منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشكوى وجواب الشكوى

الشكوى وجواب الشكوى/ عبد الحميد بن سالم

0

الشكوى وجواب الشكوى

عبد الحميد بن سالم

يذكر إقبال في كتاب تجديد الفكر الديني مقولة الشاعر الصوفي الأفغاني عبد القدوس الجنجهوي حول المعراج فيقول: “صعد محمدا النبي العربي إلى السموات العلى ثم رجع إلى الأرض…قسما بربي لو أني بلغت هذا المقام ماعدت إلى الأرض.”

ويعطي إقبال تفسيرا للفرق بين الوعي الصوفي والوعي النبوي فيقول ” الصوفي لا يريد الرجوع من مقام الشهود، وإن رجوعه لا يفيد شيئا، أما رجعة النبي فهي رجعة مبدعة، إذ يعود ليشق طريقه في موكب الزمان ابتغاء التحكم في ضبط قوى التاريخ وتوجيهها.”

وعندما بلغ بإقبال مبلغا من السمو الروحي وتعلقت نفسه بالملأ الأعلى، وأحس بداخله نورا يعانق السماء، واستبد به الشوق، كتب قصيدته الشهيرة “الشكوى وجواب الشكوى” يحاكي فيها حادثة الإسراء والمعراج، حين أصاب النبي (صلى الله عليه وسلم) ما أصابه من ألم فراق زوجته خذيجة وزادت مرارته بوفاة عمه، فلم يعد له في الأرض حضن يلجا إليه، ولا سندا يحمي ظهره من عتاة قريش، فيذهب إلى الطائف فيتلقاه الذراري بالحجارة والاستخفاف، فتزداد آلامه وتتسع جراحه. لكن الجروح هي مكمن النور، فيرفع النبي(صلى الله عليه وسلم)يده “بالشكوى” إلى ربه وهو في حالة روحية ونورانية يضاهي بها الملائكة ويقول: “اللهم إني أشكوا اليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، فإن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي”. فيأتي “جواب الشكوى” بتلك القوة التي سرت به إلى المسجد الاقصى وعرجت به إلى سدرة المنتهى، ولا حيلة لقريش ولا لأحد من خلقة بهاته المعجزة، ووضع الأقصى وفلسطين في قلب رسالة الإسلام.

فلما ازداد اشتياق إقبال إلى ربه، وجاشت روحه وفاضت عيناه، شكا إليه وكتب قصيدته في مناجاة بديعة يتحدث بحديث لا تفهمه إلا القلوب.

حديث الروح للأروح يسري **وتدركه القلوب بلا عناء.

لقد فاضت دموع العشق*** مني حديثاً كان عُلوي النداءِ.

فحلق في ربى الأفلاك حتى*** أهاج العالم الأعلى بكائـي.

وبدأ يشكو إلى الله حاله ويتلقى جواب الشكوى من ربه على لسانه، ويصور لنا هاته المناجاة الربانية في قصيدته المشهورة “الشكوى وجواب الشكوى”، يصف كلماته التي تتفجر من قلبه وتخترق الأفلاك، وتهتز المجرة لأنينه وتهتاج الكواكب لبكائه، والكل في حيرة وسؤال عن مصدر هذا الصوت. وفي لفتتة بديعة يصور لنا إقبال، أنه لم يستطيع معرفة صوته إلا رضوان خازن الجنة، وهو صاحب سيدنا آدم عندما كانا في الجنة معا، فكان وفيا لضيوفه.

وجاوبت المجرة علّ طيفاً **سرى بين الكواكب في خفاء

وقال البدر هذا قلب شاك **يواصل شدوه عند المسـاء

ولم يعرف سوى رضوان صوتي** وما أحراه عندي بالوفاء

ويواصل تنهداته في بيان رفيع وهو يتلقى جواب “الشكوى” من إسرافيل، وكأنه في حالة تنافس مع إقبال يريد أن ينفخ في أرواح هؤلاء الموتى، ويبعثها فيهم من جديد قبل نفخة الصور.

لما اشتكي لله إسرافيل من ** شكواي قال بحرقة وتنهدا

هذا الفتى قبل الأوان يريد أن ** ينهي الوجود بشعره المتمردا.

فمهمتنا هو نفخ الروح في جسد هاته الأمة وإعادة بعثها من جديد “أنتم روح جديد تسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله وصوت داو يعلو مرددا دعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.