منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعويض عن الضرر(الشرط الجزائي)

الدكتور محمد جعواني/ التعويض عن الضرر(الشرط الجزائي)

0

التعويض عن الضرر (الشرط الجزائي)

الدكتور محمد جعواني

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 

جاء في المادة 9: «يجوز أن يـنص عقد المرابحة على أنه في حال توقف العميل عن التسديد، دون عذر معتبـر شرعا يجب عليه:

دفع جزء أو كل ما تبقى من أقساط الثمن في ذمته بعد توصله بإشعار مضمون من المؤسسة أو بعد انقضاء مدة محددة أو تلقائيا فور التوقف عن التسديد.

المزيد من المشاركات
1 من 43

دفع تعويض عن الأضرار الفعلية التي لحقت بالبنك بسبب توقفه عن الأداء بعد إثبات ذلك في حدود ما تبقى من الثمن في ذمته». [1]

و جاء في المادة 13: «في حالة عدم وفاء العميل بوعده بالشراء يجوز أن تقتطع المؤسسة من هامش الجدية مبلغا لا يتجاوز مقدار الضرر الفعلي المثبت الذي تحملته من جراء ذلك، دون المطالبة بأي مبلغ إضافي».[2]

يستفاد من المادتيـن وجود حالتيـن تستوجبان التعويض:

الحالة الأولى: عندما يتوقف العميل عن سداد الثمن تماطلا بغيـر عذر معتبـر شرعا.

ففي هذه الحالة يُلزم بدفع جزء أو كل ما تبقى في ذمته من الثمن، مع دفع تعويض عن الأضرار الفعلية المثبتة التي لحقت بالبنك، ويكون التعويض عن الضرر في حدود ما تبقى من الثمن وليس كل الثمن.

الحالة الثانية: عند نكول العميل عن وعده بالشراء، يقتطع البنك من «هامش الجدية» ما يعوض به الضرر الذي تكبده من غيـر زيادة.

ويتمثل التعويض في الفارق بيـن ثمن شراء السلعة وثمن بيعها من طرف البنك.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 14

والأصل في تعامل المؤمن الوفاء بالتزاماته وعهوده، ولذلك اعتبـر الشرع المماطلة من الظلم المحرم، لما فيها من إخلال بالواجب، وتضييع لحقوق الغيـر وإهدار لمصالحهم وما يترتب عن ذلك كله من فقدان للثقة بيـن المتعامليـن وتعطيل للدورة الاقتصادية.

روى عمرو بن الشريد عن أبيه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لَيُّ الواجد يُحِلُّ عِرضَه و عقوبتَه»[3]واللّيُّ: المماطلة.

وعن أبي هريـرة-رضي اللَّه عنه- أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم قال: “مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَع”.[4]

فلا جدال في أحقية المتضرر بمطالبة المتسبب في ضرره بالتعويض المنصف من غيـر تعسف، وله أن يشترط ذلك ويـنص عليه في العقد.

ويستأنس في ذلك بما أخرجه الإمام البخاري عن ابن سيـريـن أن رجلا قال لكَرِيِّه: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غيـر مكره فهو عليه.»[5]

ولا يختلف عاقلان في كون نكول المتعامل عن وعده بعد تملك البنك للعيـن سيُدخل البنك في «كُلفة» ويُحمّله تبعات جرّاء الصفقة. لذلك شُرِع له الاقتطاع من «هامش الجدية» ما يعوض به ضرره المثبَت، تقليلا للمخاطر عن المؤسسة.

لكن، عندما يتعلق الأمر بالدّيـن فقد نقل ابن المنذر وغيـره إجماع أهل العلم على منع اشتراط الزيادة عند تأخر السداد، لأنه ربا الجاهلية عيـنه.[6]

وقال الإمام الحطاب: «إذا التزم المدعى عليه (المديـن) للمدعي: أنه إذا لم يوفه حقه في كذا فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه، لأنه صريح الربا، سواء أكان الشيء الملتزم به من جنس الديـن، أم غيـره، وسواء أكان شيئاً معيـناً أم منفعة».[7]

وهذا ما أفتى به الاجتهاد المعاصر، فقد جاء في المعيار الشرعي رقم 3: «لا يجوز اشتراط التعويض المالي نقدا أو عيـنا، وهو ما يسمى بالشرط الجزائي، على المديـن إذا تأخر عن سداد الديـن، سواء نص على مقدار التعويض أم لم يـنص، وسواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة) أم عن تغيـر قيمة العملة» و» لا تجوز المطالبة القضائية للمديـن المماطل بالتعويض المالي نقدا أو عيـنا عن تأخيـر الديـن».[8]

فالشرط الجزائي جائز في كل العقود المالية عند جماهيـر أهل العلم، ما عدا التي يكون الالتزام الأصلي فيها ديـنا، تجنبا للوقوع في الربا.

