون لها ويتلقّونها.

فماذا نقصد بتربية الأولاد؟ وما أركان نجاح عمليتها؟ وما العوائق التي يمكن أن يتعرض لها المربي؟

معنى التربية

التربية بمعنى التقويم والتنمية. تقويم السلوك من الاعوجاج والانحراف حتى يكون منضبطا بقيم دينية وأخلاقية ومجتمعية معينة. والتنمية بمعنى تنمية قدرات وامكانيات الشخصية الإنسانية وترقيتها لتكون شخصية سوية أخلاقيا وفكريا وتربويا وعلميا.

وبهذا تكون تربية الأطفال عملية تجمع بين منحيين: منحى الحفاظ على فطرتهم سليمة من عوامل التشويه الأخلاقي والتحريف العقدي. ومنحى تنمية شخصيتهم بكل أبعادها وترقيتها لتكون شخصية صالحة ومُصلحة، فاعلة وإيجابية في المجتمع.

وتبدو التربية كما يقول أوليفيي ربول: “بمثابة علاقة عمودية بالمعنى الذي يضع فيه أشخاص أنفسَهم فوق الآخرين، فالمعلم فوق التلميذ، والمسؤول فوق اللامسؤول، والوالد فوق الولد، من يعرف فوق من يجهل، الراشد فوق الطفل، إنها إذن علاقة سلطة تتجلى بطرق متعددة، سلطه الأب، المعلم، المدير، المسؤول. ويظهر أن هذا الأمر يسير من تلقاء نفسه[2].

ويقول أيضا وهو يبين لنا الهدف من تربية الأطفال: “التربية لا تعني صنع راشدين تبعا لنموذج معين بل تحرير الإنسان مما يمنعه من تحقيق ذاته”[3]. ويمكن أن تكون تلك الموانع: الجهل، الكسل، الصحبة السيئة، الحاجة، اليأس، اليتم، الفقر..الخ.

أركان التربية

لنجاح هذه العملية التربوية تجاه الأبناء، لابد من توفر أركان أربعة. وهي: المربِّي والمربَّى وبِيئة التربية والمادة التربوية.

الركن الأول: المربِّي:

سواء تعلق الأمر بالوالدين أو من يقوم مقامهما، لابد أن يتوفر فيه شرطان مهمان هما: الأول القدوة أو التمثل التربوي، والثاني العلم التربوي أو الخبرة في ميدان التربية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

أما القدوة فأن يعطي المثال في السلوك والأخلاق، إذ لا يمكن أن يأمر بشيء وهو يعمل بخلافه. القدوة في الأخلاق: أخلاق الصدق، الرحمة، الرفق، الأمانة، الوفاء… والقدوة في الآداب بصفة عامة، آداب الأكل، النوم، الجلوس، الكلام، اللباس…

ومع القدوة يتم تمرير العملية التعليمية من خلال النصح والتذكير والبيان المقنِع بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

وأما العلم التربوي فأن يكون متمكنا بمقتضيات التربية ومتطلباتها. أن يعرف طبائع الطفل النفسية والعقلية والجسدية والحركية.  فلكل مجال علم خاص به. هناك علم النفس التربوي، وعلم النفس المعرفي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الأخلاقي. هذه العلوم مهمة جدا بالنسبة للمربي. حتى وإن لم يتمكن منها تَمكُّن المتخصص، فعلى الأقل أن يكون مُطلعا عليها في حدّها الأدنى من المعرفة. وإلا فمن أين يعرف أن عالم الطفل هو عالم اللعب، وأن الطفل يحب أن يعرف كل شيء، وأن يملك كل شيء، وأن يتحكم في كل شيء، وأن يحظى بكامل الاهتمام. وأن الطفل رجاع للصّدى، بمعنى أن ما يسمعه منك من الكلام وما تتعامل به معه من الأفعال يرده إليك. إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. إن عنفت معه سيعنف معك، إن سمع منك كلمة معينة هي التي ستسمعها منه. هكذا طبيعته.

العلوم التي ذكرناها هي عبارة عن نظريات حول النمو عند الإنسان بشكل عام، وعند الطفل بشكل خاص. هي باختصار شديد:

نظرية النمو النفسي مع فرويد. ويقسمها إلى مراحل هي: الفموية، الشرجية، الجنسية، عقدة أوديب، الكمون، البلوغ.

نظرية النمو المعرفي مع بياجه (1929): يقسمها إلى المراحل التالية: الحسية الحركية، مرحلة العمليات ما قبل الإجرائية، مرحلة العمليات الإجرائية المشخَّصة، مرحلة العمليات الصورية المجردة.

