منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في مفهوم السلطة السياسية والصراع عليها في التاريخ الإسلامي (مرحلة الفتنة الكبرى أنموذجاً)

د. يسين العمري

1

الملخّص:

حظيت إشكالية السلطة السياسية في النظرية التقليدية الإسلامية للحكم بكثير من الاهتمام، حيث تمّ تناولها في المصادر المختلفة للدين الإسلامي، بدءًا من القرآن الكريم، مروراً بالسنة النبوية، انتهاء بأقوال ومأثورات لبعض كبار الصحابة والتابعين، وكلّها نصوص ومقولات عن الخلافة والإمامة، والشورى، وأهل الحلّ والعقد، والبيعة، وولاية العهد، والوزارة، والحجابة… إلى غير ذلك من متعلّقات ممارسة السلطة السياسية عند المسلمين، وبالتالي يمكن القول أنّ مسؤوليات ومؤسسات السلطة في الإسلام، ارتبطت بإطار نظري دقيق من حيث الشروط والغايات والأحكام والقواعد.

هذا على المستوى النظري، غير أنّه بالعودة إلى التاريخ الإسلامي، لافتحاص كيفية ممارسة المسلمين للسلطة السياسية، ومن خلال النبش على سبيل المثال في أقرب فترة إلى عصر النبوّة، وهي فترة الخلافة الراشدة التي اخترتها كنموذج، يتّضح أنّها عرفت أحداثاً سياسية يمكن وصفها بالخطيرة، من قبيل اغتيال الخليفة عمر بن الخطّاب، ثمّ التمرّد المسلّح ضدّ الخليفة عثمان بن عفّان، بذريعة محاباته لقومه بني أمية، واستبداده بالأمر، وانحرافه عن نهج من سبقوه… إلى آخره، ممّا أفضى إلى محاصرة منزله، ثمّ اغتياله، بعد رفضه للتنازل عن منصبه السياسي (الخلافة)، وتمسّك به قائلاً للمتمردين عليه “لن أخلع قميصاً كسانيه الله”، وما تلا ذلك من أحداث الفتنة الكبرى، بدأت باندلاع القتال بين طائفتين من المسلمين، إحداهما طالبت بالقصاص من قتلة عثمان أولاً وقبل كلّ شيء، بقيادة أم المؤمنين عائشة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام رضي الله عنهم، والأخرى بقيادة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وكانت ترى أن يتمّ تأجيل القصاص إلى غاية استتباب الأحوال السياسية، وقد حسم الأمر بمعركة “الجمل”، لكن سرعان ما اندلعت حرب أخرى بين معسكر معاوية بن أبي سفيان ومعسكر علي بن أبي طالب، وكانت معركة صفين، ثمّ واقعة التحكيم، وانشقاق فرقة عن جيش علي سميت بالخوارج، وقتالها لعلي في معركة النهروان، إلى آخره من الأحداث السياسية والعسكرية، التي انتهت باغتيال علي بن أبي طالب، وبالتالي نهاية فترة حكم الخلفاء الراشدين، وتحوّل الحكم في الدولة الإسلامية إلى حكم وراثي، بقيادة الأسرة الأموية. وهو ما يطرح معه سؤال السلطة السياسية في التاريخ الإسلامي وعلاقة النظرية بالممارسة.

مقدّمة:

المزيد من المشاركات
1 من 20

أفتتح هذه المقالة البحثية بمقولة أبي الفتح الشهرستاني في مؤلّفه الشهير “الملل والنِّحل” عن انتقال السلطة السياسية وممارستها في التاريخ الإسلامي، حيث ذكر: «ما سُلّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينية، كما سُلَّ في موضوع الإمامة».[1] وقد أكّد محمد رشيد رضا هذا المعطى من خلال قوله: «لقد كانت الخلافة والسلطنة فتنة للناس في المسلمين، كما كانت حكومة الملوك فتنة لهم في سائر الأمم والملل».[2] وهذا إن دلّ على شيء، فإنّما يدلّ على أنّ تاريخ المسلمين عرف صراعات مريرة على السلطة السياسية، عبر مختلف عصوره (العصور الذهبية وعصور الانحطاط)، انتهت غالباً بحروب دموية وانقسامات ودسائس ومؤامرات وانقلابات عسكرية واغتيالات… إلى آخره. ممّا يدفع إلى طرح الإشكالية التالية: هل يعود هذا التطاحن والدموية على مستوى ممارسة وانتقال السلطة السياسية في التاريخ الإسلامي (الفترة التي عرفت أحداث الفتنة الكبرى في عهد الخليفتين الراشدين عثمان وعلي نموذجاً)، إلى الخلل في تطبيق المسلمين للنظرية السياسية الإسلامية وقواعدها؟ أم إلى تلك النظرية في حدّ ذاتها؟.

وللإجابة عن هذه الإشكالية أقترح تقسيم الموضوع إلى محورين، يتطرّق الأول منهما إلى ماهية السلطة السياسية في التراث الإسلامي، أو ما يعرف بالنظرية التقليدية للحكم في الإسلام – حسب تعبير ألبرت حوراني- إذ يتمّ تناول موضوع السلطة السياسية في إطار ما يعرف بالسياسة الشرعية والأحكام والآداب السلطانية، وجاء هذا التناول مرتبطا بعدّة مفاهيم ومؤسسات وممارسات أخرى لها جذور دينية إسلامية، مستمدّة من القرآن الكريم، والسنة والسيرة النبويتين، وكذا سيرة الخلفاء الراشدين مثل: البيعة والإمامة وأهل الحل والعقد و الشورى والحاكمية، وسأحاول تقديم بعض المفاهيم منها. وسأقدّم في محور ثانٍ أحد أشهر النماذج من الصراع على السلطة السياسية في التاريخ الإسلامي، والمعروف بأحداث الفتنة الكبرى التي عقبت مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، وعرفت صراعا دمويا بين جيوش الإمام علي بن أبي طالب من جهة وجيوش والي عثمان على الشام معاوية بن أبي سفيان من جهة أخرى، في محاولة لاستجلاء مكامن الخلل بين النظرية والممارسة.

وأقترح قبل أن أخوض في بسط تفاصيل موضوعي، أن أقوم بتعريف السلطة السياسية، فالسلطة كما يراها صادق الأسود لها معان متعددة تختلف دلالاتها باختلاف مواضع استخدامها، فهي: «سلطة شخصية وسلطة فردية للإشارة إلى ما يمتلكه الشخص من صلاحيات هي مطلقة بالضرورة سواء أكان زعيم لدولة أو لتنظيم سياسي أو لحركة اجتماعية، كما قد تستخدم للتعبير عن وظائف معينة للدولة، خصوصا مع الحديث عن السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، كذلك هناك اختصاصات هيئات معينة منصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة مثلاً سلطات مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، في حين أنّ كل ما وجده الباحثون عن كلمة سلطة في القرآن الكريم والمعاجم العربية هو فعل سَلط، والذي يحمل معنى القوة والغلبة والقهر».[3] وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على ارتباط المعنى اللغوي للسلطة في البيئة العربية-الإسلامية بمفهوم تصادمي، فماذا عن المعنى الاصطلاحي للسلطة السياسية؟

يقدم مجد خضر تعريفا حديثا ودستوريا وديمقراطيا للسلطة السياسية بكونها: «السلطة التي توجد بيد حكومة الدولة، والتي تقوم بموجبها بالموافقة على مجموعة من القرارات الداخلية، أي داخل الدولة فقط. وكذلك خارجية أي تعتمد على تعزيز العلاقات مع الدول الأخرى، لذلك يرتبط تطبيق السلطة السياسية بوجود مجموعة من قنوات الاتصال بين كافة الأفراد المرتبطين بتلك السلطة مثل مجلس البرلمان والمجالس البلدية وغيرهما».[4] وأرصد في هذا المقام وجود مفاهيم جديدة من قبيل فصل السلطات، ودور السلطة السياسية داخل الدولة وعلاقاتها مع الخارج.

أهمية الموضوع:

تكمن أهمية البحث في أنّ ما عرفته المنطقة العربية من حراك جماهيري أُطلق عليه الرّبيع العربي، أعاد طرح العديد من الأسئلة والنّقاشات ولا زال، حول ماهية ودور وأبرز محطّات تاريخ السّلطة السّياسية في المنطقة العربية – الإسلامية، لاستكشاف كيف انتقلت من سلف إلى خلف، وما أنماط هذا الانتقال؟ وبأيّة كيفية (سلمية أم قتالية)، وما أوجه ودوافع المعارضة السياسية ضدّ السلطة؟ وهل احترمت القواعد النظرية المؤسّسة للحكم وطرق انتقاله وتداوله؟ وكيف يمكن استخلاص العبر من هذه الحمولة التاريخية؟

من هذا المنطلق، أرى أنّ أهمية البحث مُستمَدّة من عنصر الجِدّة والرّاهنية، إضافة إلى المساهمة الأكاديمية التي حظي بها موضوع السلطة السياسية لاسيما في المرجعية العربية، مع اختلاف زوايا معالجة الموضوع بين المصادر والمراجع التي تسنّى لي الاطّلاع عليها أثناء إنجاز هذه المقالة.

أهداف الموضوع:

  • الانخراط في سياق الدراسات والأبحاث التي تمّ القيام بها حول الموضوع، ومحاولة تبيان بعض الإشكالات العالقة أو التي لم يتمّ تفكيكها بخصوص موضوع التعارض بين النصوص والأحكام وبين ممارسة السلطة السياسية على أرض الواقع في التاريخ الإسلامي.
  • محاولة وضع الأصبع على الخلل في التعارض بين النظرية والتطبيق.

