منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 أحوال القلوب عند الابتلاء

 أحوال القلوب عند الابتلاء/ مصطفى اسماعيلي

0

 أحوال القلوب عند الابتلاء

مصطفى اسماعيلي

الدنيا كما هي مقررة عند سائر العلماء؛ دار ابتلاء، و الآخرة دار جزاء. قال الله تعالى:” وَ لَنَبلُوَنّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَ الجُوعِ وَ نَقصٍ مِنَ الأَموَالِ وَ الأَنفُسِ وَ الثَّمَرَاتِ، وَ بَشرِ الصَّابرين الذِّين إِذَا أَصَابَتهُم مُصِيبَةٌ، قَالُوا إِنَّا لِلَّه وَ إِنا إِلَيهِ رَاجِعُون، أُولَئِكَ عَلَيهم صَلَوَاتٌ مِن رَبهِم وَ رَحمَةٌ وَ أُولَئِكَ هُم المهتَدُونَ”(1).

قال البغوي في تفسيره: أي لنختبرنكم، و اللام لوجوب القسم تقديره؛ و الله لنبلونكم، قال ابن عباس: ” بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ ” يعني الخوف من العدو ” و الجُوعِ”  يعني القحط، ” و نَقصٍ مِنَ الأَموَالِ ” بالخسران و الهلاك ” وَ الأَنفُسِ ” يعني بالقتل و الموت و قيل بالمرض و الشيب “و الثَّمَرَاتِ “يعني الجوائح في الثمار. هذه أصناف المصائب التي من الممكن، بل المقرر أن تحل بأي إنسان في مرحلة من مراحل حياته، وهذا ملاحظ بالعيان عند مختلف الناس بكل أصنافهم و مستوياتهم الاجتماعية و العمرية؛ لابد أن يبتلوا في صحتهم أو أرزاقهم أو في أمنهم أو في جميعها، و كذلك الابتلاء في الأنفس بموت الأقارب و الأحباب و الخلان، أمر لا ينكره أي عاقل.

عند نزول أحد هذه المصائب على الإنسان، فإنه يتفاعل معها قلبا و عقلا، ثم يترجم هذا التفاعل إلى أفعال و قرارات، و معتقدات و قناعات. عندئذ يتدخل الشرع فَيُقَوِّمُ سلوك القلب ليصونه، و يقنِّنُ عمل العقل ليحفظه من الزيغ و التيهان في دروب الميتافيزيقيا و الخرافات و المجهول اللامعقول.

سمي القلب قلبا لكثرة تقلباته، فيبدو مرة منشرحا فرحا، و أخرى منقبضا حزينا، و قد يكون حينا نشطا و أخرى متقاعسا، كما قد يكون رحيما لينا ثم ينقلب فضا غليظا. و قد يعلوه الغضب ثم ما يفتأ يرضى و يسكن… و كل هذه الأحوال تنعكس أقوالا و أفعالا و ممارسات، و تستجيب لأوامر القلب كل جارحة من جسم الإنسان. من صفات القلب؛ أنه رقيق و يتأثر بما حوله من أشخاص و أجواء و أحداث. وعند حلول المصيبة بالإنسان فإن قلبه يتفاعل معها و لا شك، فيحزن و ينقبض، و يتهمم و يغتم، من هذا يطرأ على الإنسان تغييرات؛ فينطوي و يتعبس، و قد يبكي، و إذا اشتد عليه الأمر؛ فإنه يعتزل الناس كشكل من أشكال اليأس و القنوط، و قد يفضي به إلى التفكير  بالانتحار،  و غيرها من التغييرات المتنوعة و المختلفة حسب اختلاف الناس و قوة شخصيتهم و رقة قلوبهم. فكيف يعالج الشرع هذه المتغيرات؟ ليحفظ القلب من الانفطار، و ليؤمن للإنسان سعادة الدارين.

