منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاجتهاد الفقهي المعاصر وتطبيقاته في نوازل المعاملات المالية للمسلمين في المجتمعات الغربية – شراء السكن عن طريق القروض البنكية أنموذجا

ذ. إبراهيم والعيز

0

الاجتهاد الفقهي المعاصر وتطبيقاته في نوازل المعاملات المالية للمسلمين في المجتمعات الغربية 

“شراء السكن عن طريق القروض البنكية أنموذجا”

The Practices of Contemporary Jurisprudence in Financial Transactions for Muslims in Western Societies: Financing a Property Through Bank Loans as a Case Study
ذ. إبراهيم والعيز
باحث في الفقه الإسلامي – الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الشرق – المغرب

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

ملخص:

الفقه الإسلامي المعاصر له دور كبير في ضبط المعاملات المالية للمسلمين في المجتمعات الغربية، ويرجع الفضل في ذلك إلى استحضار الفقهاء المجتهدين واقع الإنسان المسلم في الغرب ومعطيات ذلك الواقع وخصائصه ومؤسساته، وكذا إلى بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي المناسب من مصادره الشرعية، وتنزيل ما تم استنباطه على قضايا الواقع تنزيلا صحيحا يساعد على ربط حياة المسلمين في المجتمع الغربي بأحكام الفقه الإسلامي.
الكلمات المفتاحية: الفقه – الاجتهاد الفقهي المعاصر- النوازل.

Abstract:
Contemporary jurisprudence has a major role in taking hold on the financial transactions of Muslims in western societies due to scholars’ awareness of the reality, specificities and institutions therein. Moreover, they make a great endeavour to deduce the suitable legitimate act from its religious sources, and accurately putting it into practice to help link Muslims’ life to Islamic jurisprudence in western society.
Key words: Jurisprudence, Contemporary jurisprudence, financial transactions, western societies, legitimate act.

 

مقدمة:

إن من أهم المشكلات التي يواجهها المسلمون في المجتمعات الغربية الحاجة إلى القروض لشراء المساكن، والمتوفر من هذه القروض -كما هو معلوم- هو القروض الربوية التي توفرها البنوك في تلك البلاد التي يسير نظامها في التمويل على أسس من القوانين الوضعية غير المطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية، مما يجعل المسلمين في تلك البلاد «يجدون حرجا شديدا في ممارسة حياتهم الاقتصادية، إذ هم يجدون أنفسهم بين مقتضيات تدفعهم إلى الاندراج في حركة التمويل لتطوير حياتهم، وبين قوانين لا تنسجم في جوانب كبيرة منها مع معتقداتهم المتعلقة بالتمويل وما يندرج تحتها من أحكام في هذا الشأن».

ومن هنا جاءت أهمية هذه الورقة التي بحثت موضوع الاجتهاد الفقهي المعاصر وتطبيقاته في المعاملات المالية للمسلمين في المجتمعات الغربية-شراء السكن عن طريق القروض البنكية أنموذجا، والهدف منها هو الإجابة على إشكال مركزي صيغته كما يلي:

– هل تسوغ الضرورة أو الحاجة الخاصة أو العامة للمسلمين الاقتراض من المؤسسات البنكية في الدول الغربية لشراء السكن؟

وقد تفرع عن هذا الإشكال سؤالان اثنان تسهم الإجابة عنهما في تحقيق الغرض من هذه الورقة البحثية، وهما:

  •  كيف يواكب الاجتهاد الفقهي المعاصر نوازل المسلمين في المجتمعات الغربية؟
  •  إلى أي حد استطاعت الفتاوى الصادرة في الموضوع عن الهيئات والأفراد التوفيق بين مقاصد الشريعة الإسلامية وواقع المسلمين في تلك المجتمعات؟

وجوابا على هذه الإشكالية وعلى السؤالين المتفرعين عنها قمت بصياغة هذا البحث في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة، وذلك كما يلي:

مقدمة: وعرفت فيها بموضوع البحث، وبينت أهميته وأسئلته الإشكالية.

المبحث الأول: تحديد مصطلحات البحث، وهي: الفقه، والاجتهاد، والاجتهاد الفقهي، والاجتهاد الفقهي المعاصر، والنوازل.

المبحث الثاني: الاجتهاد الفقهي المعاصر وأثره في نوازل المعاملات المالية للمسلمين في المجتمعات الغربية.

المبحث الثالث: أدلة المفتين بجواز شراء السكن عن طريق القروض البنكية للمسلمين في المجتمعات الغربية.

خاتمة: وتتضمن ملخص البحث ونتائجه.