منهجية البحث:

اعتمدت في هذا البحث على المنهجين الوصفي والتاريخي، إضافة لجوانب من المقارنة والنقد والتحليل، انطلاقاً من زاوية المعالجة التي اخترتها للموضوع وهي بالأساس التاريخ، دون إغفال بعض الأنساق ومجالات البحث الأخرى الثانوية مثل علم أصول الفقه الإسلامي والسياسة الشرعية.

وقد اقترحت هذه المنهجية، عملاً بالقاعدة البحثية القائلة بأنّ طبيعة الموضوع هي التي تحدّد طبيعة المنهجية، حيث لم أعتمد في هذا البحث على منهج واحد، بل قمت بتوظيف المنهج المناسب في الظّرف المناسب، ولهذا قمت مثلاً بتوظيف المنهج الوصفي للمساهمة في التّعرّف على المفاهيم موضوع المقالة (أهمّ مؤسّسات وممارسات السلطة السياسية في الإسلام)، والوصول إلى تفسيرات تحاول الإجابة على الإشكالية، وبالتّالي تحديد نتائج البحث، كما قمت بتوظيف المنهج التّاريخي لتتبّع ورصد تمظهرات الصراع على الحكم في عهد الخلفاء الراشدين كنموذج.

بعد عرض إشكالية وأهمية الموضوع، وتبيان أسبابه وأهدافه، وطرح منهجيته، أعود إلى تسليط الضوء على كيفية تناول نظرية الحكم التقليدية الإسلامية لمفهوم السلطة السياسية (المحور 1)، ثم أقدم بعض ملامح الصراع على السلطة السياسية في التاريخ الإسلامي (المحور 2).

المحور 1: ماهية السلطة السياسية في نظرية الحكم التقليدية الإسلامية:

صنف التراث الإسلامي السلطة السياسية كما ذكرت ضمن باب السياسة الشرعية والأحكام والآداب السلطانية، كما أنّ علم أصول الفقه خصّها بمجموعة من النصوص والأحكام والقواعد، وأقترح أن أتناول في هذا المحور:

– شخص الحاكم الذي يتولى أمور المسلمين (الخليفة) والشروط الواجب توفرها فيه، وحقوقه وواجباته إزاء رعيته.

– الجهة التي لها الحقّ في تعيينه وعزله (أهل العقد والحل)،

– الكيفية التي يصل بها إلى الحكم (البيعة)،

– الآلية التي يتم اختياره على أساسها (الشورى).

1- فيما يتعلّق بالحاكم:

أ- تعريفه:

يذهب محمد رشيد رضا في معرض تناوله للسلطة السياسية كأفراد أن كلمات الخليفة أو الإمام الأعظم أو أمير المؤمنين معناها واحد وهو: «رئاسة الحكومة الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا، ومن بين التعريفات هناك تعريف السعد التفتازاني للإمامة في كتابه “متن مقاصد الطالبين في علم أصول عقائد الدين”، حيث عرّفها بكونها رئاسة عامّة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، وهناك أيضاً تعريف الماوردي للإمامة في كتابه “الأحكام السلطانية” حيث ذكر أنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. وقد اجتمع سلف الأمة وأهل السنة وجمهور الطوائف الأخرى على أن حكم الإمامة أو تنصيب وتولية الخليفة هو واجب على المسلمين شرعا لا عقلا فقط، والأدلة النقلية كثيرة، ومنها حديث رواه مسلم من حديث لابن عمر: “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”».[5]

ب- مهمّته والشروط الواجب توفرها فيه:

يتولى الخليفة حسب ما ذهب إليه رشيد بوطربوش «السلطة العليا في الدولة الإسلامية التي بيدها تنفيذ شريعة الله وفض المنازعات بين خلق الله»[6]، وهذا التولّي يكون وفق مجموعة من الشروط أختار منها ما ذكره الماوردي، الذي قال أنّ: «الشروط الواجب توافرها عند خليفة المسلمين هي: العدالة على شروطها الجامعة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وسلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، وسلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والشجاعة والنجدة المؤديان إلى حماية البيضة، وأخيرا النسب القرشي لورود النص به وانعقاد الإجماع عليه».[7]

وبعد ذكر الشروط الواجب توفّرها في الحاكم المسلم، أنتقل إلى التطرّق لواجباته ومسؤولياته تجاه أمّته، وما له حقوق على أفراد المجتمع.

ج- واجباته:

يرى بوطربوش بادئ ذي بدء أن الأمير هو الذي يُؤمَر فيُطيع، وأنه أجير في مال الأمة وعوائدها –بتعبير العصر موظف- ولا يشرف إلا بقدر عدله وتقواه. وهناك شبه اتفاق في آراء العلماء على الواجبات العشر التي أوردها الماوردي في “الأحكام السلطانية”، وممّن وافقه القاضي أبو يعلى في أحكامه، وابن الأزرق في “بدائع الملك” وابن حزم في “الشذرات من كتاب السياسة” الملحق بالبدائع وابن تيمية والغزالي وغيرهم، وهذه الواجبات هي: «1– حفظ الدين على أصوله المستقرة والضرب على أيدي المبتدعين فيه بإقامة الحجة وتبيان طريق الحق أولا، ثم بالسجن والقتل ثانيا، لأن حفظ الدين هو المقصود الأعظم من السلطان. 2– تنفيذ أحكام الله تعالى بين المتشاجرين، المتعلقة بالمعاملات المالية والأحوال الشخصية والجنايات حتى يعمّ الإنصاف، فلا يتعدّى ظالم ولا يضعف مظلوم، وبيَّن هذا الواجب أبو بكر في خطبة استخلافه. 3– حماية البيضة والذّبّ عن الحريم، ونشر الأمن والطمأنينة، حتى تتحقق المصالح البشرية بانتشار الناس في الأسفار واكتساب الأرزاق. 4– إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتُحفَظ حقوق عباده من إتلاف أو استهلاك. 5– تحصين الحدود، وسدّ الثغور، وتوفير العدّة الكافية والقوة المانعة لذلك، حتى لا يظهر الأعداء على المسلمين، ويظفروا بغرّة تسفك فيها الدماء وتنتهك الحرمات. وأضاف ابن الأزرق في هذا الباب صيانة حقوق أهل الذمة وأموالهم، وتمكينهم من أداء شعائرهم. 6– جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة، ليظهر دين الله على الدين كله. 7– جباية الفيء والصدقات بحسب أحكام الشرع نصا واجتهادا دون عسف ولا خوف. 8– تقدير العطايا، وما يستحق من بيت المال في غير إسراف ولا تقتير، وإكرام آل البيت والعلماء وطلاب العلم. 9– تولية الأعوان الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من أعمال، ويكله إليهم من أموال. قال ابن تيمية: “وليس عليه أن يستعمل إلا الأصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو صالح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه”[8] . 10– أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور و تصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة و حراسة الملة، و لا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة».[9] (وبذلك أكون قد أكملت ذكر واجبات الحاكم العشر كما هي عند الماوردي في “الأحكام السلطانية”).

ويرى رشيد بوطربوش أنّ: « الحاكم يجوز له الاستعانة بالولاة والأعوان والوزراء لكونه لا يستطيع القيام بكل المسؤوليات وحده».[10]، وهذا أمر لا خلاف فيه، فتحمّل مشاق المسؤولية يتطلب أعوانا ومساعدين، أو باصطلاح العصر فريق عمل، وبعد أن تطرّقت إلى واجبات الحاكم أنتقل إلى ذكر بعض حقوقه.

د- حقوقه:

إذا التزم الحاكم المسلم بما أسلفت من واجبات، ومقابل قيامه بها على أكمل وجه، وأقام العدل والشورى، فإنّ له حقوقاً، حيث وجب على الأمّة حينئذ أن تقدّم ما تعلّق في أعناقها من تبعات البيعة، من دخول في طاعة الإمام، وانصياع لأوامره في كلّ ما ليس فيه عصيان لله عز وجلّ، ويذكر رشيد بوطربوش جملة من الحقوق الواجبة للسلطان على الرعية ملخصة من “بدائع السلك” لابن الأزرق وغيره، وهي كما يلي: «1- الطاعة في المعروف. 2- النصيحة للأمير. 3- تخويله حق التصرف في العوائد المالية، كما نص عليه مالك رحمه الله في دفع الزكاة إليه، وإن لم يعدل، لكن ابن العربي والشيخ عز الدين قالا: لا يمكنه منها من قدر على صرف لمستحقيها، استخراجا لها من يده الغاصبة، وهذا هو الرأي الصواب. وقال ابن العربي عند قوله تعالى في الآية 94 من سورة الكهف: “فهل نجعل له خَرَجاً”، بمعنى فُرِضَ على الملك قيامه بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسدّ فرجهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره، وتفسيره بأن السلطان العادل له الحق في جمع الأموال من مصارفها الشرعية، كما يجوز له أخذ فضول أموال المسلمين في حالات خاصة جهرا لا سرا، عدلا لا استئثارا، مشاورة لا استبدادا. 4- الدعاء له، إن كان راضيا عادلا بكل خير، والتماس الأوقات التي هي مظنة الإجابة. يقول ابن العربي: “و الدعاء له بالصلاح من أهمّ المهمات على المسلمين لصلاحهم بصلاحه”.[11] والراجح ألا يُدعى للسلطان المتغلب – وإن لم يظهر فسقه- بالنصر والتمكين والصون وطول العمر، ولكن يدعى له بالهداية والصلاح وغيرهما. 5- القتال معه، إن بغت على الإمام جماعة وتكتّلت، وأعلنت العصيان، وحملت السلاح، وجب على كل مسلم نصرة إمامه الذي بايعه طوعا. وفي هذا يقول الماوردي: ” إذا امتنعت الطائفة الباغية من طاعة الإمام، ومنعوا ما عليهم من الحقوق، وتفردوا باجتباء الأموال وتنفيذ الأحكام… حوربوا، لينزعوا عن المباينة، ويفيئوا إلى الطاعة”.[12] ويطلب وجوبا من الإمام أن ينصح للخارجين قبل قتالهم، ويشترط ألا يكون القصد قتلهم بل ردعهم وإعادتهم إلى الجماعة، وإن فروا لا يُتعقبون، ولا تغنم أموالهم ولا تسبى نساؤهم».[13]

