منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التواصل البيداغوجي : مكوناته، شروطه، معيقاته

0

تقوم الحياة بجميع مكوناتها على أسس وركائز يستوجب وجودها وجود الحياة المنشودة، كما يسهم غيابها في ظهور حواجز وعقبات يصعب اقتحامها مما يفقد العيش لذته ومبتغاه. ومن أهم هذه الركائز التواصل الذي هو بمثابة المفصل الرابط بين مكونات العضو في الجسم، إذ لا غنى للجسم عنه وبدونه تبقى مكونات العضو بمعزل عن بعضها البعض، ومن ثم شلل العضو كله.
إن التواصل هو وسيلة التبادل وعلاقة التفاعل وقناة التأثير والتأثر بين الفرد وغيره، فهو يحتاج إلى أبجديات لابد من توفرها في الإنسان حتى يتسنى له التأهل لهذا الأمر.[1]

هذا الكسب – أي التواصل- مشروط بشروط هي الخطوط المؤطرة له والضابط المحتكم إليه.
فما هي مكونات عملية التواصل؟ وما شروطها؟ وما هي كبرى معيقاتها ؟

  • يعرف الدكتور طه عبد الرحمان التواصل بأنه “مقولة كبرى تشمل الوصل هو نقل الخبر ، والإيصال الذي هو نقل الخبر مع اعتبار المخبر ، والاتصال الذي هو نقل الخبر مع اعتبار المخبر والمخبر إليه.”[2] وعليه فإن الإنسان يحتاج من أجل إدارة شؤون حياته إلى التواصل، فهو اللبنة الأولى في صرح أي علاقة بغض النظر عن نوعها.

ومن أهم العلاقات التي لا تستغني عن التواصل هي العلاقة الرابطة بين المدرس والمتعلمين وبين المتعلمين في ما بينهم داخل الفصل الدراسي، ومن ثم سيكون مدار هذا المبحث حول التواصل ودوره الفعال في العملية التعليمية التعلمية.

مما لا خلاف حوله أن العملية التعليمية التعلمية لها ثلاث مكونات أساسية تشمل المدرس والمتمدرس والمنهاج الدراسي، هذه المكونات الثلاث خيطها الناظم هو عملية التواصل إذ بها تحصل الدينامية والجدلية داخل الفصل الدراسي ، ويعتبر المدرس في الغالب هو المحرك الذي يغلب عليه دور المرسل ،هذا الإرسال الذي لبه نقل المعارف والخبرات وتبادل الأفكار والتجارب مثلما أشار إلى ذلك عاطف عدلي العبد حين عرفه بأنه” نقل للمعلومات والأفكار والاتجاهات من طرف إلى آخر من خلال عملية ديناميكية مستمرة ليس لها بداية أو نهاية “[3]

المزيد من المشاركات
1 من 47

لأجل هذا هناك مجموعة من الشروط التي لابد من توفرها في المدرس، في مقابل مؤهلات لابد للمتعلم منها، أضف إلى ذلك ما هو مرتبط بالفضاء.

شروط التواصل البيداغوجي عند المدرس:

  • الإدراك الشامل للقواعد: إذ لابد للمدرس من معارف تؤطر إلمامه بالمادة المدرسة، كما يستوجب عليه الإحاطة بجل قواعدها، فبدون اكتساب المدرس لهذه الكفاءة سيتعرض لصعوبات تتطلب منه وقت إضافيا لحل إشكالاتها، مما سيكون بلا شك على حساب أمور مهمة أخرى.
  • البناء المنطقي للموضوع : فالمدرس مطالب بنهج عملية التدرج؛ حيث ينطلق من التمثلات فيعزز الصائب منها، ويصحح الخاطئ ليرتقي بعد ذلك في سلم الدرس من البسيط إلى المعقد.
  • الأسلوب البسيط والمتين: فمراعاة قدرات ومهارات التلميذ المعرفية والوجدانية والحس حركية تساعد المدرس على اختيار الأسلوب المناسب، وأحسن هذه الأساليب ما كان سهلا بسيطا مشتملا على المتانة و الصحة.
  • اللحظة المناسبة : هذا الشرط له من الدور المهم ما يميزه عن غيره، إذ أن إحسان المدرس له يؤهله بشكل كبير إلى تحقيق أهدافه و غاياته التعليمية والتربوية بأبسط جهد وفي وقت وجيز.

شروط التواصل البيداغوجي عند المتعلم:

  • الرغبة والدافعية: فالمتعلم الراغب في تطوير ذاته والارتقاء بمعارفه يجعله دائم الحرص على تنمية مكتسباته وتطوير ذاته عن طريق التفاعل داخل الفصل والتعبير عن رأيه وتصحيح أخطائه .
  • الانسجام التام: هذا الشرط يطلب من المدرس أكثر منه من التلميذ، فالانسجام والتفاهم له دور أساس يمكن من نجاح العملية التواصلية.