المبحث الأول: تحديد مصطلحات البحث

وقبل الحديث عن الاجتهاد الفقهي المعاصر وعن دوره في تيسير المعاملات المالية للمسلمين في المجتمعات الغربية-شراء السكن عن طريق البنوك أنموذجا، يفرض علي المنهج أن أقوم بتحديد دلالة مصطلحات البحث، وهي: الفقه، والاجتهاد، والاجتهاد الفقهي، والاجتهاد الفقهي المعاصر، والنوازل، وذلك كما يلي:

المطلب الأول: مفهوم الفقه

-1 الفقه لغة: إدراك الشيء وفهمه والعلم به. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾. (هود/ 91)، وهذه الدلالة اللغوية للفقه والتي تعود إلى معنى الإدراك والعلم والفهم نجدها حاضرة بقوة في دلالته الاصطلاحية كما يدل على ذلك مفهومه في الاصطلاح.

-2 الفقه اصطلاحا: نقرر أن الفقه في بداياته كان يطلق على كل ما فهم من الكتاب والسنة، دون فرق بين ما تعلق بالعقيدة أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق، ثم نقل مع مرور الوقت إلى علم الفروع بغلبة الاستعمال، فعرفوه بقولهم: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية».

والمقصود بالعلم هنا مطلق الإدراك الذي يتناول اليقين والظن، «لأن الأحكام العملية قد تثبت بدليل قطعي يقيني، كما تثبت غالبا بدليل ظني»، والأحكام هي كل ما يصدره الشارع للناس من أوامر وإرشادات تنظم علاقات بعضهم ببعض وتحدد نتائج تصرفاتهم، ووصفها بالشرعية معناه المستفادة من أمر الشارع صراحة أو دلالة، وتقييدها بالعملية لإخراج المسائل الاعتقادية من أصول وفروع الإيمان، وأما المكتسبة فمعناها المستنبطة بالنظر والاجتهاد، والأدلة التفصيلية تعني الأحكام التي «تعلم مشروعيتها بطريق النص الصريح في القرآن، أو بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته، أو بطريق إجماع علماء المسلمين، أو باستنباط الفقهاء المجتهدين سابقا ولاحقا من دلائل نصوص القرآن، والسنة النبوية، وقواعد الشريعة ومقاصدها».

المطلب الثاني: مفهوم الاجتهاد الفقهي المعاصر.

1- مفهوم الاجتهاد.

أ- الاجتهاد لغة: بذل الطاقة وتحمل المشقة في فعل من الأفعال، والجهد –بالفتح والضم- الطاقة، وقيل بالفتح الطاقة وبالضم الوسع، وبهذا يكون الاجتهاد في اللغة «بذل الجهد واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور الشاقة، سواء أكان في الأمور الحسية كالمشي والعمل، أم في الأمور المعنوية، كاستخراج حكم، أو نظرية عقلية، أو شرعية، أو لغوية».

ب- الاجتهاد اصطلاحا: ترد لفظة الاجتهاد كثيرا في الدراسات الشرعية؛ الأصولية والفقهية والمقاصدية وغيرها، لكن ورودها في كتب الأصول ملحوظ بقوة، وسبب ذلك طبيعة علم الأصول ووظيفته، إذ هو موضوع لاستنباط الأحكام والاجتهاد في المسائل والحوادث واستخراج أحكامها وحلولها الشرعية الإسلامية، ويتبين من التعريفات التي وضعها علماء الأصول للاجتهاد في الاصطلاح أن لهم اتجاهين في ذلك: الاتجاه الأول راعى فقط البعد الاستنباطي في التعريف، بينما راعى فيه الاتجاه الثاني البعد التنزيلي إلى جانب البعد الاستنباطي، فجاءت تعريفات الاجتهاد كما يلي:

  • يراد بالاجتهاد في بعده الاستنباطي: «بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط».
  • أما الاجتهاد بمعناه الاستنباطي التنزيلي فيعتبر الإمام الشاطبي من أبرز من نبه إليه، وذلك لما تحدث عن الاجتهاد الذي لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، ومعناه «أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله».

2- مفهوم الاجتهاد الفقهي:

بناء على ما قدمناه في تعريف الاجتهاد يمكن لنا تعريف الاجتهاد الفقهي بالاعتبارين معا بالصيغة التالية: «بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط مع تعيين محله عند التنزيل».

3- مفهوم الاجتهاد الفقهي المعاصر:

يقصد بالاجتهاد الفقهي المعاصر في هذا السياق: «استحضار المجتهد الفردي أو المؤسسة الاجتهادية الجماعية المتخصصة العصر الحاضر ومعطياته ووقائعه وحوادثه وخصائصه واتجاهاته ومؤسساته ومنظماته وآلياته في الاستنباط والاجتهاد لاستصدار الأحكام والحلول والبدائل الشرعية لمستجدات العصر ومستحدثاته».