وتحدث رشيد بوطربوش عن أحكام ملحقة في هذا الصدد وهي: «1- الإمام ولي لسائر أمور المسلمين العامة، وهو بذلك ولي لكل من لا ولي له. 2- تجوز إمامة المفضول مع وجود الأفضل عند الجمهور حرصا على الاستقرار، على ألا يكون مقصرا في عمله، قاصرا عن شروط الإمامة. 3- لا يجوز عقد الإمامة لرجلين في زمن واحد، وإن حدث فالإمامة لأسبقهما بيعة وعقدا. وإن عقد لهما في زمن واحد، فسدت بيعتهما واستؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما معا. 4- اختلف العلماء في اشتراط الإشهاد على صحة عقد البيعة، والإشهاد هو الإعلان الرسمي بهوية الإمام المنتخب على الناس، والراجح أنه واجب، لأن الإمامة ليست أقل رتبة من عقد النكاح الذي وجب فيه الإعلان».[14]

ه- شرعيته:

أرى أنه إذا التزم الإمام والرعية كل منهما بواجباته وحقوقه، فإن معنى الشرعية سيتحقق للحاكم، وأقصد بالشرعية ما ذهب إليه أحمد بهاء الدين: «أن يقتنع المحكوم بجدارة الحاكم، وأحقيته في أن يحكم ويدير له أموره عنه، فاقتناع الشعب بأحقية السلطة وجدارتها، هذا هو جوهر الشرعية ومغزاها. لا تغني عنه كل أشكال السطوة والرهبة والنفوذ، حتى و لو أحاطت نفسها بعشرات الدساتير والقوانين».[15]

و- عزله:

إذا أخلّ الإمام بواجباته، كان بذلك مستحقاً للعزل والإقالة، ويذهب رشيد بوطربوش في هذا الصّدد إلى أن: «الإمام لا يعين ليخلد في منصبه، ويتصرف فيه كملك شخصي بالتوريث والهبة، و إنما يبقى سيف العزل مصلتا عليه، مسلطا على رقبته، إذا خرج عن الجادة أو أحدث ما يوجب العزل».[16]

وذكر أبو هلال العسكري أنّ: « عمر بن الخطاب لما عزل سعدا بن أبي وقاص عن الكوفة، استجابة لأهلها، قال لهم: إني عزلت عنكم سعدا فأخبروني: إذا كان الإمام عليكم يمنعكم حقوقكم، ويسيء صحبتكم، ماذا تصنعون؟ قالوا: إن رأينا خيرا حمدنا الله، وإن رأينا شرا صبرنا. قال عمر: لا، والله لا تكونوا شهداء في الأرض حتى تأخذوهم في الحق كأخذهم إياكم فيه، وتضربوهم على الحق كضربهم إياكم عليه، وإلا فلا».[17]

وأختم مع رشيد بوطربوش الذي يذكر أنّ: « علماء الأمة قد اتفقوا على أن المسلمين الذين ولوا الإمام يحق لهم عزله إذا زاغ». [18]

وهذا يدفعنا للتطرق إلى الجهة التي لها الحق في تولية الإمام وعزله وأعني بها من يصطلح عليهم فقهيا ب”أهل الحل والعقد”.

2- أهل الحل والعقد:

من المتعارف والمتوافق عليه أنّ أهل الحل والعقد لهم مهمّتان رئيسيتان هما تنصيب الحاكم إن وقع الاتّفاق على استحقاقه وجدارته وأهليته، وعزله إن وقع الاتّفاق على ارتكابه لما يوجب ذلك. ويؤكد محمد رشيد رضا أن: «أهل السنة اتفقوا على أن تنصيب الخليفة فرض كفاية، وأن المطالب به أهل الحل والعقد في الأمة، ووافقهم المعتزلة والخوارج على أن الإمامة تنعقد ببيعة أهل الحل والعقد».[19] ويسمى أهل الحل والعقد فيما ذهب إليه العلماء بتسميات كثيرة منها: أهل الخبرة والدراية، أو أهل الاختيار أو أهل الشورى… ويشترط فيهم ثلاثة شروط قال بها القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي،[20] والإمام الماوردي،[21] وغيرهما، وهي: «1- العدالة الجامعة لشروطها، وتعني الاستقامة على الدين، والتأدب بآدابه، والسلامة من الفسق والمعاصي صغيرها وكبيرها، والمحافظة على المروءة. 2- العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها. 3- الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو أصلح للإمامة من غيره».[22]

وأعتقد أن هيئة الشورى هذه بمثابة فريق أو خلية عمل تمثّل الأمة وتنوب عنها في اختيار حاكمها، وينبغي أن تضمّ في عضويتها أشخاصاً أكفاء ومؤهلين دينيا ودنيويا، بدنيا وعقليا، خَلْقاً وأخلاقاً، لممارسة هذه المهمة على أكمل وجه، وأن تتاح لها كامل الحرية والوسائل القمينة بمزاولة اختصاصاتها، وأن تشترط للناس على الحاكم، وأن تقيد بقاءه على سدّة الحكم بمدى تقيده بالشروط المشترطة عليه، وأن تشكل كذلك هيئة رقابية على تصرفات الحاكم، تملك حق العزل والخلع مثلما امتلكت حق التعيين، وذلك في حالة إذا لم يحترم الحاكم شروط بيعته، وكذا أن تكون لها مهام استشارية تمارس اختصاص إسداء النصح للحاكم، وتقديم المشورة له، وسلطة الاقتراح عليه …. كما أعتقد بوجوب تمثيليتها لكافة الأقاليم وكافة الحساسيات العرقية والإثنيات المسلمة، أو الأقليات الدينية الأخرى الخاضعة لحكم الإسلام ولو بممثّل وحيد، وذلك حتى تتحقق الشرعية والإجماع على شخص الحاكم، وألا يتعيّن أعضاؤها مدى الحياة، بالنظر إلى ما يمكن أن يؤدّي إليه اعتقاد ديمومة ممارسة المهام من غرور أو استسلام للإغراءات أو تخاذل في أداء المهامّ، مع وجوب معاقبة من يثبت في حقّه التهاون أو التواطؤ أو التخاذل في أداء مهمّته.

وفي هذا الصّدد، يقترح رشيد بوطربوش أن: «يحدد عدد أعضاء مجلس أهل الدراية، ويختارون من علماء الأمة المشهود لهم بالفضل، ومن أهل الرأي فيها، أو ينتخبون مدى الحياة [23]، ويكونون بمثابة المحكمة الدستورية العليا، فيكون لهم حق قبول الترشيحات لمنصب الإمامة أو الإمارة أو النيابة، كما يكون لهم حق رفضها، وحق ترشيح من يرونه أهلا لها، وكذا نقد من ترشحه الأحزاب للإمارة العامة، وامتحانه على الملأ … حتى إذا تحصل لهم عدد معين من المؤهلين للمناصب السالفة الذكر طرحوها على الشعب في انتخابات، يختار الناس فيها من يريدون. ويجوز لأهل الرأي الاستعانة بخبراء اقتصاديين واجتماعيين وسياسيين … لأن القوانين التي يصدرها مجلس الشورى أو يقترحها الأمير، لا تنفذ إلا بعد مصادقة مجلسهم عليها، فيكونون بمثابة المدافعين عن الشرعية وحماة الدستور الذي هو القرآن والسنة».[24]

بعد هذا التوضيح لمن هم أهل الحل والعقد كهيئة تشاورية وتقريرية ورقابية تشرف على اختيار الحاكم وعزله، أنتقل للإجراء الذي على أساسه ينعقد الحكم، وأقصد بهذا الإجراء البيعة.

3 – البيعة:

بالعودة لتعاريف البيعة، أجد أن ابن خلدون قد عرفها في مقدمته كالتالي: «واعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايِع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة، مصدر باع وصارت البيعة مصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع».[25]

ويمكن الاستدلال على مشروعية البيعة في الإسلام بآيات من القرآن الكريم في أربع مواضع من ثلاث سور هي التوبة والفتح والممتحنة. وسأكتفي بما جاء في سورة التوبة الآية 111: ” إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتِلون ويُقتَلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم”.