نظرية النمو الاجتماعي مع اريكسون: يقسمها إلى المراحل التالية: مرحلة الإحساس بالثقة مقابل الإحساس بالإحباط، مرحلة الإحساس بالاستقلال مقابل الإحساس بالشك والخجل، مرحلة المبادرة مقابل الشعور بالذنب، مرحلة الإحساس بالمثابرة مقابل الإحساس بالنقص، مرحلة الإحساس بالهوية مقابل الإحساس بالتشتت وغموض الدور، مرحلة الإحساس بالألفة مقابل الإحساس بالعزلة، مرحلة الإحساس بالإنتاجية مقابل الإحساس بالركود، مرحلة الإحساس بالاكتمال مقابل الإحساس باليأس.

نظرية النمو الأخلاقي مع كولمبرج (1981): يقسمها إلى المراحل التالية: مرحلة أخلاق العقاب والطاعة، مرحلة أخلاق الغائية والنفعية وتبادل المصالح، مرحلة أخلاق التوقعات المتبادلة والعلاقات والمسايرة، مرحلة أخلاق النظام الاجتماعي والضمير، مرحلة أخلاق العقد الاجتماعي والحقوق الفردية، مرحلة أخلاق المبادئ العالمية الإنسانية.

نظرية الذكاءات المتعددة مع غارنر: نبه إلى وجود أشكال مختلفة من الذكاء، منها: الذكاء المنطقي، الرياضي، الفضائي، البصري، الجسدي، اللغوي، الموسيقي، البين ذاتي أو الشخصي، الاجتماعي، البيئي/الطبيعي، الوجودي/الفلسفي. فلا يمكن الحكم على الطفل بأنه غير ذكي بمجرد أنه لا يعرف المنطق والرياضيات.

فالذي يتمكن من الاطلاع على هذه النظريات ويفهمها ولو في حدها الأدنى بلا شك سوف تفيده في تجاوز عدة مشاكل قد تعترضه في تعامله مع أولاده.

الركن الثاني: المربَّى:

لابد أن تتوفر فيه شرط القابلية والاستعداد للتربية، هذا بالنسبة للإنسان الراشد. لكن ونحن نتحدث عن الأطفال فإن مرحلتهم العمرية تجعلهم مؤهلين للتربية فطريا. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”. وزاد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: أو يغوثانه. أي يجعلونه غثاء، لا وزن له من حيث الدين والأخلاق.

وعندما نتحدث عن مرحلة الطفولة فإننا نتحدث عن مراحل عديدة يمرّ منها هذا الطفل، وكل مرحلة عمرية تحتاج إلى تعامل خاص، هكذا يؤكد الأخصائيون التربويون في هذا المجال.

وتختلف هذه القابلية والاستعداد ويتفاوتان حسب عوامل الوراثة صفات الذكاء والحركة والانفعال والهدوء. والبِيئة الثقافية والاجتماعية والنفسية.

الركن الثالث: البيئة:

وهي تشمل البيت والمدرسة والمسجد والشارع. أما المدرسة الحالية فقد أصبحت غير مؤهلة لتكون في مستوى البيئة الصالحة المطلوبة. نفس الأمر بالنسبة للمسجد، دوره التربوي أصبح في خبر كان.  الشارع أصبح يفسد أكثر مما يصلح، ويهدم أكثر مما يبني. يبقى البيت هو المحضن الوحيد الذي يُعوّل عليه لتحقيق هذه العملية التربوية. مع أنه معرض في كل وقت للهدم والتدمير من الداخل ومن الخارج ليلتحق بسابقيه المدرسة والمسجد.

فالحفاظ على وظيفة البيت التربوية مسألة حياة أو موت. اعتماد فيها على المجالس الإيمانية التي تجمع بين أفراد الأسرة أمر مُهم للغاية. ومع هذا الحفاظ على دور البيت ووظيفته، علينا في نفس الوقت أن نُعِدّ وأن نبحث عن البِيئة الصالحة التي نمارس من خلالها التربية المطلوبة والتي ستساعدنا على تربية أبنائنا. والمسجد يدخل في هذا الاهتمام. فدور المسجد في تربية أبنائنا لا يقل أهمية عن دوره في بناء العمران الأخوي المنشود. المجالس الإيمانية مع المؤمنين، الصحبة الصالحة.

الركن الرابع: مادة التربية:

ونعني بها، ماذا يمكن أن نعطي لهؤلاء الأطفال في ما يخص السلوك والأخلاق والمعرفة؟ كيف يمكن تنميتها وتثبيتها وترسيخها؟ وكيف يمكن تقويم واصلاح ما اعوج فيهم؟ هذا الأمر يحتاج إلى معرفة واطلاع وخبرة وتجربة.