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مراعاة الواقع أمر استحضره أغلب العلماء المجتهدين في تاريخهم الاجتهادي، حيث إنهم عاصروا عصرهم وعايشوا مشاكله ومستجداته ونوازله، وكانوا يستحضرون متغيراته في الاستنباط والتنزيل، وذلك دليل على تفاعل عقل الفقيه المجتهد مع واقعه، مما يدفعه إلى تغيير رأيه بناء على أدلة جديدة تظهر له والتي لم تكن قد ظهرت له من قبل، من فقه النصوص، أو فقه المقاصد، أو فقه الواقع، وهذا ما جعل الإمام الشافعي رحمه الله يغير كثيرا من آرائه وأقواله، حتى بات معروفا في مذهبه، «قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد»، وذلك أنه لما دون مذهبه الجديد بعدما استقر في مصر رآى ما لم يكن قد رآى، وسمع ما لم يكن قد سمع من قبل، مع نضج السن والتجربة وتغير الاجتهاد، وكلها عوامل تعطي العالم سعة في تغيير رأيه إذا تغير اجتهاده، على ألا يكون ذلك من أجل دنيا يريدها، أو بشر يريد إرضاءهم، على حساب رضا الله تبارك وتعالى، فيبيع دينه بدنياه، أو بدنيا غيره، وهذا أخسر الناس، والكل يعلم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في رسالته لأبي موسى الأشعري: «ولا يمنعنك قضاء قضيت بالأمس فراجعت فيه عقلك وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».

المطلب الثالث: مفهوم النوازل.

1- النوازل لغة: النازلة اسم فاعل من نزل به ينزل، وهي:

الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالقوم. قال ابن فارس: «النون والزاي واللام كلمة صحيحة تدل على هبوط شيء ووقوعه»، وتجمع على نوازل. نلاحظ من خلال هذا أن النازلة تعود إلى النزول بمعنى الحلول والهبوط؛ لأنها مسألة لم يرد فيها نص تنزل إما بالفرد وإما بالمجتمع.

2- النوازل اصطلاحا: يظهر من خلال البحث أن بعض الباحثين المعاصرين الذين كتبوا في موضوع الفتاوى والنوازل الفقهية مالوا إلى عدم التفريق بينهما تماشيا مع المنهج العام لدى الفقهاء المتقدمين الذين لم ترد عنهم تعريفات للنوازل، لأن معناها كان معلوما لديهم إلى الحد الذي لا يستدعي تعريفها، وفي مقابل هذا وجدنا بعض الباحثين الآخرين ممن كتبوا كتابات قيمة في موضوعات تتصل بالفتاوى والنوازل، اجتهدوا فصاغوا تعريفا للنوازل تمييزا لها عن الفتاوى، وأختار منها التعريف الذي عرف النوازل بـــــ: «الوقائع الحقيقية المستجدة التي لا يعلم لها حكم في الشرع، أو نظير في الاجتهاد»، وبهذا يتضح أن النازلة تختلف عن الفتوى من وجهين: الأول وهو اتساع مجال الفتوى حتى إنها تستوعب المسائل الواقعة وغير الواقعة، والثاني وهو جريان الفتوى في المسائل المتكررة والجديدة على حد سواء.

وقبل الانتقال إلى المبحث التالي أشير إلى أن العلاقة التي تربط النوازل بالاجتهاد الفقهي هي علاقة يمكن إدراكها من خلال تعريف النازلة الذي يلمح فيه معنى الشدة والإعضال، لكون النازلة واقعة جديدة تنزل بآحاد الناس أو مجموعهم ولم يرد نص في شأنها، فيتطلب الأمر من الفقيه أو المفتي أن يبذل جهده ويستفرغ طاقته ووسعه ليجيب عن النازلة.

ولعل الأسئلة التي كانت ترد على الفقهاء المعاصرين من قبل المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية والمتعلقة بموضوع حكم تملك السكن عن طريق القروض البنكية، تعتبر نوازل مالية جديدة حفزت الفقهاء والباحثين المعاصرين إلى أن يحركوا آلية الاجتهاد بضوابطها وآدابها ليجيبوا عنها باستحضار واقع الإنسان المسلم في تلك البلاد. فماذا عن ذلك؟

المبحث الثاني: الاجتهاد الفقهي المعاصر وأثره في نوازل المعاملات المالية للمسلمين في المجتمعات الغربية

لقد تلقى علماء المسلمين في بداية القرن الخامس عشر الهجري «أواخر القرن العشرين الميلادي»، أسئلة من قبل الجالية الإسلامية في بلاد الغرب، يتمحور موضوعها حول حكم شراء السكن عن طريق القروض البنكية التقليدية المنتشرة في بلاد غير المسلمين التي يعيش فيها عدد غير قليل من الأقليات المسلمة.

وقد عقدت من أجل الجواب على هذا السؤال لإيجاد حل شرعي مناسب للمسلمين في تلك البلاد -فيما يتعلق بتملك السكن عن طريق القروض البنكية التقليدية- ندوات ومحاضرات ولقاءات في المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء في الدول الإسلامية والغربية، وتباينت آراء الفقهاء حول هذه النازلة، بين المانعين تمسكا بالإجماع على حرمة التعامل بالربا، والمجوزين لذلك بضوابط دقيقة وفي حدود ضيقة معتمدين على مبدأ التيسير ورفع الضيق والحرج الذي يعد مقصدا من مقاصد الإسلام العامة، ومستحضرين في ذات الوقت القواعد الشرعية التي تنص على جواز فعل المحظور عند الضرورة، مراعاة للواقع الذي يفرض على مسلمي بلاد الغرب ذلك، مقدمين للنظر الاجتهادي المعاصر الذي يعتمد الواقع ويستحضر المآلات ويأخذها بعين الاعتبار عند الاستنباط والتنزيل.