وللإشارة فإن هذين الشرطين إذا فقدا لدى المتعلم، يصبح إنشاؤهما وتنميتهما من مهام المدرس قصد أن يبثها في ذات المتلقي، حتى يتسنى له التبادل المستمر والمشاركة في بناء مهاراته ومعارفه.

شروط التواصل البيداغوجي المتعلقة بالفضاء:

تلعب البنية التحتية للمؤسسة و إمكانات الفصل من حيث التجهيزات و الوسائل التعليمية دورا مهما في تسهيل عملية التواصل التربوي، و من ثم تحسين المردودية التعليمية.

إن التواصل يحتاج إلى قنوات ووسائط لنقل الخطاب، و كلما كانت هذه القنوات جيدة و غنية، كلما كان التواصل سليما و ناجحا. كما أن الطبيعة “الايكولوجية” للفصل تخلق أجواء نفسية تتميز بالارتياح، مما يقلص من حالات التوتر أو الشعور بالكآبة و الرتابة.

في ظل توفر هذه الشروط فإن للتواصل البيداغوجي طرقا وأشكالا متعددة، وعملية التواصل الناجحة هي التي توظف الطرق كلها بمهارة واتقان، فأحيانا يكون الشكل العمودي هو الأسلوب الأنسب للمرحلة حيث يرسل المدرس رسالة لابد للمتعلم من معرفتها، لكن بعد التقاطه لها قد يتحول أسلوب التواصل إلى الشكل الأفقي بمجرد تساؤل المتعلم عما أشكل عليه فهمه فيطلب من المدرس توضيحا، فتأخذ الطريقة التواصلية شكلا استجوابيا مما تكون نهايته تواصلا مفتوحا متنوع الاتجاهات، وهو من أنشط أساليب التواصل لكونه يشمل الملاحظة الحية والتجربة المباشرة والممارسة الشخصية فيكون المدرس عنصرا مساهما وموجها.

إلا أن هذا كله قد تعتريه معيقات وعقبات من شأنها أن تمنع أو تحد من فاعلية التراسل والتواصل وعليه فهي ” جميع المؤثرات التي تؤثر سلبا أو تمنع عملية تبادل المعلومات أو المشاعر ما بين المرسل والمستقبل أو تعطلها أو تؤخر وصولها أو تشوه معانيها”[4]

ويمكن جمع هذه المعيقات في قسمين كبيرين مصنفين حسب أصول هذه المعيقات:

داخلية  : وهي العوائق التي تشمل الجانب النفسي والوجداني، إما في ذات المدرس [كالصورة الخاطئة التي يحملها المدرس عن نفسه وما يترتب عنها من الخجل والاضطراب وضعف في الشخصية، أو من غرور ومبالغة في الثقة بالنفس؛ فيفضي الأمر إلى سوء التصرف] أو ما هو كامن في نفس المتعلم [كالخجل والخوف من العقاب، أو السخرية، وكذا عدم الإحساس بالحرية والتلقائية].

كما أنها تشتمل على الجانب الذهني مثل قصور المتعلم عن فك الترميز وفهم مضمون المحتوى التعليمي.

خارجية: وهي غالبا ما تأخذ صبغة مادية كعدم توفر المدرس على وسائل تساعد على التبليغ، أو ضعف وسائل الاستقبال لدى المتعلم، أو صعوبات تتعلق بمضمون الرسالة البيداغوجية أو بشكلها أو بنيتها.

إن التواصل ذو أهمية كبرى داخل العملية التعليمية التعلمية وبدونه لن تؤتي العملية أكلها، بل لا يمكن حتى أن تتصور فأحرى أن تحقق الهدف والغاية منها، ومن ثمة فإن التواصل مفتاح رئيس لا يمكن لأي طرف من أطراف عملية التدريس أن يستغني عنه.

[1] العربي السليماني، “التواصل التربوي مدخل لجودة التربية والتعليم”، منشورات مجلة علوم التربية، سنة 2005 ،مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء [بصرف].

[2] طه عبدالرحمان، “الحجاج والتواصل”، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سنة 1993/1994،  بأكدير سلسة الدروس الافتتاحية الدرس 10.

[3] العبد عاطف عدلي، “الاتصال والرأي العام” دار الفكر العربي القاهرة، مصر، 1993، ص15.

[4] ربحي، مصطفى علبان والطوباسي، عدنان محمود “الاتصال والعلاقات العامة”، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2005، ص158.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.