منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صحة خلافة الخلفاء الراشدين

أنوار زيراف /صحة خلافة الخلفاء الراشدين

0

صحة خلافة الخلفاء الراشدين

 بقلم: أنوار زيراف

من عقائد أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم والاحتجاج بإجماعهم والاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، وحرمة بغض أحد منهم لما شرفهم الله به من صحبة رسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم وتقديم حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك كله، كما يعتقد أهل السنة أن أفضل البشر بعد الأنبياء هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، على هذا الترتيب[1]، وقد أجمع السلف على أن إمامتهم كانت عن رضى من جماعتهم[2].

ولقد وردت نصوص من القرآن والسنة فيها الإشارة إلى خلافتهم رضوان الله عليهم[3]، ومن النصوص الدالة على صحة خلافة الخلفاء الأربعة من القرآن قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾[النور: 53]، فقد “استدل أهل العلم بهذه الآية على صحة خلافة الخلفاء الراشدين”[4].

قال ابن عجيبة الحسني الفاسي الصوفي في تفسيره عند هذه الآية: “والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات على ما ينبغي هم الخلفاء رضي الله عنهم”[5].

المزيد من المشاركات
1 من 25

تحليل الاستنباط:

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.

أما لفظ (من) في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ للتبعيض و(كم) ضمير الخطاب فيدلان على أن المراد بهذا الخطاب بعض المؤمنين الموجودين في زمان نزول هذه السورة لا الكل، ولفظ الاستخلاف يدل على أن حصول ذلك الوعد يكون بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لا نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء، فالمراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة، والضمائر الراجعة إليهم في قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ وقعت كلها على صيغة الجمع، والجمع حقيقة لا يكون محمولاً على أقل من ثلاثة، فتدل على أن هؤلاء الأئمة الموعود لهم لا يكونون أقل من ثلاثة[6].

وقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ﴾ إلى آخره وعد لهم بحصول القوة والشوكة والنفاذ في العالم فيدل على أنهم يكونون أقوياء ذوي شوكة، نافذ أمرهم في العالم، وقوله: ﴿دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ يدل على أن الدين الذي يظهر في عهدهم هو الدين المرضي لله وقوله: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ يدل على أنهم في عهد خلافتهم يكونون آمنين غير خائفين، ولا يكونون في الخوف والتقية، وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يدل على أنهم في عهد خلافتهم أيضاً يكونون مؤمنين لا مشركين[7].

الحاصل أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين -الحاضرين وقت النزول- بالاستخلاف والتصرف، وبإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين، وبأن يجعلهم في غاية الأمن حتى يخشاهم الكفار ولا يخشون أحدا إلا الله تعالى، وبتقوية الدين المرتضى بأن يروجه ويشيعه كما ينبغي[8].

وهذه الآية منطبقة على خلافة الصديق رضي الله عنه وعلى خلافة الثلاثة بعده فإن الخطاب فيها موجه للصحابة رضي الله عنهم، ووعد الله حق، فوجب ضرورة أن توجد في جماعة الصحابة خلافة لجماعة يتمكن بها الدين، ولم توجد الخلافة على هذه الصفة إلا للخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، فهي التي وعد الله بها؛ لأن تمكن الأربعة في دينهم وزهدهم وجهادهم وفتوحاتهم قد بلغت حد التواتر، فقد حصل لهم الاستخلاف وتمكين الدين وأبدل الخوف -الذي حصل بموت النبي صلى الله عليه وسلم حين ارتدت أهل اليمامة وتبعت مسيلمة الكذاب- بالأمن، فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق، فيجب حملها عقلا ونقلا على الخلفاء الأربعة للإجماع على أنه لم يلحقهم من هو أولى بهذه الفضيلة منهم، ولم يستخلف أحدا ممّن خوطب بهذه الآية غيرهم، فهم الذين صدق وعد الله فيهم، ولا وجود لغير خلافتهم على تلك الصفة بداهة[9]، فيلزم من ذلك صحة خلافتهم رضي الله عنهم.