ومن الفتاوى الفردية والجماعية التي تأسست على الاجتهاد الفقهي، ومالت إلى التيسير في هذه المعاملة، واستحضرت في رأيها واجتهادها الواقع المعاصر وظروفه ومتغيراته المؤثرة في الفتاوى الفقهية، وجوزت للمسلمين في المجتمعات الغربية هذا النوع من المعاملة بضوابط واضحة وفي حدود ضيقة، أذكر:

المطلب الأول: الفتاوى الجماعية.

لقد صدرت عن مجموعة من الهيئات جملة من فتاوى التيسير على المسلمين في بلاد المهجر، والتي تتمثل في القول بجواز امتلاك المسكن عن طريق القروض البنكية التقليدية، ومن بينها:

1- فتوى اللجنة العامة للإفتاء بالكويت، وقد صدرت بتاريح: 15شوال 1405هـ الموافق لـ: 02 يوليو 1985م، وجاء في قرارها جوابا عن سؤال وجهه إليها أحد الأساتذة العاملين بأمريكا، يقول فيه: «ما الحكم الشرعي في شراء بيت في أمريكا بقرض من البنك يجر فائدة؟، مقدما ملحوظتين مقترنتين بسؤاله، وهما:

  • إن عامة البيوت المستأجرة قد اشتريت بقرض من البنك.
  •  إذا كان المستأجر ذا أسرة صغيرة يسعه أن يستأجر شقة اليوم، فإنه لا يسعه أن يجد ذلك لو كان ذا أسرة كبيرة، وهو يضطر لشراء البيت آنذاك بأن يقترض من البنك وإلا فقد يلقي بأسرته في أحضان الشارع».

وأجابت اللجنة: «إن الظروف والملابسات المحيطة بهذه القضية بالنسبة للمسلمين المتواجدين في تلك البلاد، وفي غيبة البدائل المشروعة من قبل مؤسسة مالية تبيع بالأقساط، تجعل هناك شبه ضرورة، وهو ما يسميه الفقهاء (الحاجة العامة التي تنزل منزل الضرورة)، ولذلك ترى اللجنة بأنه يجوز الإقدام على شراء البيت في أمريكا بقرض من البنك يجر فائدة في هذه الظروف بسبب الحاجة العامة المنزلة منزلة الضرورة، وذلك إلى أن تتحقق البدائل المشروعة، ويجب السعي الحثيث لنجاح المشاريع المطروحة للبدائل المشروعة، والله أعلم».

2- فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والتي صدرت عنه في دورته العادية في مدينة (دابلن) بجمهورية إيرلندا في رجب 1420هـ/ أكتوبر 1999م، وبعد نظر المجلس في القضية التي عمت بها البلوى في أوروبا وفي بلاد الغرب كلها، وهي قضية المنازل التي تشترى بقروض ربوية بواسطة البنوك التقليدية ومناقشة القضية مناقشة مستفيضة، انتهى بعدها بأغلبية أعضائه إلى «أن المجلس في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارات الشرعية، لا يرى بأسا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكنه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكنه من شرائه بغير هذه الوسيلة، وقد اعتمد المجلس في فتواه على مرتكزات أساسية، منها؛ قاعدة الضرورات تبيح المحظورات».

3- بيان رابطة علماء الشريعة في أمريكا الشمالية، والذي صدر عن المؤتمر المنعقد في الفترة ما بين 10-13 شعبان 1420هـ/ 19-22 نونبر 1999م، وجاء فيه؛ «استعرض المشاركون في المؤتمر المشكلة التي يعاني منها المقيمون في أمريكا للحصول على بيت للسكن في ضوء التطبيقات المتبعة، وهي الاستئجار أو التملك عن طريق القروض، وانتهوا إلى أن المسكن هو إحدى الحاجات الضرورية التي لا بد من توفيرها سواء أكان ذلك بالاستئجار أم التملك، وأن استئجار المسكن للمسلم المقيم في أمريكا لا يخلو من عقبات كبيرة، منها ما يتعلق بحجم الأسرة أو اختيار الموقع المناسب للسكن أو تحكم أرباب البيوت بالمستأجرين، وأن الطريقة المتاحة حاليا لتملك السكن عن طريق التسهيلات البنكية بسداد الثمن إلى البائع وتقسيطه على المشتري هو في الأصل من الربا، ولا يجوز للمسلم الإقدام عليه إذا وجد بديلا شرعيا يسد حاجته كالتعاقد مع شركة تقدم تمويلا على أساس بيع الأجل أو المرابحة»، ثم نص البيان بعد ذلك على أنه «إذا لم يوجد أحد البدائل المشروعة وأراد المسلم أن يمتلك بيتا بطريق التسهيلات البنكية، فقد ذهب أكثر المشاركين إلى جواز التملك للمسكن عن طريق التسهيلات البنكية للحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، أي لا بد أن يتوافر هذان السببان؛ أن يكون المسلم خارج دار الإسلام، وأن تتحقق فيه الحاجة لعامة المقيمين في خارج البلاد الإسلامية، لدفع المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والدينية وتحقيق المصالح التي يقتضيها المحافظة على الدين والشخصية الإسلامية، على أن يقتصر على بيت للسكن الذي يحتاج إليه، وليس للتجارة أو الاستثمار».

