منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الجمع بين الصلاتين

الجمع بين  الصلاتين/ عبد الله الهلالي

0

الجمع بين  الصلاتين

بقلم: عبد الله الهلالي

أولا:تقديم

من أحب الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى؛ الصلاة لوقتها. فقد قال الله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين  كتابا موقوتا)[1]. و روي عن عبد اللهِ بن مسعود أنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وآله وسلم:«أيُّ العمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ قال: الصلاةُ على وقتِها،[2]. وقد تكفل أمين الوحي عليه السلام بتحديد أوقات الصلاة للنبيَّ  صلى الله عليه وآله وسلم؛ مبينا أول الوقت وآخره، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسائل عن الوقت وقد صلى صلى الله عليه وآله وسلم بالناس اليوم الأول في أول الوقت، وفي اليوم الثاني صلى بهم في آخر الوقت، وقال ما بين هذين وقت. ومن رحمة الشارع بالمؤمنين، أنه شرع الجمع بين الصلوات المشتركتي الوقت: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، في حالات محددة تخفيفا ورفعا للحرج ودفعا للمشقة( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)[3]. غير أن أداء كل صلاة في وقتها أفضل، لأن الجمع رخصة، والرخصة لا يتجاوز قدرها.

ثانيا:تعريف الجمع

يتعدد تعريف الجمع بين الصلوات في الاصطلاح بتعدد آراء العلماء في بيان حكمه، فجمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة  يعرّفون جمع الصلاة بأنّه: ضمّ صلاتَي الظهر والعصر تقديماً، وذلك بأدائهما معاً وقت الظهر، أو جمعهما تأخيراً بضمّ الظهر بعد فوات وقتها وأدائها مع العصر، والأمر لا يختلف في صلاتَي المغرب والعشاء؛ فإما أن تُجمعا تقديماً بأدائهما وقت المغرب، وإما تأخيرا بأدائهما وقت العشاء، وذلك المقصود بالجمع بين الصلاتين . أما الأحناف فلم يجيزوا الجمع إلا في عرفة ومزدلفة ، وباقي الجمع يرونه صوريا[4]، وهو إيقاع كل صلاة في وقتها، بحيث إيقاع الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها.

ثالثا:الأعذار الموجبة للجمع

1-جمع الظهر والعصر بعرفة

2-جمع المغرب والعشاء بمزدلفة

أجمع العلماء على سنية الجمع بين صلاتَي الظهر والعصر جمع تقديمٍ في عرفة، و جمعِ المغرب والعشاء جمع تأخيرٍ في مزدلفة؛ وذلك استدلالاً بسُنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الفِعلية، واعتبروا ذلك الجمع بسبب المناسك وليس بسبب السفر. و قال  بعض المالكية إنّ الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام بعرفة سُنّةً، وإن كان الحاجّ من أهل عرفة، وغيرها من المناسك، ، فيُشترط له الجمع مع الإمام، وإلّا أدّى كلّ صلاةٍ في وقتها.

إلّا أنّ العلماء اختلفوا في غير عرفة ومزدلفة في المواضع التي يجوز فيها الجمع، فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى القول بجواز الجمع في غير عرفة ومزدلفة لعذرٍ شرعيٍ مُعتبَرٍ، وقال المالكية بجواز الجمع بوجود المشقّة، والأولى تركه .وقال الشافعية بأنّ الأفضل ترك الجمع، واستحبابه في عرفة ومزدلفة .وقد ثبت في كتب السيرة والفقه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جمع في حجة الوداع الظهر والعصر جمْع تقديم يوم عرفة وجمَع المغرب والعشاء بمزدلفة جمع تأخير.

3-الجمع في السفر

ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جمع في السفر تارة جمع تقديم وتارة جمع تأخير. فعن أنس قال: « كَانَ رَسُولُ اللهِ  صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشمسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُم نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا»[5]، و عن معاذ رضي الله عنه قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا»[6].

وقد اختلف العلماء في المسافة التي يجوز فيها الجمع، وذهبوا في ذلك إلى عدّة أقوالٍ منها:

– الشافعية والحنابلة ذهبوا  إلى أنّ الجمع بين الصلوات لا يكون إلّا في السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة الرباعية.