وقد نزلت هذه الآية في البيعة الثانية أو ما يسمى ببيعة العقبة الكبرى، وكان عدد الأنصار سبعين رجلا، اجتمعوا مع الرسول عليه السلام، وبايعوه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولوا كلمة الحق ولا يخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن ينصروه إذا قدم إليهم إلى المدينة، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبنائهم ولهم الجنة إن التزموا بما عاهدوه عليه. وقد ذكر أحمد محمود آل محمود ما ورد من قول عبد الله بن رواحة للنبي عليه الصلاة والسلام في هذه البيعة: “اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا: إن فعلنا فما لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع لا نُقيل ولا نستقيل”.[26]

ويرى الألوسي أن هذه الرواية نزلت على الرسول وهو في المسجد، وليست في بيعة العقبة كما ذكره القرطبي وغيره ممن وافقه على ذلك.[27] ويذهب أحمد محمود آل محمود إلى أن الآية نزلت في بيعة العقبة، ولكن الرسول كرر مضامين تلك البيعة في المسجد على سبيل التذكير، إثر سؤال أحد الأعراب له، لما سمعه يتلوها. وقد تكررت تلك القصة مرة أخرى.[28]

ولكي يبايع أهل الحل والعقد الإمام بيعة مشروعة، فلا بدّ من استيفاء شرط مهمّ، هو عبارة عن آلية أو ممارسة لا مناص عليها في نظرية الحكم الإسلامية، ويتعلّق الأمر بالشورى.

4- الشورى:

سأتطرّق إلى الشورى من خلال وجهتي نظر، تتجلّى الأولى في استعراض مفهومها الاصطلاحي، أي القرآني الشرعي، والثانية في الانفتاح على بعض معاني التشاور التي سادت في بعض المجتمعات قبل الإسلام.

وأبدأ مع المفهوم الشرعي للشورى، حيث عرّفها أحمد محيي الدين العجوز في كتابه “مناهج الشريعة الإسلامية” كما يلي: “الشورى اصطلاحا تبادل الآراء في أمر من الأمور لمعرفة أصوبها وأصلحها لأجل اعتماده والعمل به”،[29] ويستفاد من هذا التعريف ضرورة وجود أمر يتطلّب التشاور كمرحلة أولى، ثمّ مناقشة الآراء المختلفة والمتعدّدة ثانيا، ثمّ الاستقرار على أكثرها قربا من الصواب إما بالإجماع أو بالأغلبية ثالثا، وأخيرا العمل بالرأي المتوافق عليه، والذي يصبح ملزما للكلّ.

ويستمدّ مبدأ الشورى في الإسلام قوته من القرآن الكريم ومن سيرة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فالقرآن الكريم عزز هذا المبدأ، ودعا الرسول إلى التشاور مع أصحابه في الشأن العام، كما جعل الشورى صفة ملازمة للإيمان، وخاصية من خصائص المجتمع المسلم وقواعده الأخلاقية. بل إنّ القرآن الكريم يحتوي على سورة كاملة اسمها الشورى ترتيبها بين باقي سور القرآن 42 وعدد آياتها 53 وهي مكية. واقترنت الشورى بالرحمة والمعاملة الطيبة مع الآخر وتكريس التضامن الداخلي في المجتمع، وبالتالي بمفهوم المخالفة مبدأ الشورى يقاطع ويختلف مع القسوة والغلظة والاحتكار والانفراد بالقرار، فمثلاً الآية 159 من سورة آل عمران تقول: ” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين”، وفي نفس السياق لازم التشاور صفة الإنسان المؤمن، وفُسِّرت الشورى كذلك باتخاذ القرارات في الوقائع والأحداث التي تقع في المجتمع، فالآية 38 من سورة الشورى تقول: “والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم مما رزقناهم ينفقون”.

أما عن سيرة الرسول عليه السلام، فقد عرفت عدّة تطبيقات عملية لمبدأ الشورى، أذكر منها على سبيل المثال ما ذكر ابن هشام أن: «الرسول استشار الناس في قتال قريش فوافقه قادة المهاجرين مثل أبي بكر وعمر بن الخطاب والمقداد بن عمرو، لكن الرسول عليه السلام أصرّ على سماع رأي الأنصار وأصحاب المدينة وقادتها، فقال بعد أن سمع من زعماء المهاجرين: أشيروا علي أيها الناس، فتكلّم زعيمهم سعد بن معاذ وقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك».[30]

وهكذا يمكن القول بأنّ ممارسة الرسول عليه السلام للشورى عرفت في عدد من الشؤون التي اقتضت قرارا محوريا، كما فعل عليه السلام في معظم غزواته، وكما بيّنت أعلاه في مثال غزوة بدر، حيث أصر الرسول على التشاور مع زعماء المدينة ومعرفة قرارهم.

ويمكن القول أنّ الشورى الإسلامية لها خصوصيتها، وقد سبقها زمنيا مفهوم الاستشارة، وإذن فالشورى أتت كنوع من التطوّر والتجديد الذي يطرأ على المجتمعات الإنسانية بتعاقب الأزمنة واختلاف الحضارات، فقد كانت قبلها كما أسلفت الاستشارة، وهي ممارسة قديمة شهدتها مختلف المجتمعات في محطات التاريخ المتعاقبة قبل الإسلام، حيث يذكر لؤي صافي أن: «الاستشارة قاعدة سياسية حكمت عبر التاريخ المجتمعات الحرة التي يتمتع أفرادها بدرجة عالية من المساواة السياسية».[31]

ولكن الشورى كمفهوم قرآني شرعي كما ذكرت آنفاً تختلف عن الاستشارة كقاعدة سياسية، ولها ما يميّزها عنها، ولإزالة اللبس أو الخلط الذي يمكن أن يشوش الأذهان عند مقارنة المصطلحين، يذهب إليه لؤي صافي، بأن: «الشورى حق في المشاركة السياسية لأفراد المجتمع، وهو حق عام وأصيل مرتبط بالأمة، يمكن لها تفويضه إلى بعض أفرادها للقيام بمسؤولية العمل السياسي نيابة عنها، وتتجلى في حق المواطنين في المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون الأمة العامة، وفي مقدمتها اختيار القيادة السياسية التي تنوب عنها في إدارة شؤون الدولة، وهي ملزمة للجميع. أما الاستشارة وهي تمظهر لمبدأ الشورى في دائرة السلطة التنفيذية، وتدل على حاجة هذه السلطة التنفيذية إلى الوصول إلى القرار الأفضل بالاستفادة من أصحاب الرأي أو الخبرة، أو رغبة في إيجاد توافق أوسع على قرار حاسم أو خلافي، وهي غير ملزمة، بل على سبيل الاستئناس، وهي غير ملزمة لها حتى تصدر قراراتها بحرية وقدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى سياسات عملية ومشاريع فعلية، وبالتالي يمكن مساءلة هذه القيادة ومحاسبتها، لأن أفعالها نابعة من وجدانها واختيارها وقناعاتها الذاتية».[32]

وبالعودة لتمظهرات ممارسة الاستشارة في المجتمعات القديمة بصفة عامّة، وفي المجال الجغرافي العربي بصفة أخصّ، يذهب لؤي صافي إلى أنّها: «تمثّلت بشكل خاص ضمن المجتمعات القبلية وبعض الدويلات الصغيرة التي قامت في الأخاديد الإغريقية مثل: أثينا وإسبارطة. فقد عرف المجتمع العربي القديم المشاورة في شكلها القبلي، فقد كانت الأعراف القبلية تؤكد أهمية تشاور شيخ القبيلة مع شيوخ العشائر الأساسية المكونة للقبيلة، هذا التشاور اقتضته الصبغة الطوعية للقرارات الحاسمة كقرار الحرب والتحول من ديار إلى أخرى، فلم يكن للشيخ جيش محترف يعتمد عليه، ولا جهاز شرطة أو أمن لفرض قراراته على أبناء القبيلة بل اعتمد على التلاحم العضوي لأفراد القبيلة، وخضوع أبناء العشائر لشيوخهم، وحاجة شيخ القبيلة إلى تعاون هؤلاء ودعمهم لقراراته لضمان تنفيذها. ولعل النموذج الأكثر تطورا في آليات القرار الشوري في العصر الجاهلي تمثل في دار الندوة التي أقامتها قريش لتداول شؤونها واتخاذ قراراتها، كما تمثل لاحقا في سقيفة بني ساعدة التي أقامها شيوخ قبيلة بني ساعدة الخزرجية لدعوة شيوخ قبائل المدينة للتشاور في أمرها. ولقد شكل نموذج التشاور القبلي القاعدة التي قامت عليها الشورى في العصر الراشدي بعد تعديلها لتتناسب مع طبيعة المجتمع المدني الجديد».[33]

ووفق لؤي صافي: «لم يحدد القرآن الكريم كيفية ممارسة الشورى، ولكنه أكدها بوصفها قيمة مهمة ومطلبا أخلاقيا واجتماعيا، لذلك خضعت الممارسات لكيفيات مرتبطة بطبيعة المجتمع الذي عاش فيه الرسول عليه السلام وأصحابه، وهو مجتمع مورست فيه الاستشارة قبل الإسلام وفق آليات البنية القبلية، فمارست القبائل العربية الاستشارة وفق تقاليد القبيلة التي ألزمت شيخها وسيدها بالتشاور مع شيوخ البطون والعشائر المكونة للقبيلة، ومارست قريش الاستشارة وفق مؤسسة دار الندوة التي كانت تضم شيوخ قريش البواطن، وبرئاسة زعماء بيوتات قريش النافذة كبني مخزوم وبني أمية وبني هاشم».[34]

وبعد أن تناولت أهمّ مفاهيم الحكم ومؤسساته ووقائعه الاجتماعية في نظرية الحكم التقليدية الإسلامية، أنتقل إلى المحور الثاني، لمحاولة افتحاص مدى تطبيق المسلمين في ممارستهم للسلطة السياسية لهذه المفاهيم.

المحور 2: بعض ملامح الصراع على السلطة السياسية في التاريخ الإسلامي (نموذج الفتنة الكبرى في عهد الخليفتين الراشدين عثمان وعلي).

1- أسباب الصّراع:

أجمل هذه الأسباب في ثلاثة دوافع رئيسية أوردها كما يلي.