المطلب الثاني: الفتاوى الفردية.

وإلى جانب هذه الفتاوى الصادرة عن مجموعة من الهيئات في هذا الموضوع، نجد فتاوى فردية أخرى مماثلة لها صدرت عن مجموعة من الفقهاء المشهود لهم بالنزاهة وبالتفوق العلمي في العلوم الإسلامية وبالقدرة على الاجتهاد في القضايا المعاصرة بالاستنباط والتنزيل والترجيح، ومن بينها:

1- فتوى الشيخ مصطفى الزرقا التي صدرت عنه في: 04 جمادى الثانية 1418هـ الموافق لــ: 05 أكتوبر 1997م، ونصها: «قد كثر السؤال والاستفتاء من المسلمين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا عن حكم الاقتراض هناك من البنوك بفائدة ربوية لأجل شراء بيت للسكنى، ثم وفاء مبلغ القرض وفوائده مقسطا لمدة طويلة، كعشرين سنة أو خمس وعشرين سنة؟ على أن يملك البيت بعد وفاء القرض، وبذلك يحلون مشكلة السكن بكلفة أقل مما لو أرادوا أن يستأجروا استئجارا.. فالإنسان هناك لأجل سكناه إما أن يشتري بيتا بثمن من عنده، وهذا نادر لغلاء البيوت، وإما أن يستأجر، وأجور البيوت باهظة، وإما أن يقترض من البنك بفائدة ربوية ثمن البيت، ويقسط الوفاء على مدة طويلة –كما ذكرنا- يملك البيت في نهايتها بعد الوفاء.. والمعتاد في هذه الحالة أن قسط وفاء القرض وفائدته للبنك يكون أقل من بدل الإيجار لو استأجر، مع ذلك يملكه البيت في النهاية.. وبعد التأمل ومراجعة النصوص، وجدت أن مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبه الإمام محمد بن الحسن في المسلم إذا دخل دار الحرب –أي بلادا غير إسلامية- مستأمنا بأمان منهم، يقتضي جواز هذا الاقتراض بفائدة ربوية للمسلم المقيم هناك لأجل شراء بيت لسكناه، إذا كان الواقع هناك كما هو مبين في الصورة.. فإن مذهب أبي حنيفة وصاحبه الإمام محمد: أن من دخل دار الحرب مستأمنا، أي بإذن منهم، يحل له من أموالهم ما يبذلونه له برضاهم دون خيانة منه، ولو كان بسبب محرم في الإسلام كالربا بأن يأخذه منهم، ولـكن لا يعطيهم الربا. لأن أموال الحربيين عنده في دارهم غير معصومة، لكنه دخل مستأمنا، فلا يجوز له أخذ شيء منها دون رضاهم.. لكن منعه من إعطائهم الربا إنما هو لتوفير مال المسلمين عنهم. فإذا انعكست الآية في بعض الأحوال، وصار أخذ القرض منهم، وإعطاؤهم الربا أوفر لمال المسلم، كما هو في الصورة المسؤول عنها –لما دخل في الموضوع شراء البيت ثم امتلاكه في نهاية الوفاء- يجب أن ينعكس الحكم، لأن الحكم يدور مع علته ثبوتا وانتفاء، حيث أصبح القرض مع فائدته أوفر لمال المسلم من الاستئجار الذي يخرج به المستأجر صفر اليدين لم يملك شيئا، وبقي البيت لصاحبه المؤجر.. لذلك فالعبرة للنتيجة في الحالتين أيهما أوفر لمال المسلم في دار الحرب، ولا شك أن طريقة الاقتراض من البنك الربوي بفائدة هي الأوفر لماله بمقتضى مذهب أبي حنيفة وعلته، فيكون ذلك جائزا، ولا سيما في حق العاجز عن شراء البيت من ماله».

2- فتوى الشيخ يوسف القرضاوي، وقد قال في تعليقه على فتوى العلامة الزرقا: «الوقفة الأولى: هي رجوعي إلى موافقة الشيخ الزرقا في فتواه، بعد أن كنت من قبل ربع قرن مخالفا له، بل من أشد المعارضين له، وقد ظللت على ذلك نحو عشرين سنة أفتي بتحريم هذه المعاملة، وأشدد في ذلك، بناء على ما لاح لي في ذلك وقتها»، ثم قال بعد كلام: «أيا كان السبب، فهذا هو الرأي الذي اقتنعت به، وانتهى إليه اجتهادي، ولا يسع العالم المسلم أن يخون أمانة العلم، ويفتي الناس بعكس ما يقتنع به، بل المطلوب منه شرعا ألا يكتم ذلك عن الناس، وإلا كان آثما، وخصوصا إذا كان فيه تيسير عليهم، ورفع للحرج عنهم».