-أما المالكية فيرون عدم اشتراط المسافة الطويلة لجواز الجمع، إذ يجوز عندهم الجمع في السفر مطلقاً طويلاً كان أم قصيراً[7]، وقال بعض أهل العلم بجواز الجمع دون اشتراط مسافةٍ مُحدّدةٍ له؛ فكلّ ما يُطلَق عليه اسم السفر يجوز الجمع فيه،ومن الذين قالوا بذلك ابن تيمية؛ حيث يقول رحمه الله “المرجع في ذلك إلى العُرف؛ فما كان سفراً في عُرف الناس فهو السفر الذي علّق به الشارع الحكم، وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة، وقد اشترط المالكية لجمع الصلاة في السفر السير الجادّ؛ أي السير السريع، واشترطوا أن يكون السفر بَرّاً لا بحراً؛ لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ)[8].

4-الجمع بسبب المرض

جاء في الموسوعة الفقهية: اختلف الفقهاء في جواز الجمع للمريض: فذهب المالكيّة والحنابلة إلى جواز الجمع بين الظّهر والعصر وبين المغرب والعشاء بسبب المرض واستدلّوا بما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « جمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين الظّهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر »[9] وفي رواية « من غير خوف ولا سفر » وقد أجمعوا على أنّ الجمع لا يكون إلاّ لعذر فيجمع للمرض وقد ثبت « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش رضي الله عنهما لمّا كانتا مستحاضتين بتأخير الظّهر وتعجيل العصر والجمع بينهما بغسل واحد، ثمّ إنّ هؤلاء الفقهاء قاسوا المرض على السّفر بجامع المشقّة فقالوا : إنّ المشقّة على المريض في إفراد الصّلوات أشدّ منها على المسافر، إلاّ أنّ المالكيّة يرون أنّ الجمع الجائز بسبب المرض هو جمع التّقديم فقط لمن خاف الإغماء أو الحمّى أو غيرهما، وإن سلم من هذه الأمراض ولم تصبه أعاد الثّانية في وقتها، أمّا الحنابلة فيرون أنّ المريض مخيّر بين التّقديم والتّأخير كالمسافر ، فإن استوى عنده الأمران فالتّأخير أولى، لأنّ وقت الثّانية وقت للأولى حقيقة بخلاف العكس، والمرض المبيح للجمع عند الحنابلة هو ما يلحقه به بتأدية كلّ صلاة في وقتها مشقّة وضعف

وخلاصة وتماشيا مع روح الشريعة السمحة(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)[10] ، وقوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)[11]  ومع القاعدة الفقهية “المشقة تجلب التيسير”.، ومع ثبوت الجمع لرفع الحرج في المطر و السفر، فإن  جوازه حال المرض أولى وأحرى؛ لما هو معلوم من ظروف المرض التي تؤخر الإنسان وتقعده عن أداء واجباته وحاجياته الطبيعية، فكان التخفيف فيها مطلوبا ، إذن لا حرج على المريض إذا بلغ به المرض مشقة غير معتادة أن يجمع بين الصلاتين، الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، خاصة إذا شق عليه الوضوء أو التيمم للصلاة بسبب ما ابتلاه الله عز وجل من مرض وسقم، أو خاف الإغماء وزوال العقل  أو غير ذلك.

5-الجمع بسبب الخوف

اختَلف أهلُ العِلمِ في كونِ الخوفِ عذرًا مجيزا للجمع، على قولينِ أحدهما: يجيزُ الجمع للخوفِ، وهو مذهبُ الحَنابِلَة، وقولٌ[12] للمالكية، ووجْهٌ للشَّافعيَّة، وهو قولُ ابنِ تَيميَّة، واستدلوا بحديث ابن عباس السابق ذكره: صلَّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظُّهرَ والعصرَ جميعا، والمغربَ والعِشاء جميعا، في غيرِ خوفٍ ولا سَفرٍ . ووجه الدلالة (من غيرِ خوفٍ ولا سَفرٍ)، يدلُّ بمفهومه على جوازِ الجَمْعِ للخوفِ
كما أنَّ الخوف عُذرٌ لا تنفك عنه المشقَّةُ، بل مشقتُه أكبرُ من مَشقَّةِ السَّفرِ والمرَضِ والمطرِ؛ و إذا كانَ الجمعُ يجوزُ في السَّفرِ والمطرِ والمرضِ، فلأن يجوز للحرب والقتال والخوفِ أَولَى