1- الدافع السياسي: وأقصد به اختلاف الأطراف على الأحقية في حكم المسلمين، فقد قيل الكثير حول الفتنة الكبرى التي انطلقت من عقر عاصمة الدولة الإسلامية،[35] أي من المدينة المنوّرة، ستّ سنوات بعد استخلاف عثمان بن عفان بزعامة أهل الشورى. وقد بدأ الأمر مع انتفاضة بعض أهل مصر وأهل العراق على الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي تشبّث بأحقيته في الخلافة في مواجهتهم، وقد انتهى الأمر باغتيالهم له في بيته، ومبايعتهم لعلي بن أبي طالب خليفة للمسلمين بعده.

ويذكر محمد كلاوي أنّه من بين المؤاخذات على منهج حكم عثمان رضي الله عنه، أنّه كان يجزل العطاء لأقاربه من بني أمية، فقد ذكر الكاتب أنّه: «كان هناك نوع من الإحساس بعدم الرضا عمّا كان ينعم به عثمان على المقربين منه من أموال وعطاءات وقطع الأراضي، التي اغتنى بها بعضهم كطلحة بن عبيد الله، وهي أمور قد ذكر أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه منعها عليهم».[36]

وهذا قد يفسّر إن سلّمنا بهذا المعطى، لماذا كان طلحة بن عبيد الله على رأس الجيش الذي طالب بالقصاص من قتلة عثمان. وهناك وجهة نظر أخرى – هي الأرجح في تقديري- وتكمن في أنّ الخليفة عثمان كان قبل توليه الخلافة من أثرياء المسلمين، وهو مثلا من اشترى بئر رومة وجهّز جيش العسرة في غزوة تبوك، وبالتالي فمن حقّه أن يعطي من يشاء من أقاربه من بني أمية أو من غيرهم ما يشاء من أموال وعطايا، والممنوع هو أن يعطيهم من بيت مال المسلمين، وهو ما لم يثبت في حقّه رضي الله عنه.

ويذكر محمد كلاوي أن هناك طرفا خفيا في صراع عثمان مع المتمردين ضده، وبالتالي وجود مؤامرة تجاوزت الخليفة ومعارضيه، حيث بيّن الكاتب أنّ: «عثمان بن عفان وضع المتمردين ضده أمام تناقض موقفهم، دون أن يتردد في التلويح لهم، في ذات الوقت، بما قد يلحقهم من قبل عشيرته المرابطة بالشام إن هم تمادوا في نية عزله، فهل كان ذلك رادعا لهم في عدم تورطهم المباشر في حمى الانتفاضات التي انتهت بمصرع عثمان أم أن لعملية الاغتيال مدى تجاوز المنتفضين كما تجاوز الخليفة بنفسه؟»[37].

ومن جهته يحاول إبراهيم بيضون أن يجيب على هذا التساؤل بتأكيده على أنّ: «بعض الباحثين يفترضون وجود مؤامرة مدبرة من طرف آل عثمان، مروان في المدينة ومعاوية في الشام. وبذلك يصبح الشعار المنادي “بدم عثمان” مجرد بدعة يراد بها وضع المهاجرين موضع الاتهام».[38]

ولا أتفق مع ما ذهب إليه كلاوي وبيضون اللذان استندا على ما ذكره ابن قتيبة بالأساس، في تعليقه على أحداث التمرّد على عثمان، أو على مصادر مجهّلة، ولن أنساق وراء ما تردّد بين الباحثين عن كون كتاب ابن قتيبة في الأصل مفبرك، وفيه مغالطات بالجملة، لكني أرجّح أنّ ما وقع من أحداث في عهد الخليفة عثمان بن عفّان، يدفع للتساؤل من عدّة نواحٍ، فإذا ما عدنا لما رأيناه من مفاهيم في المحور الأوّل، لاسيما الحقوق والواجبات المتبادلة بين الحاكم والمحكومين، سنتساءل هل كان موقف المتمرّدين في الخروج على الحاكم محقاً، وكان التقصير من الخليفة في أداء مهامّه وواجباته؟ وبالتالي سنجزم أنّه لو كان هذا الأمر حقّاً لوجب على علماء الأمّة وأهل الحلّ والعقد فيها التصدّي له وعزله، وتتبعهم في ذلك كلّ الأمة، وهو ما لم يقع.

ثمّ نطرح سؤالاً معاكساً: ماذا لو كان المتمرّدون فئة مسلّحة خارجة على الخليفة وغرضها الاستئثار بالحكم؟ والجواب حينئذ أنّ الأمر كان يقتضي حسب الدين الإسلامي اصطفاف المحكومين إلى جانب الحاكم وقتال الفئة الباغية، حتى ترجع عن غيّها، وهو ما لم يحدث بدوره، فجلّ المحكومين لم ينصروا الحاكم ولم ينصروا المتمرّدين عليه، بل إنّ الخليفة عثمان قبل التمرّد –حسب المصادر التاريخية الكثيرة- تعامل مع رؤوس التمرّد باللين والحِلم، وعزل الولاة المشتكى بهم، عوض أن يدفن الفتنة في مهدها، عكس ما رأينا في الشروط الواجبة في الخليفة من وجوب التصدّي لأي فئة من الناس تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمع، وهذا شيء بدوره لم يحدث، ممّا ترك الباحثين في نوع من عدم وضوح الرؤيا في هذا الصّدد، وهو ما يرجّح وجود خلل بين المفاهيم المجرّدة وتطبيق الناس لها، وبالتالي أرصد خللا بين النص “texte” وسياق النصّ “Contexte”، حتى لدى الفئة التي كانت حديثة عهد بمصاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ففي الفتنة الكبرى اجتهد كلّ فريق في تفسير النصوص، وتنزيلها حسب فهمه، وحسب ولاءاته وظروفه السياسية والعسكرية.

وأختم هذه النقطة، بالتذكير بأنّه قد نتج عن واقعة اغتيال عثمان عدّة نزاعات متفرعة عنها مثل نزاع معسكر علي بن أبي طالب ضدّ معسكر طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم جميعاً، والتي انتهت بمعركة الجمل، ثمّ نزاع معسكر علي في مواجهة معسكر معاوية بن أبي سفيان، التي شهدت معركة صفين، وحدثت فيها واقعة التحكيم، التي أدت لانشقاق فرقة الخوارج عن جيش علي، وحدث نزاع بين الطرفين، كانت معركة النهروان إحدى أبرز محطاته، وانتهى الأمر باغتيال علي على يد أحد الخوارج، واستتب الأمر للأمويين.

2- الاستناد إلى مبررات وتأويلات دينية وتوظيفها في النزاع السياسي:

وأقصد به تبرير المواقف السياسية وتغليفها بغطاء ديني، كلّ حسب تأويله للنّصّ لكسب تعاطف الجمهور، لاسيما أنّ أكثر ما يدغدغ مشاعر العامّة ويوجّه سلوكاتهم هو الخطاب الديني كما قال بذلك ابن رشد،[39] ففي خضمّ الصراع بين مختلف الفرقاء، منذ التمرد المسلح ضد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى اغتيال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، اجتهد كلّ فريق في الدفاع عن موقفه السياسي بالاستناد إلى فهمه وتفسيره الخاصّ لنصوص دينية إمّا آيات أو أحاديث، فنجد أنّ عثمان ومهما كانت الدوافع الخفية أو المعلنة التي حرّكت المتمردين، فقد أجابهم عبر قولته الشهيرة “لست خالعا قميصا كسانيه الله”، متشبثا بقولة النبي (ص) له: «يا عثمان، إن الله تعالى سيقمصك قميصا بعدي، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني».[40]

أمّا من تمرّدوا على عثمان، فقد استندوا في موقفهم حسب ما ذكره ابن قتيبة فيما جاء في نص العريضة المرفوعة من طرف المتمرّدين على الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى: «أن كتاب الله قد بُدّل، وسنة رسوله قد غُيّرت، وأحكام الخليفتين (أبو بكر وعمر) قد بُدِّلت…، غُلبنا على حقنا واستولي على فيئنا، وحيل بيننا وبين أمرنا، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة، وهي اليوم ملك عضوض».[41]

وفي هذا الصّدد، نجد أننا أمام نزاع ذي طبيعة سياسية، لكلّ طرف منهما مبرراته، بغضّ النظر عن معقوليتها من عدمها، وبالتالي فإنّ توظيف التفسير الديني لكلّ طرف، أو إسقاطه على نزاع سياسي، أرى أنّها من الأسباب التي غذّت الصراع بين مختلف الفرقاء، وأن الأمر عبارة عن اختلاف الآراء في التفسيرات والتأويلات والاجتهادات في فهم نصوص دينية، أو في تنزيلها على الواقع. وهذا لا ينفي وجهة نظري كباحث، حيث أرجح أن موقف الخليفة عثمان هو الأقوى من الناحية النظرية والعملية، وبمنطق الأشياء، في حين أزعم أن من خرجوا عليه جانبوا الصواب.