3- رأي الأستاذ رفيق يونس المصري، وقد قال في سياق مناقشته لفتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث السالفة الذكر: «وإني أرى أنه لا بأس بتلبية حاجة المسلم إلى المسكن، سواء بطريق الاستئجار أو بطريق الشراء.. ولكن هذه الحاجة مقتصرة على بيت واحد لكل عائلة، فإذا ما تملك الإنسان عدة مساكن، فإن المساكن الفائضة عن حاجته لا تدخل في حوائجه الأصلية، فقد يراد منها التجارة والاسترباح»، ثم ختم مناقشته بقوله: «والخلاصة أني لا أرى بأسا في ما أفتى به المجلس الأوروبي، في مسألة شراء المسكن، بقروض من المصارف التقليدية».

المبحث الثالث: أدلة المفتين بجواز شراء السكن عن طريق القروض البنكية للمسلمين في المجتمعات الغربية

إن النظر الاجتهادي في الفتاوى السابقة التي مال فيها أصحابها إلى القول بجواز شراء السكن بالقروض البنكية الربوية في النازلة موضوع الاجتهاد، مبني أساسا على مبدأ التيسير ورفع الحرج الذي توالت مجموعة من النصوص الشرعية في الكتاب والسنة على الدعوة إلى التزامه منهجا في حياة المسلمين في كل أنحاء الدنيا، خاصة إذا كانت حاجتهم إليه ملحة، تحقيقا للمصلحة ودرءا للمفسدة.

إن استحضار فقه التيسير ورفع الحرج في هذه الفتاوى والآراء الفقهية مؤسس على مجموعة من الأدلة الشرعية الاجتهادية التي يجب على الفقيه المجتهد استحضارها وأخذها بعين الاعتبار في استنباط الأحكام من نصوصها وفي تنزيلها على واقعها، وهذه الأدلة أوصلنا البحث والنظر فيما صدر في هذا الموضوع من فتاوى عن الهيئات والأفراد إلى جمعها في:

المطلب الأول: مراعاة الواقع

إن الواقع يمثل المحل الذي ينزل فيه الحكم الشرعي، وهو هنا واقع المسلم «المستفتي» في بلاد الغرب وخصائصه ومتغيراته التي لها تأثير لا ينكر في الاجتهاد الفقهي المعاصر، وما يرتبط به من إصدار الفتاوى الفقهية جوابا على نوازل الأقليات المسلمة، ذلك فإن هذا الاجتهاد لا يستطيع «أن يؤدي مهمته، ويحقق غايته، ويؤتي ثمرته، إلا إذا ضم إلى فقه النصوص والأدلة: فقه الواقع المعيش».

ومن هنا وجدنا جميع الفتاوى الفقهية الاجتهادية الصادرة في موضوع جواز تملك السكن عن طريق البنوك الربوية في المجتمعات الغربية، قد استحضرت واقع الجالية المسلمة وحيثياته التي تخالف تماما واقع المسلمين في البلاد الإسلامية، واستحضار الواقع في فهم النص وتنزيله لا يقدر عليه من العلماء إلا من آتاهم الله رسوخا في العلم، وحكمة في الفهم، ومرونة في تنزيل ما فهموه على الواقع. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه»، ومن شواهد حضور فقه الواقع في الفتاوى السابقة:

– استحضار الشيخ الزرقا رحمه الله في فتواه لإشكال غلاء تكاليف الشراء والاستئجار في بلاد الغرب عموما، مما يعرض المسلم هنالك للضيق والحرج؛ فلا هو يستطيع الشراء لغلاء البيوت، ولا هو يقدر على الاستئجار لارتفاع سومة الكراء، فقال رحمه الله: «فالإنسان هناك لأجل سكناه إما أن يشتري بيتا بثمن من عنده، وهذا نادر لغلاء البيوت، وإما أن يستأجر، وأجور البيوت باهظة».

– أخذ المجلس الأوروبي للإفتاء بعين الاعتبار ما قد يتعرض له المسلم في المجتمع الغربي من قبل أصحاب البيوت المستأجرة، مما يلحق به الضرر والحرج، وقد صرح في فتواه بجواز شراء السكن بالقرض التقليدي للمسلم في ذلك المجتمع، على أن المسلم يبقى عرضة «للطرد من هذا المسكن (المستأجر) إذا كثر عياله أو كثر ضيوفه، كما أنه إذا كبرت سنه أو قل دخله أو انقطع يصبح عرضة لأن يرمى به في الطريق»، وقد أكد على العلة ذاتها البيان الصادر عن رابطة علماء الشريعة في أمريكا، وذلك لما نص في فتواه على أن «استئجار المسكن للمسلم المقيم في أمريكا لا يخلو من عقبات كبيرة، منها ما يتعلق بحجم الأسرة أو اختيار الموقع المناسب للسكن أو تحكم أرباب البيوت بالمستأجرين».