القول الثاني: لا يجوزُ الجمعُ للخوفِ، وهذا مذهبُ الحَنَفيَّة، والشافعيَّة، وقولٌ للمالكيَّة، مستدلين بآيات المحافظة على الصلاة؛ قال اللهُ تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا )[13] . ووجه الدلالة أنه إذا كُنتم لا تستطيعون أداءِ الصَّلاةِ على هيئتها المعروفة،  وخِفتُم عدوا، فرجالًا أو ركبانًا، أي: حتى لو كُنتمْ ماشينَ أو راكبينَ، فصَلُّوا ولا تؤخروها . كما أنَّه لم يُنقل جمع الصَّلاةِ لعُذرِ الخوفِ. و إنَّ الصلاةَ لها مواقيتُ معلومةٌ شرعًا؛ فلا يُخرَجُ عنها إلَّا بدليلٍ واضح

6-الجمع للمطر

يَجوزُ الجمعُ بين الصَّلاتينِ لِمَطرٍ، وهذا مذهبُ الجمهور: المالِكيَّة،  والشافعيَّة، والحَنابِلَة، وبه قال الفقهاءُ السَّبعةُ، وحُكي الإجماعُ على ذلك. واستدلوا أنَّ تَعبيرَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (مِن غيرِ خَوفٍ ولا مَطرٍ)، يُشعِرُ أنَّ الجمع للمطرِ كان معروفًا في عَهدِه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ولو لم يَكُنْ كذلك لَمَا كان ثمَّة فائدةٌ مِن نفي المطرِ كسببٍ مسوِّغٍ للجمعِ .و جاء عنِ ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّى بالمدينةِ سبعًا وثمانيًا، الظُّهرَ والعَصرَ، والمغربَ والعِشاءَ. فقال أيُّوبُ: لعلَّه في ليلةٍ مطيرةٍ؟ قال: عسى [14]. وعن نافعٍ: (أنَّ ابنَ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنه كان إذا جَمَعَ الأُمراءُ بين المغربِ والعِشاءِ جمَعَ معهم في المطر[15]. فيستفاد من هذا أن الجمع للمطر معمول به مشهور بين الناس

و المطر تلحَق به المشقَّةُ غالبًا؛ فكانَ له تَأثيرٌ في أداءِ الصَّلاةِ في وقتِ الضَّرورةِ كالسَّفرِ والمرضِ. كما أن قول ابن عباس أرادَ أن لا يُحْرِج أحدًا من أُمَّتِه  دلَّ على مشروعيَّةِ الجمعِ بين الظُّهرينِ والعِشاءينِ؛ للحاجةِ  والمصلحة ودَفْعِ الحرَجِ، ومن ذلك المطر. وقال المالكية وجمهور الحنابلة بجواز الجمع بسبب المطر بين صلاتَي المغرب والعشاء فقط دون صلاتَي الظهر والعصر، واشترط المالكية أن يكون الجمع في المسجد فقط

7-الجمع في الحضر

الجمع في الحضر للحاجة من غير الأسباب والأعذار السالفة هو مذهب ابن عباس وبعض من كبار التابعين، منهم أشهب تلميذ الإمام مالك،الذي اشترط ما لم يتخذه عادة، وربيعة الرأي شيخ الإمام مالك، وابن سيرين والقفال وابن المنذر. واستدل أصحاب هذا الرأي ب:

-الجمع ليس هو إلا تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها المختار، وهو أخف من القصر الذي هو إسقاط شطر الصلاة

-العلة في الجمع هي  المصلحة والحاجة والمشقة، والشرع جاء ليرفع الحرج والمشقة عن الناس حضرا وسفرا

-جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة بمن معه من أهل مكة(وكانوا حضرا) ولم يأمرهم بالإتمام

-إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه

وقد حكي عن ابن سيرين أنه لا يرى بأسا بالجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذه عادة[16]

-وقد ألف الإمام الحافظ أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله كتابا في هذا الباب سماه: إزالة الخطر عمن جمع الصلاتين في الحضر؛ بين فيه أن الجمع رخصة تعلقت بالصلاة في الحضر لعذر، وأن علة الجمع هي الحاجة لا السفر، خلافا لعلة القصر التي هي السفر[17]. كما أكد على أن رخصة الجمع متعلقة بمظنة التعب والمشقة وعروض الحاجة[18]  كما استدل بقول أشهب وابن سيرين وبعض التابعين الذين جوزوا الجمع لغير عذر. وأتى بأقوال علماء من المذهب لا يرون بأسا في الجمع شريطة أن لا تصبح عادة وأن تكون الحاجة والضرورة إليه ظاهرة بينة.

أما الحديث المستدل به عندهم وتأصيلهم لهذا الجمع فهو: ما رُوِي عن ا بن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: (جَمع رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بالمَدِينَةِ، في غيرِ خوفٍ، وَلَا مَطَرٍ. فِي حَديثِ وَكِيعٍ: قالَ: قُلتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: لِم فعل ذلكَ؟ قال: كَي لا يحْرِج أُمتَه وفي حَديث أَبِي معاوِيةَ: قيل لاِبنِ عباسٍ: ما أَرادَ إلى ذلكَ؟ قال: أَراد أَن لا يُحرِج أُمته)[19].

إلا أن الكثير لا يرى هذا الجمع جائزا ويحمل حديث ابن عباس على ذوي الأعذار وعند اقتضاء الحاجة فقط، أو مراعاة لفقه الواقع، وبهذا فلا ينبغي التوسع في هذه الرخصة. ويتحجج هؤلاء ب:

– آيات القرآن الكريم دالّة على وجوب المحافظة على أداء كلّ صلاةٍ في وقتها المحدّد، قال الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ)[20]، وقال أيضاً: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)[21].لذا لا يجوز تقديم صلاة عن موعدها ولا يجوز أيضا تأخيرها عن موعدها إلا بدليل قطعي

-لا تصح العبادة ولا تجب إلا بالتيقن بدخول وقتها

-أفضلية الصلاة والعبادة في الوقت أقوى وأدعى من الأخذ بالجمع

-حديث ابن عباس مفتوح على احتمالات عدة، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع؛ ولكن قد يكون  جمعا صوريا فتقع كل صلاة في وقتها

-مذهب القياس في الرخصة على مشقة المسافر أو المرض أو المطر مذهب وقياس ضعيف

ومن الذين عارضوا هذا الجمع بشدة: الإمام الشوكاني وله رسالة في هذا الأمر سماها:تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع، ويقصد بالجمع جمع الصلاتين المشتركتي الوقت بدون عذر. ويقر بأن هذا الرأي كان عليه جماعة من التابعين حيث أورد أبيات[22] يقول صاحبها:

