منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تخليص الصيام

سلسلة رمضان والحجر الصحي ـ الحلقة الثانية ـ عثمان غفاري

0

تحدثنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة المباركة المسماة ” رمضان والحجر الصحي” عن موضوع القيام في شهر رمضان وكان الأولى أن نتحدث عن الصيام الفرض قبل الحديث عن القيام السنة. لكن سياق الأحداث وتسارع الفتاوى التي تتحدث عن جواز صلاة التراويح خلف أجهزة التواصل الحديثة دفعني إلى تقديم موضوع القيام سدا لباب الذرائع إذ من شأن الأخذ بهذه الفتوى الاستثناء تعطيل دور المساجد بعد رفع هذا البلاء، وإماتة التعلق القلبي ببيوت الله الضامن للأمن من الفزع يوم البعث والقضاء، وفتحا لآفاق رحبة لمحبي القيام والتهجد يتيحها لهم الشرع الحكيم عسى أن يسارعوا لإعمالها بلا تردد ولا إحجام، من قبيل صلاة التراويح في البيوت من حفظ الإمام أو تلاوة من مصحف أو هاتف محمول.

الآن نعود والعود محمود للحديث عن صيام رمضان لهذا العام، كيف السبيل للارتقاء به من كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة وهو صيام العوام، إلى كف الجوارح عن الشبهة والآثام، وصولا إلى كف القلب عما سوى الله بالكلية بتصحيح القصد والنية. “وليراقب المؤمنون أنفسهم، فمن لم تظهر نتائج الصيام في سلوكه، فليعلم أنه إنما جاع وعطش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وأصحاب السنن عن أبي هريرة: ” من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه “ (1)

مقام دونه عقبات تقتحم من قبيل العادات والذهنيات والأنانيات، وحافزه نِعم تغنم أتاحها الحجر الصحي من قبيل سعة الأوقات وتراجع نسبة ما تنشره القنوات من سخافات ومحرمات، وحظر كل ما كان يشغل عن الطاعات بفرض المكوث في البيوت مع الأسر والعائلات، فلنبادر سادتي أحبتي إلى الاقتحام والإقدام والاغتنام وهذا لن يتأتى لنا إلا بكف الجوارح عن الآثام، فإن التقرب إلى الله بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرب إلى الله بترك المباحات كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل، وتمام هذا المقام بأمور خمسة وهي:

1) غض البصر عن فضول النظر المُورث للخشية

غض البصر عن فضول النظر إلى كل ما يذم ويكره ويلهي عن ذكر الله ويشغل، اتقاء لخائنة الأعين وإغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية، وطاعة لله تعالى القائل في محكم كتابه:” قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ”(2) واستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي ثبت عنه أنه قال:” اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا عاهدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم” (3) بل إنه صلى الله عليه وسلم منعه وأنكره بالفعل، فقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس رضي الله عنهما ينظر إلى امرأة جاءت تستفتيه صلى الله عليه وسلم فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. فحذاري أخي من فضول النظر إلى المحرم الذي تبثه الشياطين المرئية من تلفاز ومواقع إلكترونية وهواتف ذكية وتموله مؤسسات مُعلنة وخفية، فالنظرة تزرع في القلب الشهوة وتوردك موارد الحسرة وإن كانت نظرة فجأة، فعن جرير بن عبد الله قال: “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري” (4) واعلم أخي ألا سبيل لذلك إلا باستحضار مراقبة الله لك فإنه ” يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور” (5) وباللجوء إليه ” وقال ربكم ادعوني أستجب لكم” (6) وبمجاهدة النفس وتعويدها على غض البصر والصبر على ذلك، والبعد عن اليأس، قال تعالى: ” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا” (7)

المزيد من المشاركات
1 من 80

2) كف اللسان عن فضول الكلام المُورث للحكمة

حفظ اللسان عن فضول الكلام والخوض في الباطل، والجدال والمراء، والفحش والجفاء،والسب والاستهزاء، والكذب والافتراء، الغيبة والنميمة وكل ما فيه إيذاء،وإلزامه السكوت والصمت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله فيما يرويه عن ربه،قال الله عز وجل: “ كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم ” (8) وقال عليه الصلاة والسلام ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت” (9) ولذلك ” يربى جند الله، ويربى الشعب، على النفور من النميمة، والغيبة، والبهتان، والزور، نفورهم من أكل الميتة. ويربون على صيانة أعراض المسلمين، وعلى الدفاع عنها، وعلى نبذ عادات السباب واللعن والفحش، وعلى التعفف عن استعمال الكلمات الجارحة حتى في حق الحيوان، وعلى عدم التناجي بين اثنين دون الجليس.. فامتلاك المؤمن لسانه من أهم الدلائل على ضبطه نفسه. فلا تجد الثرثار إلا عنصرا منحلا، عاجزا عن الصبر في المهمات. وفضيلة الصمت لا تنفك عن فضيلة التفكر. الثرثرة سطحية والصمت عمق. الإسراع إلى الكلام خفة، والتفكر وتقليب الرأي رزانة. (10) وقديما قيل ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه، فإذا كتب لنا صيام هذا العام فلنحرص أحبتي أن يصوم بصرنا ولساننا عن الحرام خاصة نشرالإشاعات التي تروج في الإعلام طعنا في الإسلام أو تجريحا لرجالات الأمة الأعلام.