وأنتقل إلى ملمح آخر من ملامح الاجتهاد في أحداث الفتنة الكبرى، والتي شكّلت عاملا للصراع، نجد تشبّت معسكر طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة بضرورة القصاص من قتلة عثمان، ورفعهم لقميصه، في حين رأى معسكر علي تأجيل مسألة القصاص إلى حين استتباب الخلافة وترسيخ دعائمها، وبالتالي فالخلاف كان على الأولويات، فكلا الطرفين اتفقا على مبدأ القصاص لدم عثمان، إلا أنّ فريق طلحة اجتهد ورأى ضرورة تقديم  الثأر من قتله عثمان، أما معسكر علي فقد اجتهد ورأى تأخير الأمر إلا أن تكون الظروف السياسية والمناخ العام يسمح بذلك، وبالتالي وقع الخلاف والقتال في معركة الجمل.[42]

ومن بين الأمور كذلك التي اجتهد كل فريق في إضفاء تأويل ديني عليها، نجد مسألة اللجوء إلى التحكيم، فقد دعا إليه جيش معاوية، وذلك بدعوة معسكر علي إلى الاحتكام إلى كتاب الله، كسبيل لحلّ النزاع وإنهاء القتال، ورفعوا المصاحف على أسنّة رماحهم، في حين رفضه الخوارج، وكانت حجتهم أنه لا حكم إلا لله، وبالتالي رفضوا واقعة التحكيم بالأساس، وبالتالي الانشقاق عن جيش علي، ثمّ قاتلوه لاحقا لأنه قبل بالتحكيم، فحسب فهمهم لا يمكن للبشر أن يقولوا برأيهم في أمر هو اختصاص أصيل لله (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه – الآية 40 من سورة يوسف)، هكذا فهموا أنّ قبول علي للتحكيم هو خروج عن الدين، في حين أنّ فهم علي مختلف، فهو قبل التحكيم من منطلق حرصه على حقن دماء المسلمين، وامتثالا لتعاليم القرآن الذي دعا خصومه إلى تحكيمه في النزاع بين الطرفين.[43]

هذه الحادثة خلقت نقاش الحاكمية الذي ظلّ مستمرا إلى يومنا هذا، ومن بين التفسيرات التي أُعطيت لذلك المفهوم ما جاء به سيد قطب الذي يرى أنّ: [… مدلول “الحاكمية” في التصوّر الإسلامي لا ينحصر في تلقّي الشرائع القانونية من الله وحده، والتّحاكم إليها وحدها، بل إن شريعة الله تعني ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية، وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك، وأصول المعرفة أيضاً، ويتمثّل في الاعتقاد والتصوّر – بكل مقوّمات هذا التصوّر – تصوّر حقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، وغيبه وشهوده، وحقيقة الحياة، غيبها وشهودها، وحقيقة الإنسان، والارتباطات بين هذه الحقائق كلها، وتعامل الإنسان معها، ويتمثّل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأصول التي تقوم عليها، لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده، ويتمثّل في قواعد الأخلاق والسلوك، في القيم والموازين التي تسود المجتمع، ويقوم بها الأشخاص والأشياء والأحداث في الحياة الاجتماعية، وفي هذا كله لا بدّ من التلقّي عن الله، كالتّلقي في الأحكام الشرعية، بمدلولها الضيق المتداول- سواء بسواء].[44]

هناك كذلك مسألة نبوءة الرسول عليه السلام بأن عمار بن ياسر رضي الله عنه تقتله الفئة الباغية، وكان عمار في جيش عليه، فذهب أنصار علي إلى أحقية وشرعية موقفهم لأن عمار ينتمي إلى معسكرهم، لكن أنصار معاوية ردّوا بقولهم أن الفئة الباغية هي التي جاءت بعمار وأخرجته للقتال فلقي حتفه، وهنا نجد نفسنا أمام تفسيرين لحديث النبي عليه السلام، وكل من الطرفين حاول أن يدعم بها موقفه السياسي، لاسيما معسكر علي.[45]

وأختم بالقول بأنّ كل الأمثلة التي سقتها سالفا، تدخل في إطار خلط بعض الفرقاء، وأقصد الخوارج تحديدا بين الدين في حدّ ذاته والمعرفة الدينية، فهذه الأخيرة كما عرّفها غيضان سيد علي”جهد إنساني لفهم الدين بطريقة مضبوطة ومنهجية وجمعية ومتحركة، ويجوز في هذه المعرفة التناقض والاختلاف، فهي ليست مقدسة ولا تمتلك الحقيقة المطلقة، على خلاف الدين الذي هو وحي إلهي مقدس في ذاته، لا يجوز فيه التناقض، ويمتلك الحقيقة المطلقة”.[46]

وبالتالي أرجّح أنّ ما تمّ الاستناد عليه من تبريرات دينية في نزاع سياسي محض، وبغضّ النظر عن صواب أو خطأ موقف كلّ فريق، يندرج بالأساس – في تقديري- ضمن معرفة اجتهادية بشرية بالأمور الدينية، وهي معرفة غير ثابتة، بل تتغيّر  حسب درجة الاقتناع، ومن ذلك مثلا مناظرة عبد الله ابن عباس رضي الله عنه مع الخوارج، حيث استطاع إقناع بعضهم (2000 رجل) بالرجوع عن قتال علي، وخرج ضدّه 4000 فهزموا في واقعة النهراوان.[47] وأدّعي أنّ هذه التأويلات المصطبغة بلون ديني، وليّ عنقها – في بعض السياقات – لتكون على مقاس المتصارعين في شأن سياسي محض، أدى في المحصلة إلى بروز نواة أو بذرة الفرق السياسية الإسلامية كالخوارج والشيعة.

       بعد أن تطرقت إلى ما أرى أنهما أهم عاملين في الصراع (النزاع على الأحقية السياسية والاستناد إلى تبريرات ذات طابع ديني)، أذكر على عجل بعض العوامل الأخرى مثل تشدد كلّ طرف في موقفه (خاصة الخوارج)، وانتهاج العنف أو الصراع العسكري كآلية لتدبير النزاع السياسي، وهو ما أدى إلى أن نهاية الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما كانت مؤلمة ومأساوية.

وبغض النظر عن ذلك، فإن فترة حكمهما قد حققت طور النضج السياسي على صعيد المجتمع، إذ تميزت بطرح إشكالية الشرعية من مواقع أكثر تجريدا لعلّ اللجوء فيها إلى العنف السياسي عبر اغتيال الأئمة يعبر بالملموس حسب محمد كلاوي عن: «الحيثيات الظرفية التي لم تعد متلائمة مع النموذجي الخلافي للسلطة. يضاف إلى ذلك استفحال الصراع حولها وما كان له من انعكاسات على الصعيد السياسي والنظري بخصوص نظام الحكم الشرعي».[48]

بعد أن عرضنا لبعض أهمّ دوافع النزاع، ولاسيما ما هو سياسي منها، مثل الصراع على السلطة، وعلى أحقية وشرعية تولي الحكم، إلى آخره، أنتقل إلى محاولة بسط أهمّ تطوّرات ونتائج هذا الصراع.

2- تطوّرات ونتائج الصّراع:

إن اغتيال عثمان بن عفان أو قتله جعل البيعة تنتقل قسرا –حسب رواية ابن قتيبة-  لعلي بن أبي طالب في ظرفية وملابسات غامضة، وبالتالي هدم ما تبقى من ملامح المنظومة “الشُّورَوِيَّة” في العهد الراشدي، ويرى ابن قتيبة أنّ: «سوء قدر علي بن أبي طالب يشاء أن يكون مرة أخرى ضحية حسابات مبيتة، حتى والأمور تسير لفائدته، فبصرف النظر عن المساندة “التلقائية” للأنصار، فإن الذين أخذوا البيعة لعلي، كالأشتر النخعي وسودان بن حمران كان لهم يد في مقتل عثمان».[49].

تجدر الإشارة في هذا السياق، إلى وجود ما يمكن تسميته بالشبهات، زعمها ابن قتيبة، ومن بينها تمرد طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام اللذين تراجعا عن بيعتهما بحجة أنهما بايعا مكرهين تحت الضغط، وأنّ عليا لم يشركهما وباقي أهل الشورى في الأمر، وأنّ عليا كان مدركا تماما أن اختياره ما كان ليتم لولا افتقاد البديل بعد وفاة عبد الرحمان بن عوف، واعتزال سعد بن أبي وقاص،[50] وهذه الشبهات مردود عليها لأنّ منطقها – في تقديري- غير سليم، فكيف يعقل أنّ عليا رضي الله عنه كان مدركا أن اختياره كان متعذرا لولا افتقاد البديل – بوفاة عبد الرحمن بن عوف واعتزال سعد بن أبي وقاص كما ادّعى ابن قتيبة– وإن كان هذا الاعتزال حصل بعد البيعة ونشوب الفتنة؛ مما يعني أنه كان مؤهلا قبل ذلك؟

ويضيف ابن قتيبة في ذات السياق أنّ: «ارتقاء علي بن أبي طالب لمنصب طالما “حرص عليه” في وقت أفوله وفي غياب السند الجبهوي لأبناء عصبيته باستثناء عدد قليل من المهاجرين كمحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة والعباس بن ربيعة. وهو ما جعله عرضة لأعنف الهزات التي لم يسبق للخلافة الراشدة أن عاشتها. وهكذا وجد علي بن أبي طالب نفسه في مواجهة حلقة من التمردات انطلقت هبوب عاصفتها الأولى من مكة بقيادة عائشة بنت أبي بكر وحليفيها: طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، لتنتقل رحى الصراع إلى الكوفة فالبصرة حيث دارت بها معركة “الجمل”، ثم “صفين” التي شكلت بداية النهاية لخلافته بمجرد قبوله مبدأ التحكيم، وانشقاق قسم من جيشه، سموا بالخوارج، وقد واجههم في “النهراوان”. وليس ثمة شك في أن المأزق الذي أدى بعلي إلى السلطة ضد رغبته، ذلك أن الأشتر النخعي جاء إلى علي بن أبي طالب بعدما رفض هذا الأخير مبايعة الناس له، فقال: “ابسط يدك نبايعك، أو لتعصرن عينيك عليها ثالثة»[51].