حينما يحزن القلب لموت قريب و فراق حبيب، فهذا أمر عادي جدا، و إنساني بالمقام الأول، بل هو علامة على حياة القلب. القلب الحي؛ يحب و يتعلق، و يفرح بالقرب و يأنس، ثم إنه يحزن للفراق، كيف لا؟ و رسول الله صلى الله عليه و سلم حزن لموت عمه أبي طالب و زوجته أمنا خديجة رضي الله عنها بل و أدمعت عيناه صلى الله عليه و سلم، لموت ابنه إبراهيم حتى قال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه مستغربا: و أنت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه و سلم: يا ابن عوف، إنها رحمة، ثم قال: “إن العين تدمع، و القلب يحزن، و لا نقول إلا ما يرضي ربنا، و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون”.

القلب أهم مضغة في جسم الإنسان، به قوته و حيوته البدنية و الروحية، و به صلاح أقواله و أعماله في الدنيا، و به يلقى الله إن سلم، قال تعالى: ” يَومَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَ لاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنَ أَتَى الله بِقَلبٍ سَلِيمٍ”.(3) فلا غرو أن يوليه الشرع كل الاهتمام و العناية، من ذلك يحرُمُ على المؤمن الفواحش و الخبائث، و مختلف النجاسات، و كذلك القول الفاحش و سوء الظن و الكره و الحقد … هذه و أمثالها مفسدة للقلب؛ تنكت فيه السواد و تصيبه بالأمراض حتى يعتل و يهزل و يعمى، فلا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا، و المصائب و نوائب الدهر  حينما تنزل بالإنسان يغتم لها و يحزن، فيضعف القلب، و الشرع يريد من القلب الصحة و السلامة؛ ليرحم و يعطف، ويعقل و يسمع، و يستجيب لنداء مولاه، لذلك أمرنا الله عز و جل بالاسترجاع كما جاء في الآية وصية من الله تعالى: “إَذَا أَصَابَتهُم مُصِيبَة، قَالُوا إِنَّا لله وَ إِنا إِلَيهِ رَاجِعُون “ كيمياء إلهي للتداوي من الحزن و اليأس، حيث أعقب الوصية بالنتيجة المضمونة فقال: “أُولَئِكَ عَلَيهِم صَلَوَاتٌ مِن رَبهِم وَ رَحمَة” و الصلاة من الله على عباده؛ رحمة و سكينة و كشف للغم و إخراج من الظلمات إلى النور، قال تعالى: “هُوَ الذي يُصَلي عَلَيكُم وَ مَلَائِكَتُه لِيُخرِجَكُم مِنَ الظُّلمَاتِ إلى النُّور.”(4). و في الاسترجاع أيضا؛ استحضار الرجوع إلى المولى عز و جل، و هو أهم تذكير بالقضية الأولى لكل إنسان؛ و هي لقاء الله عز و جل. و لا يليق بالقلب المؤمن أن يغفل عن هذه القضية؛ قضية المبدأ و المعاد.

و في تجليات الحزن؛ سن الشرع و حصر الحداد في ثلاثة أيام، إلا حداد المرأة على زوجها. و منع بالمقابل لطم الخدود و شق الجيوب و النياحة و الدعاء بالويل، فمن شأن هذه الطقوس الجاهلية أن تدمي القلب قبل العين، و يتداعى سائر الجسد بالسهر و الحمى، فالحزن إذا طال زمنه يؤثر على أكثر من عضو في الجسم إذ يعتبر السبب الرئيسي لمختلف أنواع السرطان و أمراض القلب و الشلل و الضغط وغيرها، ذلك أنه يوقع ضغطا شديدا على الجسم و النفس و يدمر الخلايا الداخلية فيختل نظام المناعة و تتعطل معظم الأعضاء الحيوية، فتذبل العينان، و يشحب الوجه، و تخبو العزيمة و … و ما خفي أعظم، لذلك لا يسمح الشرع أن يتجاوز الحداد ثلاثا و معه الحزن. أما البكاء و إن كان من أكبر تجليات الحزن، فإن الشرع لا يمنعه لأنه يعبر عن الحزن و يخرجه في آن واحد. و في عموم الشرع لا يمنع التجليات و إنما يعالج البواعث؛ إذ البكاء تجلي و الحزن باعث له، و هو الأولى بالمعالجة، فأمر و رغب الشرع  في الاسترجاع و حسن الظن بالله و التوكل عليه، كما أمر المسلمين بتعزية و مواساة من أصابته مصيبة، كشكل من أشكال الدعم النفسي، وبث الطاقة الإيجابية في بيت و محيط من أصابته مصيبة ليسكن القلب و يطمئن.