هذه المادة التربوية تحتاج إلى الاجتهاد والتطوير الكافين والمتواصلين. في الماضي كان الحصول على المادة صعبا لقلة المتخصصين والمؤلفات. أما اليوم فهي مُتيسرة للعموم، يكفي أن تكتب على الشبكة العنكبوتية تربية الطفل فستحصل على مئات بل آلاف من الاختيارات بين المكتوب والمسموع والمشاهد وبعناوين متنوعة. نقول هذا عن اللذين لهم قدرة على التعلم والاطلاع، أما الذين ليس لهم قدرة لغلبة الأمية فالمشكلة عندهم كبيرة إلا أن ييسر الله لهم السبل.

فإذا أردنا أن نجيب عن الأسئلة التي طرحناها سابقا، فإن الذي يمكن أن نعطيه لأبنائنا بالدرجة الأولى هو الحب والحنان. أما ترسيخ الأخلاق وتثبيتها وتنميتها فيكون بالصحبة والاهتمام. أما إصلاح ما يصدر عنهم من اعوجاج فعن طريق أساليب الرحمة والحكمة والرفق والحوار.

عوائق في الطريق

في سياق حديثنا عن أركان نجاح هذه العملية التربوية أودّ التذكير ببعض العوائق التي أراها مهمة والتي لا ينتبه إليها الكثير من المربّين، وهي ثلاثة:

أولا: المقاومة: التي تنبع من الطبيعة النفسية للطفل. وقد أكد الخبراء التربويون أن الطفل يمرّ بمراحل عمرية لا يمكن للمربي القفز عليها أو اختصارها. ولذلك عليه أن يتعامل مع كل مرحلة بما يناسبها من حكمة. بالصبر الجميل والكلام الجميل والإقناع العلمي ما أمكن يمكن التغلب على هذه المقاومة.

ثانيا: العاطفة: استعمال العاطفة في غير مكانها المناسب تعتبر عائقا تربويا. لا بد في بعض الحالات أن تلغى العاطفة ويحضر العقل لتثبيت السلوكيات السليمة. الاعتماد على النفس، التعويد على النظام، ترسيخ بعض الأخلاق. صراع العقل والعاطفة في التربية يحتاج إلى كثير من الوعي لدى المربي حتى يعلَم متى يستعملهما.

ثالثا: الاستبداد التربوي: الكثير منا يستدل بتجربة جدادنا في التربية بأنها كانت ناجحة. أعتقد أن السبب الرئيسي في نجاحها ليس أنهم متمكنون من المادة التربوية ومن علوم وطرق التربية، بل لأنهم كانوا يمارسون الصرامة الشديدة في التربية (الاستبداد التربوي) في غياب السلطة القانونية المانعة لها. كان الأبناء يسيطر عليهم هاجس الخوف كثيرا ولذلك يخضعون للأوامر. أما اليوم حتى وإن أردت استعمال تلك الصرامة الشديدة فلا تستطيع لأنك ستتعرض للمساءلة. وربما حتى الوعي الجمعي أصبح يرفض تلك الطريقة والأسلوب في التربية سواء داخل البيت أو في الفضاءات الأخرى.

خير مُعين: الدّعاء

ومع كل هذه الأركان التي تعد أسبابا بشرية والتي حاولنا تبسيطها يبقى التوفيق والهداية من الله تعالى أولا وأخيرا. ولذلك الدعاء بالصلاح للأولاد لا ينفك عن العملية التربوية على طول الخط. ولنا في تعامل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أبنائهم المثل الأعلى والنموذج الأسمى. والقرآن الكريم حافل بتجاربهم، إذ يستعرض لنا أمثلة كثيرة لوضعيات مختلفة من تعامل الأنبياء والرسل عليهم السلام وذلك حتى يجد فيها كل واحد منا ضالته. هناك تجربة سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام مع ابنه، تجربة سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام مع ابنه، تجربة سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام مع أبنائه. هناك تجارب كثيرة.

خاتمة

وفي الختام ختم الله لنا ولكم بالسعادة والحسنى، يمكن التنبيه إلى أمر مهم، أن هناك من يكتفي بالاطلاع على هذه التجارب النبوية ليمارس العملية التربوية دون السعي إلى الاستفادة من الطرق التربوية العصرية التي هي خبرة انسانية مهمة في هذا المجال. وهذا مما سيعرّض لمشاكل كثيرة بدون شك. لأن الزمان غير الزمان، والإنسان غير الإنسان، والظروف غير الظروف، والمتطلبات والوسائل مختلفة أيضا. نفسه الذي يكتفي بالطرق التربوية العصرية ويلغي التوجيهات النبوية التي يستعرضها لنا القرآن وتوجهنا إليها السنة النبوية. وبالتالي المربي الناجح والموفَّقُ هو من يجمع بين التجربة النبوية في التعامل مع الأبناء والتجربة الإنسانية المتراكمة عبر التاريخ في هذا الميدان.


[1]أليفيي ربول، فلسفة التربية، ص:17. ترجمة: عبد المجيد معروفي.

[2] – نفس المرجع، 49.

[3] – نفس المرجع، ص:19.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.