– تعليل البيان الصادر عن رابطة علماء الشريعة في أمريكا الشمالية موضوع عقد بيع المرابحة انطلاقا مما عليه الواقع في بلاد غير المسلمين، فذكر أنه «لا توجد مصارف إسلامية في البلاد الغربية تتعامل بالمرابحة أو بغيرها»، كما أكد البيان ذاته على أن المرابحة كما تجري في البنوك الإسلامية لا تحل مشكلة امتلاك البيوت في الغرب اليوم، لأن التعامل بالمرابحة يتطلب في البداية دفع مبلغ نحو ثلاثين في المائة من قيمة البيت المراد تملكه، كما أن البنوك الإسلامية لا تؤجل مبلغ الثمن أكثر من خمس سنوات، على حين تؤجل البنوك العادية الغربية دفع الثمن إلى ثلاثين سنة تقريبا، وهذا يسهل على الإنسان العادي الدفع لطول المدة وقلة المبلغ المطلوب.

المطلب الثاني: العمل بقواعد الضرورة والحاجة.

لقد اعتمدت اللجنة العامة للفتوى في الكويت -كما أسلفنا- على قاعدة «الحاجة تنزل منزلة الضرورة»، أي تنزل منزلتها في إباحة المحظور بها، ونحن نعلم أن إباحة المحظورات بسبب الضرورات أمر متفق عليه بين أهل العلم جميعا، لأنه معلوم بالقرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. (الأنعام/ 120). وشاهد العلماء في إلحاق الحاجة بالضرورة أحاديث نبوية شريفة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر فيها حاجة صحابته، وذلك مثل إباحته لهم الجلوس في الطرقات، بعد أن كان قد نهاهم عن ذلك، فقال لهم: (إياكم والجلوس على الطرقات» فقالوا ما لنا بد؛ إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها» قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)، فنلاحظ في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر حاجة صحابته وأجاز لهم الجلوس بشروط وضوابط ملخصها: «أن يعطوا الطريق حقه».

والمجلس الأوروبي اعتمد في فتواه السابقة كما ذكر على مرتكزات أهمها؛ قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وهي قاعدة مأخوذة من مواضع عدة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى بعد ذكر محرمات الأطعمة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (الأنعام/ 146).

وهي قاعدة «مستفادة من استثناء القرآن حالات الاضطرار في ظروف استثنائية خاصة»، وقرر الفقهاء إلى جانب هذه القاعدة قاعدة أخرى تلحق الحاجة بالضرورة في بعض الحالات، ثم إن المجلس وهو يبني فتواه على قواعد الضرورة والحاجة لم يفته أن يستحضر قاعدة أخرى ضابطة ومكملة لقواعد هذا الباب، وهي قاعدة؛ «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها»، ولذلك قرر أن الفتوى خاصة بمن يريد تملك السكن، ولا تتعدى إلى التجارة والاستثمار.

كما أن رابطة علماء الشريعة في أمريكا الشمالية اعتمدت في بيانها في النازلة موضوع البحث على قواعد الضرورة والحاجة، مع التأكيد على إلحاق الحاجة بالضرورة، ولذلك ذهب أكثر المشاركين في المؤتمر الذي عقدته للبحث في موضوع؛ تملك السكن في بلاد المهجر عن طريق القروض الربوية، إلى جواز التملك للمسكن عن طريق التسهيلات البنكية للحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، أي لا بد أن يتوافر هذان السببان؛ أن يكون المسلم خارج دار الإسلام، وأن تتحقق فيه الحاجة لعامة المقيمين في خارج البلاد الإسلامية.

وبناء على ما سبق يتبين أن الضرورة هي التي لا يستطيع المسلم أن يعيش بدونها، وأما الحاجة فهي التي إذا لم تتحقق للمسلم يكون في حرج وإن كان يستطيع أن يعيش، والقرآن الكريم نص على أن من مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى؛ رفع الحرج عن هذه الأمة، فقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾. (المائدة/ 7).