أكثر الناس ينجذب إلى أصله الطيني و ينسى أصله الأصيل؛ الروحي، فيتحسر على فقدان المتاع الترابي و يغيب عنه معاني الأشياء و حقيقتها، و تزداد الحسرة حجما كلما تعاظم تعلق القلب بالأصل الطيني. فمن فقد أمه بموتها، فإنه يحزن لها حزنا كبيرا لفقدها رغم أنه لم يفقد منها إلا الجسد، و قد بقي منها روحها يتواصل معها من خلاله بالدعاء و الأشواق و الحنين إلى حين اللقاء في مستقر  رحمة الحنان المنان، و بقي منها حبها و برها اللذان لا ينقطعان ما دامت الروح حية، و بقي منها كلماتها تسمعها مرة مرة، كلما شدك الحنين أو قست عليك الحياة فتأنس بذكراها و كأنها ما زالت تواسيك و تدعمك و تضمد جراحك، و بقي منها ما انغرس في قلبك من رحمة و عطف و إيثار  و خير و حب، و بقي منها و بقي .. بقيت كلها إلا الجسد، الجسد التراب رجع إلى التراب، و الروح رجعت إلى بارئها الغفور الرحيم، فإنا لله و إنا إليه راجعون. و كذلك سائر نوائب الدهر إذ في أكثرها تصيب المادي منها، و قلوب العباد متفاوتة و لا شك، في الصحو و الادراك و الصفاء و السلامة … وغيرها من صفات القبح و الجمال. و كلما كان القلب صافيا سليما؛ يرى الأشياء على حقيقتها، و يقومها بقيمتها، لكن أكثر الناس غافلون؛ ماديون بالمقام الأول قال تعالى: “بَل تُوثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا و الآخِرَة خَيرٌ وَ أَبقَى.”(5)، قال حاتم الأصم: “فاتتني صلاة في جماعة فما عزاني إلا أبو اسحاق البخاري، و لو مات ابني لعزاني عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا!”.

وكثيرا ما استشهدت رابعة العدوية و تمثلت أبيات أبي فراس الحمداني:

وليث الذي بيني و بينك عامر       و بيني و بين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين        و كل الذي فوق التراب تراب (6)

كم تكون الصدمة كبيرة حين نكتشف حقيقة أمور كنا نحسب لها ألف حساب و نبدل قصارى جهدنا في تحقيقها و نصرف غالب أوقاتنا و أموالنا في سبيلها، فإذا بها في حقيقة أمرها شيء بسيط أو لا شيء؛ فكل الذي فوق التراب تراب. فقيمة الأشياء في القلوب هي من تحدد حجم الحزن حين فقدها أو زوالها. و إذا تم تصحيح قيمتها في الدنيا، فهذا أمر محمود و إن تأخر في الزمن، فغالب الناس يعيدون تقييم الأشياء في أواخر أعمارهم، حيث يدركون أنهم كانوا يضخمون أمورا في زمن ما، و هي في حقيقتها بسيطة أو حجمها أقل بكثير مما كانوا يعتقدون من قبل. و يعتبر هذا الفعل محمودا لأنه يدل على تحسن أحوال القلب أو رقيه في مدارج الإيمان و الإحسان. أما من تأخر؛ فإنه لا يدرك من أمره شيئا حتى توافيه المنية حين يقال له ” فَبَصَرُكَ اليَومَ حَدِيد “(7) حيث ترفع الحجب، لكن ينقطع العمل و تطوى الصحف.

