منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعلق من منظور تركيبي / (2) التعلق في الجملة الشرطية

التعلق من منظور تركيبي؛ (2) التعلق في الجملة الشرطية/ عبد السميع مزيان

0

التعلق من منظور تركيبي / (2) التعلق في الجملة الشرطية

عبد السميع مزيان

التعلق من منظور تركيبي | (1) محل الجار والمجرور من الإعراب

 

نعلم أن أكثر الكلام الذي يعطي فائدة يحسن السكوت عليها مكون من المسند والمسند إليه، إلا أن هناك حالات لا يتم فيها الكلام إلا بجملتين اثنتين، وذلك كالشرط.

الشرط هو كلام يقتضي وجود جملتين لا يتم المعنى إلا بهما معا، وكأن أولاهما مبتدأ والثانية خبر، وذلك كقولنا (إن جاء زيد أكرمته)، فأنت ترى أن الفائدة لا تتم بالأولى وحدها (إن جاء زيد) ولا بالثانية وحدها (أكرمته) بل لابد من الجملتين مجتمعتين حتى تتم الفائدة، وتسمى الجملة الأولى جملة الشرط، وتسمى الثانية جوابا الشرط. يتوقف تحديد جملة  الشرط تحديدا نحويا، على فهم العلاقة بين جزئي هذه الجملة. فما هي العلاقة النحوية  القائمة بين جملة الشرط وجواب الشرط؟

يقول سيبويه: ” وذلك قولك (لولا عبد الله لكان كذا وكذا). أما لكان كذا أو كذا فحديث معلق بحديث لولا”[1] ويقول أبو سعيد السيرافي شارحا كلام سيبويه ومؤكدا على علاقة الارتباط المعنوي (التعلق) بين جملتي الشرط: ” لولا وجوابها جملتان إحداهما جواب للأخرى، والذي ربط إحداهما بالأخرى لولا، ومثلها (إن) و(لو) يدخلان على جملتين مباينة إحداهما للأخرى، كقولنا: (قدم زيد وخرج عمرو) لا يتعلق قدوم زيد بخروج عمرو، فإذا أدخلنا (لو) ربطت إحدى الجملتين بالأخرى، وعلقتها بها على المعنى الذي توجبه (لو) والذي توجبه (إن)”[2].

   وفي معرض حديث أبي حيان الأندلسي (ت 742هـ) عن أدوات الشرط قال: ” أدوات الشرط وهي كلم وضعت لتعليق جملة بجملة، وتكون سببا والثانية متسببا” فقد عرف أبو حيان أدوات الشرط من خلال بيان الوظيفة التي تأتي من أجلها، وهي أنها وضعت لتعليق جملة بجملة، أي: أنها تربط جملتي الشرط ربطا معنويا، ولقد حدد هذه الترابط المعنوي بشكل أدق، بأنه علاقة السببية، أي أن الشرط سبب للجواب.

يقول عبده الراجحي حول العلاقة بين جزئي الشرط: ” والأغلب أن العلاقة بينهما علاقة (علية)؛ أي أن الشرط علة للجواب، أو علاقة (تضمن)؛ أي أن الجواب متضمن في الشرط، أو علاقة (التعليق) أي الجواب معلق على الشرط”[3]، يبدو أن الرابط المشترك بين هذه المصطلحات (علية، تضمن، التعليق) هو دلالتها على العلاقة المعنوية بين طرفي الشرط. إلا أن بين مصطلح (التعليق) ومصطلحي (تضمن وعلية) عموم وخصوص، فالتعليق هو مطلق العلاقة المعنوية بين عنصري الجملة، أما المصطلحان الأخران فهما  تقييد لهذه العلاقة المعنوية.

   ويقول محمد الأنطاكي: ” الشرط هو تعليق حدث على حدث، وبعبارة أخرى هو ربط حدثين برابط السببية”[4]

يبدو أن العلاقة بين جملتي الشرط ليست علاقة إعمالية ـ وهي العلاقة التي أولاها النحاة حيزا كبيرا في تحليلهم النحوي لعناصر الجملة العربية ـ فبما أن الكلام المفيد يتكون من مسند ومسند إليه، والعلاقة بين طرفي الإسناد تكون حتما علاقة إعمالية،  فجملتي الشرط ليستا في علاقة إسناد، وبالتالي فليست إحداهما عاملة في الأخرى. وبالرغم من انتفاء علاقة الإسناد بينهما، فهما تكونان مجتمعتين كلاما مفيدا فائدة يحسن السكوت عليها، فكان لزاما على النحاة أن يبرزوا العلاقة القائمة، لذلك التجأ النحاة إلى القول: بأن العلاقة القائمة بين جملتي الشرط: هي علاقة ارتباط معنوي (تعلق)، وحددوا هذا الارتباط المعنوي بأنه علاقة سببية أو تضمن.

يبدو أن البحث في علاقة جملتي الشرط فما بينهما، والاهتداء إلى أن هذه العلاقة علاقة ارتباط معنوي، يؤكد فكرة أن أهم ظاهرة يجب للتحليل النحوي أن يدور في فلكها، ويحشد الظواهر الأخرى لخدمتها هي علاقة الارتباط المعنوي بين عناصر الجملة العربية (التعلق).


[1] – الكتاب، سيبويه، 1/129.

[2] – شرح كتاب سيبويه، أبو سعيد السيرافى الحسن بن عبد الله بن المرزبان، تح: أحمد حسن مهدلي/ علي سيد علي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط: 1، 2008م، 2/459.

[3] – التطبيق النحوي، عبده الراجحي، دار النهضة العربية، بيروت – لبنان، ط: 1، 2004م، ص: 368.

[4] – المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها، محمد الأنطاكي، 2/ 53.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.