طريق الاستنباط:

طريق الاستنباط هو دلالة الإشارة؛ فالآية تدل بعبارتها على وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الأعمال الصالحة، بأن يورثهم أرض المشركين، ويجعلهم خلفاء فيها، مثلما فعل مع أسلافهم من المؤمنين بالله ورسله، وأن يجعل دينهم الذي ارتضاه لهم -وهو الإسلام- دينًا عزيزًا مكينًا، وأن يبدل حالهم من الخوف إلى الأمن، وتدل بإشارتها على صحة خلافة الخلفاء الأربعة لأنهم هم الموعودون بالاستخلاف.

الاعتراضات على الاستنباط:

اعترض على الاستنباط اعتراضات أورد كل واحد منها متبوعا بجوابه[10]:

الاعتراض الأول: أن الآية تقتضي حصول الخلافة لكل من آمن وعمل صالحا.

  • والجواب عنه: أن كلمة من للتبعيض فقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يدل على أن المراد بهذا الخطاب بعضهم.

الاعتراض الثاني: أنه يجوز أن يكون المراد من قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم﴾ هو أنه تعالى يسكنهم الأرض ويمكنهم من التصرف لا أن المراد منه خلافة الله تعالى ومما يدل عليه قوله: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة فوجب أن يكون الأمر في حقهم أيضا كذلك.

  • الجواب عنه: أن الاستخلاف بالمعنى المذكور حاصل لجميع الخلق فالذكور هاهنا في معرض البشارة لا بد وأن يكون مغايرا له. وأما قوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ فالذين كانوا قبلهم كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الإمامة والخلافة حاصلة في الصورتين.

الاعتراض الثالث: أن هناك ما يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على خلافة رسول الله لأن من مذهب أهل السنة أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحدا وروي عن علي عليه السلام أنه قال: «أترككم كما ترككم رسول الله».

  • الجواب عنه: أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان لم يستخلف أحدا بالتعيين ولكنه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار فلا يمتنع في هؤلاء الأئمة الأربعة أنه تعالى يستخلفهم وأن الرسول استخلفهم، وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر يا خليفة رسول الله، فالذي قيل إنه عليه السلام لم يستخلف أريد به على وجه التعيين وإذا قيل استخلف فالمراد على طريقة الوصف والأمر.

الاعتراض الرابع: أنه يجوز أن يكون المراد من الآية خلافة علي رضي الله عنه والواحد قد يعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم.

  • الجواب عنه: أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز وهو خلاف الأصل.

الاعتراض الخامس: أن تحمل الآية على الأئمة الاثني عشر.

  • الجواب عنه: أنه باطل لوجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿مِنْكُم﴾ يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين. الثاني: أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والنفاذ في العالم ولم يوجد ذلك في هؤلاء الأئمة.

الاستنتاج:

يتحصل مما سبق أن ما ذهب إليه المفسرون وعلماء السنة استنباط صحيح من الآية الكريمة، وهو رأي كثير من العلماء قديما وحديثا؛ قال الضحاك -من مفسري التابعين-: أن هذه الآية تتضمن صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لأنهم أهل الإيمان وعمل الصالحات[11]، وحكى ابن العربي في تفسيره أن علماء المالكية يرون أن هذه الآية دليل على صحة خلافتهم[12].


[1]  ينظر: عقيدة أهل السنة في الصحابة، ناصر بن علي، 1/219، 243، 259، 275.

[2]  ينظر: نفسه، 2/550، 629، 655، 688.

[3]  رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، ص: 171.

[4]  تفسير السمعاني، 3/544.

[5]  البحر المديد، ابن عجيبة، 4/61.

[6]  إظهار الحق، رحمت الله الهندي، 3/392.

[7]  البحر المديد، ابن عجيبة، 4/61. إظهار الحق، رحمت الله الهندي، 3/393.

[8]  مختصر التحفة الاثني عشرية، محمود شكري الألوسي، 1/126.

[9]  ينظر: الحسام المسلول على منتقصي أصحاب الرسول، بحرق اليمني، ص: 81. النكت الشنيعة في بيان الخلاف بين الله تعالى والشيعة، فصيح الدين الحيدري، ص: 42. الحجج الباهرة في إفحام الطائفة الكافرة الفاجرة، جلال الدين الدواني، ص: 84.

[10]  ينظر: التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، 24/413-414.

[11]  ينظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 4/193. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 12/297.

[12]  أحكام القرآن، ابن العربي، 3/409.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.