منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تملص الأبناء من بر الآباء

د. فاطمة اسويطط

0

 

تملص الأبناء من بر الآباء

لقد قرن لله سبحانه عبوديته وفردانيته بالإحسان إلى الوالدين حيث قال سبحانه: ” وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”[1] وأكد المعلم المختار عليه السلام ذلك بما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك»[2]، ما أجملته الآية الكريمة من فرضية الإحسان إلى الوالدين والبر بهما، فصله الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قولا وعملا وتقريرا.

لقد آلمني كثيرا طرح السؤال:  من هو الأولى برعاية والديه البنت او الولد؟ وآلمني أكثر ما سمعت من ردود وإجابات تارة ترجح كفة الولد، وتارة ترجح جهة البنت، وأخرى تروم أن ينفق الولد وتخدم البنت، ورابعة أن يتناوب الأبناء على خدمة من كانا سببا في خروجهم إلى الدنيا، والسهر عليهم حتى اشتد العود واستوى على سوقه.

نعم وللأسف الشديد هذا ما نراه اليوم من تهرب الأبناء من العناية بآبائهم خصوصا عند استقلالهم الأسري، وبقاء الوالدين أحدهما او كلاهما وحيدين مع كبر السن وظهور الأمراض المختلفة وأحيانا المزمنة، وأكثر من ذلك محاولة الأبناء التملص من المسؤولية، وإلقائهم اللوم على بعضهم، والتحجج بكثرة المسؤوليات والانشغالات، بل أبعد من ذلك حين يتهرب الابن من واجب البر بوالديه ويلقي اللوم على زوجته، وحين تتملص البنت من العناية بهما وتخفي تقصيرها وراء زواجها.

المزيد من المشاركات
1 من 8

لقد أصبح شبه مستساغ بين الناس، حصر العناية والبر بالوالدين في الأمور المادية الصرفة، وكأن الملبس والمشرب والمسكن هو أساس الحياة السوية وهو منتهى مبتغى الوالدين، فكم من أبوين يعيشان في غنى ولكن ينقصهم الشيء الكثير. ومما يزيد النفس كمدا أن يشعر الوالدان انهما أصبحا عبئا وثقلا على أبنائهم، وأن يتعامل الأولاد بكل استخفاف وعدم المسؤولية اتجاههم.

شاء الله تعالى وأنا أكتب هده الأسطر أن استمع إلى موقف مؤلم، أم تبلغ من العمر 88 عاما تتصل بأحد المشايخ تحكي وهي تبكي أن لها خمسة أبناء ولدين و 3 بنات، إحداهن في بلاد المهجر، تقول: أتصل ببناتي عدة مرات واحدة ترد على اتصالاتي الملحة بعد شهر أو يزيد، والأخرى لا ترد نهائيا، أما ولداي فأقضي عند كل واحد من أسبوع إلى عشرة أيام، واعود إلى بيتي الذي أشعر فيه بعناية ربي تشملني.  موقف مؤلم حقا أن تشتاق الأم لسماع صوت أبنائها ورؤيتهم وهي من حملت وهنا على وهن، ووضعت وتحملت وتألمت وسهرت و….

ولهؤلاء وامثالهم يقول صلى الله عليه وسلم: ” رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك والديه، أحدهما أو كليهما عند الكبر، لم يدخل الجنة”[3]، ويقول أيضا عليه السلام: ” «من أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله»[4].  

نظم الإسلام كفالة الوالدين وجعلها من أعظم القُرُبات والواجبات، يقول عليه السلام: ” رضى الله في رضى الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين”[5] وقال صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك»[6]، وقال أيضا: ” الجنة تحت أقدام الأمهات “[7]

إن واجب الأبناء ذكورا وإناثا ان يسارعوا إلى خدمة آبائهم، وأن يبذلوا كل ما في وسعهم لتسديد ولو جزء صغير مما بذله الوالدان اتجاههم، إن خفض الصوت والجناح، وتقبيل اليد والرأس والرجل، ونكران الذات، والاعتراف بالجميل هو أساس وروح التعامل مع الوالدين، فالله تعالى نهى عن قول أف لهما، وأمر بشكرهما والإحسان إليهما، ومن الجميل أن يتنافس الأبناء على خدمتهما وتكريمهما، بل وتقديمهما على النفس والولد.

إن وصية الشارع الحكيم هي أن يجد الوالدان في بيوت أبنائهم الملاذ والراحة والسكينة، والأنس والطمأنينة، فأنت ومالك لأبيك، كما قال الصادق الأمين، فمهما كان موقف الوالدين دون الدعوة إلى الشرك بالله تعالى ومعصيته، يبقى برهما قائما وواجبا، فلا طاعة أحب إلى الله عز وجل من طاعتهما، ولا إحسان أعظم من الإحسان إليهما، وموفق ومسدد من حافظ على حسن صحبتهما ومعاملتهما معاملة كريمة نابعة من العطف والمحبة والذلة. قال عبد الله بن عباس: “كن مع الوالدين كالعبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ” [8]

وليعلم الأبناء ذكورا وإناثا أنهم المستفيدون من بر والديهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أحب أن يمد له في عمره، وأن يزاد له في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه “[9]  وأنهم يسددون دينا في ذمتهم سيعود عليهم يوما ما إما خيرا وإحسانا أو عقوقا ونكرانا.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

فاللهم ارزقنا تمام الأدب مع والدينا، وحسن برهما وخدمتهما حبا واعترافا بجميلهما أحياء وأمواتا.


[1]  – الإسراء : 23

[2]  – صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، 2/8

[3]  – مسند الإمام أحمد، تحقيق شعيب أرناؤوط، مؤسسة الرسالة، طبعة 2001 ، 14/231

[4]  – الأدب المفرد للإمام البخاري، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، طبعة 1998، باب من أدرك والديه ولم يدخل الجنة، 1/13

[5]  – شعب الإيمان للبيهقي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، سنة 2003، 10/246

[6]  – المعجم الكبير للطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مطبعة ابن تيمية القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1994 ، 7/230

[7]  – مسند الشهاب للقضاعي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية سنة 1986، 1/102.

[8]  – روح البيان، المولى أبو الفداء إسماعيل الاستانبولي الحنفي، دار الفكر بيروت، 5/147

[9]  – مسند افمام أحمد، باب مسند أنس بن مالك : 21/93

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.