منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صلاة الجماعة بين العزيمة والرخصة

الدكتور أحمد الإدريسي/ صلاة الجماعة بين العزيمة والرخصة

0

 

صلاة الجماعة بين العزيمة والرخصة

الدكتور أحمد الإدريسي

 

1- فضل صلاة الجماعة:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)[1]. وفي رواية (بخمس وعشرين). وفي الحديث المشهور أن أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة “رجل قلبه معلق في المساجد”. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا من الجنة كلما غدا أو راح)[2]. وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى أربعين يوما الصلوات في جماعة لا تفوته فيها تكبيرة الإحرام كتب الله له براءتين: براءة من النفاق وبراءة من النار)[3]. وفي حديث عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام ليلة)[4].

المزيد من المشاركات
1 من 51

2- العزيمة في صلاة الجماعة:

نقصد بالعزيمة الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي أي ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء فهي أحكام لا تختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض ولا بعض الأحوال دون بعض. فالعزيمة بهذا المفهوم تشمل الواجب والمندوب والحرام والمكروه٬ وصلاة الجماعة تدور بين هذه الأحكام٬ أي أنها عزيمة.

لهذا فإن الصلاة لوقتها وفي المسجد مع الجماعة هي العزيمة لأنها تنقل المسلم من الوقت السائب المقيد بعلاقات العمل والراحة والطعام واللهو إلى الوقت الإيماني المقيد بداعي الله خمس مرات في اليوم و مرة في الجمعة تنقله من المكان السائب المنطلق في ساحة الغفلات إلى بيت الله يلبي النداء رمزا للطاعة والانقياد تنقله من الوحدة السائبة وضياع الرفقة الغافلة إلى صف المصلين المتراصين بين يدي الله تنقله من الغم والهم إلى الفرح والسرور بلقاء الله وتنقله من الغفلة إلى الذكر ومن الوحدة إلى الجماعة ومن الشتات في الرأي والفكر إلى الانجماع على الله عز وجل وتوحيد القبلة وتوحيد الوجهة والإحساس بقيمة الجماعة.

3- الرخصة في صلاة الجماعة:

الرخصة هي ما شرع لعذر شاق أي هو الحكم الشرعي الذي غير من صعوبة إلى سهولة لعذر اقتضى ذلك مع قيام سبب الحكم الأصلي فهذا التغير يدل على أن الرخصة ليست مشروعة ابتداء و أنها جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة فقط ثم بعد زوال العذر يعود الحكم إلى أصله٠

وحكم الرخصة الإباحة مطلقا، لأن الأصل فيها التخفيف على المكلف و رفع الحرج عنه حتى يكون من ثقل التكليف في سعة٬ فكان سبب الرخصة المشقة٠

والرفق بالمكلف عن تحمل المشاق هو مقصود الشارع من مشروعية الرخصة، فكل أمر شاق جعل الشارع فيه  للمكلف مخرجا و هو الرخصة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 30

فما هي الأعذار التي تسقط بها الجماعة؟

تسقط الجماعة بعذر من الأعذار التالية: المطر الشديد والبرد الشديد والوحل الذي يتأذى به٬ والمرض والخوف من ظالم والخوف من الحبس لدين إن كان معسرا والعمى إن لم يجد الأعمى قائدا ولم يهتدي بنفسه أو حضور طعام أو مدافعة الأخبتين أي البول والغائط بحيث يمنعه ذلك من الصلاة الكاملة لحديث (لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافع الأخبثين)[5].

4- حال الصالحين مع صلاة الجماعة:

– قال سعيد بن المسيب: ما أذن مؤذن منذ عشرين سنة إلا وأنا في المسجد.

– قال محمد بن واسع: ما أشتهى من الدنيا إلا ثلاثة: أخا إنه إن تعوجت قومني٬ وقوتا من الرزق عفوا من غير تبعة وصلاة في جماعة يرفع عني سهوها و يكتب لي فضلها.

– قال حاتم الأصم: فاتتني الصلاة في جماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة ألاف لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا.

روي أن ميمون بن مهران أتى المسجد فقيل له: إن الناس قد انصرفوا فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، لفضل هذه الصلاة أحب إلي من ولاية العراق).

– روي أن السلف كانوا يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى ويعزون سبعا إذا فاتتهم الجماعة. وكانوا يكررون هذه الحكمة؛ “من رضي بالصف الأخر لم تذكر له مفاخر”.

– في ترجمة الفقيه القاضي محمد بن سماعة قال: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوما واحدا ماتت فيه أمي ففاتتني صلاة واحدة في جماعة فقمت وصليت خمسا وعشرين صلاة أريد بذلك التضعيف٬ فغلبتني عيناي فأتاني آت فقال: يا محمد قد صليت خمسا وعشرين صلاة ولكن كيف لك بتأمين الملائكة، يريد قوله صلى الله عليه وسلم: “فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه”.

5- توصيات.

* لا يجوز الإفتاء بالضرورة واستعمال الرخصة إلا بعد انسداد جميع الأبواب المباحة.

* إن الجهل بضوابط الرخصة، قد يؤدي إلى فعل المحظور، أو إلى ترك الواجب تحت ستار مبدأ التخفيف، ورفع الحرج.

* لا يجوز تتبع الرخص، ولا يجوز أيضا تتبع العزائم والتشديد على النفس.


[1] – رواه الإمام البخاري.

[2] – رواه الإمام البخاري.

[3] – أخرجه الإمام الترمذي.

[4] – رواه الإمامان أحمد ومسلم.

[5] – رواه الإمام مسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.