وانسجاماً مع ما سلف من معطيات، يذهب إبراهيم بيضون إلى أنّ: «تواتر الأحداث السياسية والمواجهات العسكرية على مختلف الجبهات، وضد مختلف الخصوم، كان سببا في حرمان علي بن أبي طالب من القوة الدفاعية الكافية على المستوى المعنوي. فبالرغم من نصره المؤقت في معركة الجمل، فإن حظوظه في انتزاع الإجماع السياسي حوله لم يتحقق، إذ لم يولي كبار قادة الجيش من قريش أي حماسة في الانضمام إلى صفوفه»،[52] ويذكر محمد كلاوي: «ظل اعتماد علي بذلك قاصرا على الأنصار وبعض القبائل اليمنية التي غاب لديها الوازع الذي تقتضيه ظروف الحرب».[53]

ويرى لويس كارديه أنه بجانب ما تقدم فإنّ: «خلاف علي بن أبي طالب مع طائفة كبيرة من الأنصار بشأن التحكيم، كان كفيلاً بوضع حد نهائي لخلافته، حيث قتل بباب مسجد الكوفة على يد متطرف خارجي سنة 661 م / 40 ه. ويسقط الحجاز الإسلامي لصالح الشام التي أصبحت منذئذ قاعدة الدولة الإسلامية بزعامة الجناح المعادي لعلي ممثلا في معاوية بن أبي سفيان. فقد شكلت معركة “صفين” التي درات رحاها سنة 37 ه/657م بين معسكر علي بين أبي طالب ومعسكر معاوية بن أبي سفيان، الحلقة الساخنة في مسلسل الصراع القرشي حول السلطة منذ اندلاع “الفتنة الكبرى”».[54]

ويزكّي هذا الطرح جورجيو ليفي ديلا فيدا، حيث يذكر في معرض تناوله لفرقة الخوارج في موسوعة الإسلام أنّ: «الفتنة الكبرى التي أسفر عنها مصرع عثمان سنة 35 ه / 659 م، هي تجسد في جانبها السياسي طعنة في شرعية علي، منذ اللحظة التي قبل فيها تحت إلحاح معاوية، إزالة لقب “أمير المؤمنين” من وثيقة الصلح، ودون دخول في تفاصيل الخلفية الاستراتيجية التي دفعت كلا من علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان إلى تحكيم البشر بغية تطبيق “شرائع الله”».[55]

ويستنتج هنري لاوست أنّ: «الأهم هو أن هذه الواقعة ستخلف أعظم انشقاق سياسي وفقهي حول الخلافة ومضمونها، فاحتلت بذلك الفرق والمذاهب قسطا وافرا في حياة المسلمين، باعتبارها انعكاسا للصور المختلفة التي آلت إليها أشكال الحكم في الإسلام. فالخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة… ليست سوى رموز للانقسامات المذهبية الكبرى».[56]

وأختم هذا المحور مع ما ذهب إليه محمد كلاوي بأنّ: «الانقسامات الناتجة عن أحداث الفتنة الكبرى سطّرت وجهة التاريخ الإسلامي إلى يومنا هذا. وبخصوص الفرق والمذاهب التي تشكّلت على إثر تلك الأحداث، فقد كان لبعضها من قوة التنظيم والعقيدة ما مكنها لاحقا من إقامة دول تسير وفق نهجها، وبعضها لم يكن من حظه إلا التهميش والتستر أمام ضغط الحكومات الرسمية».[57]

خاتمة:

إن مفهوم السلطة السياسية في نظرية الحكم التقليدية الإسلامية، تبلور من خلال وجود قواعد منصوص عليها بنصّ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ثمّ من خلال تناول فقهاء السياسة الشرعية عبر مختلف العصور، بالتحليل والشرح والنقد مؤسسة الحكم من خلال تعريف الخليفة، والشروط الواجب توافرها فيه، وحقوقه وواجباته إزاء رعيته، وعن الجهة المخول لها توليته وعزله وهم أهل الحل والعقد، وعن الإجراء الذي بموجبه يتم تنصيب الحاكم وهو البيعة من خلال آلية تشاورية (الشورى).

غير أنّ هذا المفهوم، وإن استقرّ من الناحية النظرية، رغم وجود بعض من عارضوا الأمر، وشكّكوا في ذلك مثل عبد الله العروي، الذي ذكر مثلاً أنّ: «الخلافة هي طوبَى الفكر السياسي، لأنها مثل أعلى وتخيُّل» [58] فإنّه بالمقابل، من الناحية العملية، فقد عرف تداول السلطة السياسية في التاريخ الإسلامي عدّة صراعات دامية أدت لتفريق صفوف المسلمين عامّة وعلماء، ومن بين نتائجها كذلك نشأة فرق سياسية ومذهبية كالشيعة والخوارج مثلاً. ومن أشهر تلك الصراعات ما عرف تاريخيا ب “الفتنة الكبرى”، حيث شكّلت شرارة لانطلاق تلك الصراعات والمواجهات على كرسي السلطة، وهي التي حاولت توضيحها في مقالتي البحثية هذه.

وأختم بتوصية، وهي إنشاء خلية مستقلة من باحثين متخصصين، في أفق إعادة كتابة تلك الفترة المهمة من تاريخ المسلمين، حيث لم تسلم مختلف الكتابات والأبحاث التي تناولت الموضوع، من الانزلاق في فخّ التخندق في صفّ أحد الفريقين، وانتقلت الخلافات المذهبية إلى الكتابات التاريخية، ممّا أفقد تلك البحوث والكتابات مصداقيتها، واتّهم كتبتها إما بالخيانة من هذا الطرف أو بالتواطؤ من الطرف الآخر، وبات يُنظر إلى الكتابات في هذا الموضوع بعين الريبة والشك، لذلك فإنّ لجنة علمية متخصّصة من دول عربية وإسلامية مختلفة، مع نزاهة أعضائها وحيادهم وترفّعهم عن المنطق المذهبي الضيق، ربما يعيد تناول الموضوع من زوايا ووجهات نظر أكثر إنصافا وتجرّدا، من أجل تنوير القراء.


المصادر والمراجع:

1- الأسود صادق، علم الاجتماع السياسي: أسسه وأبعاده، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، 1991.

2- آل محمود أحمد محمود، البيعة في الإسلام تاريخها وأقسامها بين النظرية والتطبيق، دار الرازي، البحرين، 2011.

3- ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي و الرعية، دار الكتاب العربية، بيروت ، 1966.

4- ابن خلدون عبد الرحمان بن محمد، المقدّمة، الجزء الأول، حقّق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، دمشق، الطبعة الأولى، 2004.

5- ابن العربي أبو بكر محمد بن عبد الله، أحكام القرآن، الجزء 2، حققه محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1988.

6- ابن قتيبة بن مسلم الدينوري، الإمامة والسياسة، جزء 1، تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع، دون تاريخ.

7- ابن هشام بن أيوب أبو محمد عبد الملك الحميري، السيرة النبوية لابن هشام، جزء 1، دار المعرفة، بيروت، طبعة 2006.

8- بهاء الدين أحمد، شرعية السلطة في العالم العربي، دار الشروق، القاهرة / بيروت، 1984.

9- بوطربوش رشيد، الخلافة الإسلامية دراسة فقهية تاريخية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ، 2016.

10- بيضون إبراهيم، الحجاز والدولة الإسلامية دراسة في إشكالية العلاقة مع السلطة المركزية في القرن الأول الهجري، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1983.

11- خضر مجد، مفهوم السلطة، مقال صادر بالموقع الالكتروني موضوع بتاريخ 22 مارس 2016، رابط الموضوع:  http://mawdoo3.com/

12- الدخيل محمد، ابن رشد وتمييزه بين أنواع الخطابات، مقال منشور بالموقع الإلكتروني لجريدة الجزيرة السعودية، بتاريخ 10/09/2016، اطلع عليه بتاريخ 05/03/2021، رابط المقال على الانترنت:  https://www.al-jazirah.com/2016/20160910/cm24.htm

13- رضا محمد رشيد، الخلافة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، دون تاريخ.

14- السرجاني راغب، عمار بن ياسر والفئة الباغية، موقع قصة الإسلام، منشور بتاريخ 01/05/2006، اطلع عليه بتاريخ 05 مارس 2021.  رابط المقال على الانترنت:  https://islamstory.com/ar/artical/19936/

15- السرجاني راغب، التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، موقع قصة الإسلام، مقال منشور بتاريخ 01/05/2006، اطلع عليه بتاريخ 05/03/2021. رابط المقال على الانترنت: https://islamstory.com/ar/artical/19937/

16- الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد، المِلل والنحل، الجزء الأول، تحقيق أمير علي مهنا وعلي حسن فاعور، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة 1993

17- صافي لؤي، الرشد السياسي وأسسه المعيارية من الحكم الراشد إلى الحوكمة الرشيدة بحث في جدلية القيم والمؤسسات والسياسات، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2015.

18- العجوز أحمد محيي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، الجزء الثاني، مكتبة المعارف، بيروت، 1981.

19- العروي عبد الله، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت، الطبعة العاشرة، 2014.

20- العسكري أبو هلال، الأوائل، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997.

21- غيضان السيد علي، فلسفة الدين (المصطلح من الإرهاصات إلى التكوين العلمي الراهن)، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، بيروت، الطبعة الأولى، 2019.

22- القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تتضمنه من السنة وآي الفرقان (تفسير القرطبي)، الجزء الثامن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 2006.

23- قطب سيد، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة – بيروت، الطبعة السادسة 1979،

24- كلاوي محمد، المجتمع والسلطة دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999.