جمع الصلاتين تقديما بلا مرض        ولا اعتذار من الأعذار مبرور

عن ابن سيرين ركن التابعين         ربيعة الرأي والقفال مشهور

أعني الكبير الذي فاق حين روى        ترجيحه ثم حمد وهو مأجور

فيما حكى عن جماعات مقيدة          بغير ذي عادة فالقيد مكسور

ورد عليه بعض العلماء بأقوال من المذهب المالكي تجيز هذا الجمع كما بينا سالفا

رابعا: خلاصات

لا نقاش في وجوب الجمع بعرفة ومزدلفة للحاج؛ فهو يعتبر سنة عند الجمهور. كما أن الجمع الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في السفر والمطر محفوظ في كتب الحديث والسيرة والفقه، وإن كانت الطريقة مختلف فيها كما يذهب الأحناف للجمع الصوري. والجمع للخوف والمرض أولى وأحرى من الجمع في السفر والمطر. ولكن الجمع في الحضر وبدون علة ولا مطر هو محط الخلاف. مع العلم أن حديث ابن عباس صحيح بالرغم من انه سكت عن العذر والحاجة التي دعت إليه، وأيضا عن الكيفية. لهذا يجب أن ينصب النقاش العلمي الهادئ المنصف على تحديد الأعذار وضوابطها في زماننا،حتى لا تتوسع توسعا غير مرضي (كما يشاع على بعض أفراد الجالية المسلمة في أوروبا بجمع المغرب والعشاء مدة تقارب الشهرين عندما يتقارب وقت العشاء والفجر فيجمعون المغرب والعشاء جمع تقديم) أكثر من النقاش حول جواز الجمع من عدمه، لأن  الاجتماع على القول المرجوح أفضل من التفرقة مع القول الراجح، ولأن المسألة خلافية وحديث ابن عباس يحتمل تأويلات لا نستطيع لكلها ردا ولا دفعا. ونظرا لأن الناس في زماننا حدثت لهم أقضية لم تكن سابقا؛(الأطباء الجراحون، ملاحو الطائرات والقطارات والحافلات التي تسير مدة طويلة دون توقف…) لذا وجب على العلماء (المحدثين والفقهاء و الأصوليين) الفصل فيها بما يحافظ على سمو الشرع وهيبته، وبما يراعي مصالح الناس المستجدة.

لكل هذا يجب في نظري الضعيف:

  • تجنب التوسع غير المرضي للرخص ومنها رخصة الجمع لغير عذر
  • الاجتهاد في تحديد ومناقشة الأعذار المستجدة المبيحة للجمع في الحضر في زماننا، كاشتراط أن يبقى العذر المسوغ للجمع إلى دخول الصلاة الثانية والتفصيل و التوسع في تحديد الأعذار المبيحة للجمع من غيرها.
  • تجنب الجمع لغير عذر أو لعذر غير معتبر شرعا
  • التوجيه إلى الجمع الصوري عند الضرورة
  • توجيه من يرى الجمع بغير عذر بمراعاة ألا تصبح تلك عادته
  • استحضار قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته ، وذلك بالرحمة ورفع المشقة والحرج على الناس، خصوصا وأن المشقة غير منضبطة. ويتفاوت الناس في تحمل المشقة والتعايش معها
  • من ادعى وجود مشقة وحرج ألجأته للجمع كيف نكذبه ونتهمه، وكيف إذا كانت هناك مصلحة ومنفعة للغير في جمع شخص بين الصلاتين والنماذج كثيرة
  • وأخيرا تهاون وتساهل البعض في أسباب جمع الصلاتين بدون عذر، ليس موجبا لمنع الجمع بالمرة والقول بعدم جوازه.

والله تعالى أعلى وأعلم

والحمد لله رب العالمين


[1] سورة البقرة الاية 238

[2] رواه البخاري

[3] سورة المائدة، الآية 6

[4]  الفقه الإسلامي وأدلته ج 2

[5] أخرجه الشيخان

[6]  أخرجه مسلم

[7]  الفقه الإسلامي وأدلته ج2

[8]  سورة النساء، الآية 101

[9]  حديث سابق للشيخين

[10] سورة البقرة، الآية 185

[11]  سورة المائدة، الآية 6

[12] القول والمذهب والوجه والرأي  كلها مصطلحات فقهية. وقول يقصد به وجود رأي مخالف له في المذهب. والمذهب ما يذهب إليه إمام أم مجتهد في كل الأمور الشرعية وهو أمفهوم أضيق من الدين، يكتسب المذهب قوته بفعل التوثيق والحفظ والانتشار

[13]  سورة البقرة، الآية 238

[14]  رواه البخاري

[15]  رواه مالك في الموطأ

[16]  المنتقى من أخبار المصطفى لابن تيمية، ج2

[17]  انظر الكتاب: إزالة الخطر عمن جمع الصلاة في الحضر

[18]  نفس المصدر السابق

 أخرجه الشيخان[19]

[20] سورة البقرة ، الآية 238

[21]  سورة النساء

[22]  أبيات ليحي بن أبي بكر العامري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.