3) كف السمع عن الإصغاء لكل مكروه

فالقاعدة تقضي بأن كل ما حرم قوله حرم سمعه والإصغاء إليه، ويا للعجب من صائم أمسك عن الأكل والشرب، ولم يمسك فاه عن القيل والقال والسفاسف التي لا تليق لا بالنساء ولا بالرجال؟! ولا أذنه عن سماع الأغاني الماجنة والموسيقى الصاخبة والتجسس على المسلمين ؟! ولا نظره عن مشاهدة المسلسلات والأفلام والمواقع غير الأخلاقية ؟! وصدق الشاعر حين قال:

إِذَا لَم يَكُنْ فِي السَّمْعِ مِنِّي تَصَاوُنٌ  ×  وَفِي بَصَرِي غَضٌّ وَفِي مَنْطِقِي صَمْتُ

فَحَظِّي إِذَنْ مِنْ صَومِيَ الجُوعُ والظَّما  ×  فَإِنْ قُلْتُ إِنِّي صُمْتُ يَومِي فَمَا صُمْتُ

4) كف بقية الجوارح عن الآثام

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

كف الجوارح عن المكاره والشهوات، فلا معنى للكف عن المباح الحلال، والإفطار على الحرام، فاحرص أخي من تلبيس إبليس وهدم القصور لإقامة الجحور، فالصائم كما يكف لسانه وعينه وأذنه وقلبه عن الحرام فإنه كذلك يكف يده ورجله عن الحرام، فلا تمتد يده بأذى الناس ولا بأكل أموالهم بالباطل غشا ورشوة واحتيالا..، ولا يمشي بقدميه إلى ما يغضب الله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:” هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَيَامٍ وَصَلاَةٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ”(11) ولله در القائل: ” الحرام سم مهلك للدين والحلال دواء ينفع قليله، ويضر كثيره، وقصد الصوم تقليله”

5) التقلل من الطعام المورث لذة العبادة

” التقلل انضباط لا تخضع له إلا مقهورةً أغلبيةُ النفوس البشرية النهمة بِنَهَم البطن ونهم الفرج ونهم الفَخفخة ونهم التكاثر في زينة الحياة الدنيا، التقلل زينة الله والطيبات من الرزق نتناولها من يد المنة الإلهية بالشكر والورع في حدود الحلال والحرام والمباح والمكروه” (12) فلا تستكثر أُخي من الطعام وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفك لأن رقة القلب وصفاءه إنما يكونان بترك الشبع، وقد قال الجنيد السالك: ” يجعل أحدهم بينه وبين صدره مخلاة من الطعام ويريد أن يجد حلاوة الايمان” التقلل سنة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا”(13). والقوت ما يكفي دون زيادة ” التقلل تضييق إرادي على النفس في الكماليات لا في الضروريات، ليوفر العبد من ماله ومن نفقته، ما به يصل الرحم ويحمل الكَلَّ ويعين على نوائب الحق ويصطنع عند الله عوائدَ البِر” (14)

على سبيل الختم

” للصوم زيادة على أثره التربوي فضل في رفع الروحانية وتصفيتها، فهو إمساك الجسم والنفس عن مبتغاهما. وتزكية نية القربة إلى الله، فتكتسب الروحانية شفافية. إن هذه النفوس أقرب ما تكون للالتئام والتحاب والتعاون إن تهذبت من كدورات الشهوات، وسمت عن الماديات. في رمضان تسود روحانية خاصة لولا تحويل الناس لياليه مناسبات للتخمة والعبث. فعلى جند الله أن يحافظوا للشهر المبارك بوظيفته، ويستمروا السنة كلها إن استطاعوا على ذلك المستوى من الشفافية، مستعينين بصوم الإثنين والخميس، والأيام البيض، ويوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء، والستة من الشوال، ويكثروا الصيام في شعبان والمحرم”(15).


(1) عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص 305

(2) سورة النور الآيتان 30-31

(3) رواه الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وغيرهم عن عبادة بن الصامت

(4) رواه مسلم ( 2159)

(5) غافر الآية 19

(6) غافر الآية 60

(7) العنكبوت الآية 69

(8) رواه البخاري، ومسلم

(9) رواه البخاري، ومسلم

(10) عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص315 – 316 بتصرف.

(11) أخرجه أحمد 2/303(8016) ومسلم 6671 والترمذي 2418

(12) عبد السلام ياسين، الإحسان /ج 1 ص 482 – 483

(13) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة

(14) عبد السلام ياسين، الإحسان /ج 1 ص 483

(15) عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص 305

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.