25- الماوردي علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الأحكام السلطانية، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية 1966.

26- موقع طريق الإسلام، مناظرة ابن عباس للخوارج، مقال منشور بتاريخ 23/09/2018، اطلع عليه بتاريخ 05 مارس 2021. رابط المقال على الانترنت:  https://ar.islamway.net/article/76508/

27- DELLA VIDA Giorgio Levi, Kharidjites, in Encyclopaedia of Islam, 1997.

28- GARDET Louis, Les Homes de l’Islam Approche des mentalités, Hachette, Paris, 01/01/1977.

29- LAOUST Henri, Les Schismes dans l’Islam Introduction à l’étude de la religion Musulmane, Payot Paris, 1965.


[1] – محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد أبو الفتح الشهرستاني، المِلل والنحل، الجزء الأول، تحقيق أمير علي مهنا وعلي حسن فاعور، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة 1993، ص 22.

[2]– محمد رشيد رضا، الخلافة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، دون تاريخ، ص 13.

[3]– صادق الأسود، علم الاجتماع السياسي: أسسه وأبعاده، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، 1991، ص 126.

[4]– مجد خضر، مفهوم السلطة، صادر بالموقع الالكتروني موضوع بتاريخ 22 مارس 2016، رابط المقال:

https://mawdoo3.com/%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9 ، وقد تمّ الاطّلاع عليه بتاريخ 03/03/2021.

[5] – محمد رشيد رضا، الخلافة، ص 14.

[6] – رشيد بوطربوش، الخلافة الإسلامية دراسة فقهية تاريخية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ، 2016، ص 40.

[7] – علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي، الأحكام السلطانية، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية 1966، ص 6.

[8] – ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي و الرعية، دار الكتاب العربية، بيروت ، 1966، ص 14 و 15.

[9] – علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 16.

[10] – رشيد بوطربوش، الخلافة الإسلامية دراسة فقهية وتاريخية، ص 47 و 48.

[11] – أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، أحكام القرآن، الجزء 2، حققه محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1988، ص 43.

[12] – علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 59.

[13] – رشيد بوطربوش، الخلافة الإسلامية دراسة فقهية وتاريخية، ص 50 و51 و 52.

[14] – رشيد بوطربوش، نفس المرجع، ص 52.

[15] – أحمد بهاء الدين، شرعية السلطة في العالم العربي، دار الشروق، القاهرة / بيروت، 1984، ص 10.

[16] – رشيد بوطربوش، الخلافة الإسلامية دراسة فقهية وتاريخية، ص 119.

[17] – أبو هلال العسكري، الأوائل، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997، ص 87.

[18] – رشيد بوطربوش، نفس المرجع، ص 120.

[19] – محمد رشيد رضا، الخلافة، ص 15.

[20] – أبو يعلى الفراء الحنبلي، الأحكام السلطانية، البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية، 1966، ص 3.

[21] – علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 6.

[22] – رشيد بوطربوش، نفس المرجع السابق، ص 39.

[23] – أتفق مع رشيد بوطربوش في مسألة انتخاب أهل الحل والعقد ضمانا لاختيارهم من قبل الشعب وتمثيلهم له كإجراء ديمقراطي يضمن الشفافية والنزاهة، وهو أفضل من تعيينهم من قبل الحاكم أو محاباتهم من قبل فئة من الناس أو تسلطهم على المنصب بالقوة. لكنني أختلف معه في قضية انتخابهم مدى الحياة، فللسن تأثيرها على الإنسان، وهناك أيضا احتمال تورط أحد الأعضاء في عمل مسيء، وبالتالي فتعيينهم مدى الحياة يجعل من العسير محاسبتهم وضمان سير عملهم على النحو الأكمل والأمثل.

[24] – رشيد بوطربوش، الخلافة الإسلامية دراسة فقهية وتاريخية، ص 39 و 40.

[25] – عبد الرحمان بن محمد ابن خلدون، المقدّمة، الجزء الأول، حقّق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، دمشق، الطبعة الأولى، 2004، ص 390.

[26] – أحمد محمود آل محمود، البيعة في الإسلام تاريخها وأقسامها بين النظرية والتطبيق، دار الرازي، البحرين، 2011، ص 24.

[27] – محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي أبو عبد الله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تتضمنه من السنة وآي الفرقان (تفسير القرطبي)، الجزء الثامن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 2006، ص 267.

[28] –  أحمد محمود آل محمود،  نفس المرجع، ص 25.

[29] – أحمد محيي الدين العجوز، مناهج الشريعة الإسلامية، الجزء الثاني، مكتبة المعارف، بيروت، 1981، ص 128.

[30] – عبد الملك أبو محمد بن هشام بن أيوب الحميري، السيرة النبوية لابن هشام، جزء 1، دار المعرفة، بيروت، طبعة 2006، ص 614 و 615.

[31] – لؤي صافي، الرشد السياسي وأسسه المعيارية من الحكم الراشد إلى الحوكمة الرشيدة بحث في جدلية القيم والمؤسسات والسياسات، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2015، ص 129.

[32] – لؤي صافي، نفس المرجع، ص 140 و141.

[33] – لؤي صافي، الرشد السياسي وأسسه المعيارية من الحكم الراشد إلى الحوكمة الرشيدة بحث في جدلية القيم والمؤسسات والسياسات، ص 129.

[34] – لؤي صافي، نفس المرجع، ص 130.

[35] – حسب عبد الله العروي: [ لا يجوز أن نقول إنها الدولة الإسلامية، إن هذه العبارة متناقضة في ذاتها إذا أخرجناها من عالم المعقولات إلى عالم المحسوسات: تشير الدولة إلى مستوًى و يشير الإسلام إلى مستوًى آخر]. عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت، الطبعة العاشرة، 2014، ص 162.

[36] – محمد كلاوي، المجتمع والسلطة دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، ص 86.

[37] – محمد كلاوي، نفس المرجع، ص 86.

[38] – إبراهيم بيضون، الحجاز والدولة الإسلامية دراسة في إشكالية العلاقة مع السلطة المركزية في القرن الأول الهجري، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص 162 و 163.

[39] – محمد الدخيل، ابن رشد وتمييزه بين أنواع الخطابات، مقال منشور بالموقع الإلكتروني لجريدة الجزيرة السعودية، بتاريخ 10/09/2016، اطلع عليه بتاريخ 05/03/2021، رابط المقال على الانترنت:

https://www.al-jazirah.com/2016/20160910/cm24.htm

[40] – عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم أبو محمد ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، جزء 1، تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع، دون تاريخ،  ص 31.

[41] – عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم أبو محمد ابن قتيبة الدينوري، نفس المرجع ، ص 32.

[42] – راغب السرجاني، موقعة الجمل، مقال منشور بموقع قصة الإسلام بتاريخ 01/05/2006، اطلع عليه بتاريخ 05/03/2021. رابط المقال على الانترنت:

https://www.islamstory.com/ar/artical/19945/%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%84

[43] – راغب السرجاني، التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، موقع قصة الإسلام، مقال منشور بتاريخ 01/05/2006، اطلع عليه بتاريخ 05/03/2021. رابط المقال على الانترنت:

https://islamstory.com/ar/artical/19937/%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%83%D9%8A%D9%85_%D9%81%D9%89_%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%86%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89

[44] – سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة – بيروت، الطبعة السادسة 1979، ص 123 و 124.

[45]– راغب السرجاني، عمار بن ياسر والفئة الباغية، موقع قصة الإسلام، منشور بتاريخ 01/05/2006، اطلع عليه بتاريخ 05 مارس 2021.  رابط المقال على الانترنت:

https://islamstory.com/ar/artical/19936/%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1_%D8%A8%D9%86_%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%B1_%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A6%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%BA%D9%8A%D8%A9

[46]– غيضان السيد علي، فلسفة الدين (المصطلح من الإرهاصات إلى التكوين العلمي الراهن)، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، بيروت، الطبعة الأولى، 2019، ص 145- 146.

[47] – موقع طريق الإسلام، مناظرة ابن عباس للخوارج، مقال منشور بتاريخ 23/09/2018، اطلع عليه بتاريخ 05 مارس 2021. رابط المقال على الانترنت:

https://ar.islamway.net/article/76508/%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B8%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3-%D9%84%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AC

[48] – محمد كلاوي، المجتمع والسلطة دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999، ص 84.

[49] – عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم أبو محمد ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ص 47 و ص 51.

[50] – عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم أبو محمد ابن قتيبة الدينوري، نفس المرجع، ص 51.

[51] – عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم أبو محمد ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ص 47.

[52] – إبراهيم بيضون، الحجاز والدولة الإسلامية دراسة في إشكالية العلاقة مع السلطة المركزية في القرن الأول الهجري، ص 185.

[53] – محمد كلاوي، المجتمع والسلطة دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، ص 87.

[54] -Louis GARDET, Les Homes de l’Islam Approche des mentalités, Hachette, Paris, 01/01/1977, p 199.

[55] – Giorgio Levi DELLA VIDA, Kharidjites, in Encyclopaedia of Islam, 1997, p 1106.

[56] – Henri LAOUST, Les Schismes dans l’Islam Introduction à l’étude de la religion Musulmane, Payot Paris, 1965. P  210.

[57] – محمد كلاوي، المجتمع والسلطة دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، ص 88.

[58] –  عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت، الطبعة العاشرة 2014، ، ص 162.

تعليق 1
  1. أمير الدين ياسين أحمد يقول

    مقال غاية في الروعة تحياتي دكتور وبالتوفيق لسيادتكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.