و من جانب آخر، و تعلقا به؛ فإن العقل أيضا يتفاعل مع المصائب إذا حلت بالواحد منا. عند الصدمة الأولى، يتعطل عمل العقل و يغلب على الإنسان الانفعالات العاطفية، و تسود على العقل حينذاك الحيرة و الذهول، هنيهة تطول أو تقصر حسب الحالة النفسية لكل شخص. ثم يستعيد العقل عافيته و نشاطه؛ ليؤدي وظيفته المتمثلة في ضبط المشاعر ،و حفظ المصالح، و تحكيم المنطق، و تحديد الأولويات، و دفع المضار و جلب المصالح.

عند كل مصيبة يطرح العقل تساؤلات، و يستشكل وضعه الآني تحت تأثير المستجدات، و من تم يبحث عن الإجابات و ينقب عن كل مخرج سليم آمن. كثير من هذه التساؤلات يجيب عنها الشرع وفق قوانين العقل و المنطق السليم. قال الله تعالى: ” وضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلقَهُ، قَالَ مَن يُحيِي العِظَامَ وَ هِي رَمِيم، قُل يُحيِيهَا الذِّي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُل خَلقٍ عَلِيم.”(8) واحدة من الأسئلة يجيب عنها القرآن وفق منطق العقل؛ فمن أبدع أول الخلق، قادر على أن يعيده. وعلى هذا المنوال يجيب الشرع من خلال القرآن و السنة النبوية على مجموعة من الأسئلة خاصة منها أسئلة الفطرة؛ من أنا؟ و من أين أتيت؟ و ماذا بعد هذه الحياة؟ و لما الحياة مليئة بالمتاعب؟ و لما؟ و لما؟؟؟

فكيف النجاة أيها العقل؟ و كيف الخروج من الأحزان؟. يجيب رسول الله صلى الله عليه و سلم و يخاطب العقلاء: “الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت”.(9) من الكياسة؛ الاجتهاد في عمل الآخرة، و التقليل من شأن الدنيا و همها و مصائبها. قال تعالى: ” و ابتَغِ في مَا أَتَاكَ اللهَ الدَّارَ الآخِرَة و لاَ تَنسَى نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا”.(10) للدنيا نصيب، و للآخرة النصيب الأوفر، لأن الانسان خلق للآخرة، أي هيأه الله قلبا و نفسا و عقلا لهذه الغاية، فإذا ما زادت الدنيا عن قدرها الذي قسمه الله لها في شغل القلب و العقل، انقلبت وبالا على صاحبها؛ و خسر الدارين و السعادتين معا.

من أهم الأسئلة التي تحتاج إلى أكثر من وقفة؛ ما مدى فهمي للحياة و الموت؟. سؤال يجب أن يتكرر، و يتجدد، كلما سنحت للإنسان لحظة صفاء أو رجة تخرجه من الروتين اليومي، بهذا السؤال يتجدد فهم الحياة، و تتجدد الرؤية، و يتغير طعم الحياة و مذاقها، و تتسع الآفاق، و تصحح الأخطاء، و تتدارك العثرات، فنتوب و نستغفر، فيتجدد العزم ، و تتيقظ الهمة، و تشحذ الإرادة، فتهون العقبات، و تستصغر العظائم، فنتخطى الأحزان، و نقبل على الدنيا عمارة، و على الآخرة ادخارا، و نستغني عن التراب و نطلب رب الأرباب.


ملحوظة: أصل هذا الموضوع، كلمة ألقيتها في جمع، فاقترح علي بعض الأحباب كتابتها لتعم الفائدة، و الله الهادي إلى الصواب.

(1) سورة البقرة، الآيات 155، 156،157.

(2) رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، حديث رقم.1303 

(3) سورة الشعراء الآية 88.

(4) سورة الأحزاب الآية 43.

(5) سورة الأعلى الآية 16

(6) غالبا ما تنسب هذه الأبيات لرابعة العدوية، لكن جل المحققين أثبتوها لأبي فراس الحمداني.

(7) سورة ق، الآية 22.

(8) سورة يس، الآيتان 78 و 79.

(9) حديث رواه الترمذي و قال: حديث حسن.      

(10) سورة القصص، الآية 77.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.