وذهب بعض المعاصريـن[9]إلى جواز اشتراط التعويض ولو على الديون عند وقوع الضرر. واستدلوا بأن عقوبة المماطل لا تنحصر بالحبس وشكايته، بل تعم وتشمل دفع الضرر، وذلك بإلزامه دفع الغرامة المالية لما ألحق من ضرر مادي بالدائن.

فالمماطل غاصب مطالب بضمان ما فات على الدائن من منفعة محققة أو متوقعة.

جاء في قرار هيأة كبار علماء السعودية بالإجماع « أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبـر، يجب الأخذ به، ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبـر شرعا، فيكون العذر مسقطا لوجوبه حتى يزول. وإذا كان الشرط الجزائي كثيـرا عرفا بحيث يـراد به التهديد المالي ويكون بعيدا عن مقتضى القواعد الشرعية، فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة، أو لحق من مضرة».[10]

ونوقش هذا الرأي المجيز بكون هذا الاشتراط لا يصح، لأنه يؤول إلى طلب تعويض (زيادة) نظيـر التأخيـر فحسب، وهو ربا الجاهلية المعلوم.

وحق الدائن يمكن استيفاؤه بإلزام المديـن المماطل وإجباره وتعزيـره.

ثم صدر رأي من «الأيوفي» يقول بجواز إلزام المماطل بالتصدق بمبلغ أو نسبة من الديـن تُصرف إلى جهات البرّ والخيـر عن طريق المؤسسة بالتنسيق مع هيئة رقابتها الشرعية، ولا يحق للمؤسسة الاستفادة منه.[11]

واعتبـرته من قبيل الالتزام بالتبـرع عند المالكية، وهو قول أبي عبد الله بن نافع ومحمد بن إبراهيم بن ديـنار».[12]

وهذا الرأي لا يُسلَّم لأصحابه، فتلك «الصدقة» تعتبـر مقابل «الإنظار»، فلا تخرج عن صورة «أنظرني أزدك» المحرّمة. والمؤسسة تستفيد من الزيادة بوجه من الوجوه.

لذلك اقتُرِحت حلول أخرى للحدّ من تماطل المديـنيـن وما يسببه ذلك من مشاكل للبنوك الإسلامية (التشاركية)، ومن ذلك اشتراط الضمانات الكافية كالكفالة والرهن…مع دراسة الجدوى والملف مسبقا، واختيار المتعامل المناسب.

بعد هذه المناقشة في مسألة التعويض عن الضرر يتبيـن أن تنصيص المنشور على جواز التعويض عن الضرر في حال توقف سداد الثمن يعتبـر مخالفا للقول الراجح لجماهيـر أهل العلم.

وتجدر الإشارة إلى أن المادتيـن نصتا على جبر الضرر عند التوقف عن السداد لغيـر عذر شرعي، أو عند الإخلاف بالوعد. لكنهما لم تتحدثا عن الإجراءات في حال التوقف عن السداد لعذر شرعي، أو إخلاف الوعد لمانع معتبـر.

والأولى في هذه الحالة التعامل وفق مبدأ «إنظار المعسر». أو تطبيق «أحكام الإفلاس» إذا كان سبب التوقف هو الإفلاس.

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


[1]–  انظر: منشور والي بنك المغرب، الجريدة الرسمية، عدد 6548، ص583

[2]–  انظر: منشور والي بنك المغرب، الجريدة الرسمية، عدد 6548، ص584

[3]–  رواه البخاري تعليقا، كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب لصاحب الحق مقال. ورواه أبو داود، كتاب الأقضية، باب في الحَبْس في الديـن وغيـره. ح3198.

[4]–  رواه البخاري في الصحيح، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يـرجع في الحوالة.ح2194

[5]–  انظر: صحيح البخاري 2/981، طبعة دار ابن كثيـر – بيـروت.

[6]–  انظر: الإجماع لابن المنذر ص 136. وانظر: تحريـر الكلام في مسائل الالتزام ص 176

[7]–  الحطاب، تحريـر الكلام في مسائل الالتزام ص176‏ دار الغرب الإسلامي، ط1‏، 1984‏م

[8]–  المعاييـر الشرعية ص 93 وانظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد 2، 2/873

[9]–  انظر: عبد الله بن المنيع، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، ص23، العدد 12. الصديق الضريـر، مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي ص112، عدد1، مجلد3‏. مصطفى الزرقا، مجلة أبحاث الاقتصاد الاسلامي، العدد الثاني، المجلد الثاني ص97. الصديق الضريـر، مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي عدد1 مجلد3‏، ص112

[10]–  انظر: مجلة البحوث الإسلامية ص 59- 144، العدد الثاني عام 1395 هـ.

[11]–  المعاييـر الشرعية ص 95، وص217.

[12]–  انظر: المعاييـر الشرعية ص 266، تحريـر الكلام للحطاب ص71- 76

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.