ولا شك فإن المسكن الذي يدفع عن المسلم في البلاد الغربية الحرج هو المناسب له ولأسرته وضيوفه في سعته وفي مرافقه، علما أن المسكن المستأجر في الغرب لا يلبي كل حاجة المسلم ولا يحقق له الأمان، وفي هذا الصدد نجد الأستاذ رفيق المصري يزكي ما ذهبت إليه اللجنة العامة للفتوى في الكويت، والمجلس الأوروبي للإفتاء في هذه النازلة، ويعتمد الدليل الذي اعتمدته الهيئتان وهو الحاجة المنزلة منزلة الضرورة، فقال: «يضيق بعض الفقهاء في مفهوم الضرورة بحيث قد يقصرها على سد الرمق، بل على ما هو أقل من ذلك، بل على ما يؤدي فقده إلى الموت، لكن هناك فقهاء آخرين ومنهم قدامى يتوسعون في مفهوم الضرورة، وربما يضمون إليها الحاجة، ذلك لأنهم يرون أن الاقتصار على الضرورة بحدها الأدنى، لا بد وأن يؤدي إلى إضعاف المسلم وإنهاكه والتقليل من إنتاجيته، فإذا كان المسكن من الضرورات أو من الحاجة الملحقة بالضرورات، فإن المسلم إن لم يجد أمامه أسلوبا مشروعا لتلبية ضرورته أو حاجته، فإن الشرع قد أباح له تلبيتها ولو بأسلوب محظور، فيكون عليه أن يختار هنا ما هو أقل حرمة، وأقل كلفة».

المطلب الثالث: استحضار مقاصد الشريعة الإسلامية

إن اليسر ورفع الحرج على المسلمين وجلب المصالح لهم ما أمكن مقاصد عامة من مقاصد الشريعة الإسلامية التي يجب استحضارها في الاجتهاد الفقهي، وهو اجتهاد لا يتحقق بالكيفية المطلوبة إلا بإحياء نفس مقاصد الشريعة الإسلامية عند استنباط الأحكام من أدلتها وعند تنزيلها على النوازل والقضايا الطارئة في الواقع، خاصة وأننا نجد في تراثنا الفقهي ما يشجع الفقهاء في عصرنا على استحضار هذا الأساس في الاجتهاد في فقه المعاملات تأصيلا وتنزيلا، ويكفي ما كتبه العلامة محمد بن الحسن الحجوي الفاسي رحمه الله دليلا هاديا لعلمائنا أن ييسروا في فقه المعاملات عامة وفي فقه المعاملات المالية خاصة، وأن يتجاوزا فيه الجمود والانغلاق، باعتبار أن أبواب فقه المعاملات مجال خصب للاجتهاد في ضوء قضايا العصر، وعلى الفقيه أن ينظر في هذا اللون من الفقه إلى الأشياء على أن أصلها الإباحة وعدم المنع، كل ذلك مع مراعاة النصوص وما تقتضيه أحكام الشريعة السمحة، فيقول رحمه الله: «إن مصلحة الأمة والشريعة معا تقتضي التوسع في أبواب المعاملات بما لا يخالف النصوص والمجمع عليه»، ثم بين موقفه من هذا فقال: «وإني من الذين يعتدلون في الأحكام، وفي الفلسفة الفقهية، ولا يغرقون فيها، ولا يرون الاسترسال في الأقيسة والتحمل في استنباط أحكام بمنع معاملات كثيرة لم يصرح نص بمنعها، ولا نضيق على الأمة سبل رقيها، لأنه موجب لفقرها، واحتكار تلك المعاملات لغيرها، ولم يجعل الله شريعة من الشرائع منافية لناموس الاجتماع، ولا قيدا ثقيلا في أرجل من يريد النهوض من الأمم، بل جميع الشرائع محافظة على ناموس الاجتماع، ورقي المجتمع الإنساني ولا سيما الشريعة العامة الأبدية»، ومن هذا المنطلق كان الحجوي يرى أن التضييق على الأمة في المعاملات، خاصة منها المعاملات المالية والاقتصادية سيجر عليها وبال الفقر، في حين غيرها من الأمم تزداد رقيا وتقدما، ولا أحد يشك «أن تضييق المعاملات، ومنع الأمة من كثير منها يوجب فقرها، وما افتقرت أمة إلا وضاع مجدها، وذهب سؤددها، إذ المال عصب كل مجتمع إنساني، وحفظ البيضة إنما يكون في الزمان الحاضر بثروة الأمة، واتساع معاملتها ومتاجرها ومصانعها وفلاحتها».

ولعل بعد مقصد التيسير ورفع الحرج وجلب المصالح كان حاضرا بقوة في جميع الفتاوى الصادرة في موضوع؛ جواز تملك السكن بالقروض البنكية للمسلمين في المجتمعات الغربية، لأن سند تلك الفتاوى عموما مؤسس على الاجتهاد الفقهي المبني على دفع مختلف المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والدينية على المسلمين هناك، مع جلب المصالح لهم؛ تلك المصالح التي يقتضيها الحفاظ على الدين وعلى الشخصية الإسلامية، وكل ذلك يدل على مراعاة مبدأ اليسر ورفع الحرج وحضوره في الفتاوى المتعلقة بالأحوال الاجتماعية والمالية الخاصة بالمسلمين في غير بلاد الإسلام، ومنها الفتاوى المرتبطة بنوازل تملك السكن عن طريق القروض البنكية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه قد توجه بعض الانتقادات إلى النتيجة التي أثمرها النقاش الفقهي حول هذا الموضوع، والتي تتجلى في ميل بعض جهات الإفتاء في العالم الإسلامي إلى القول بجواز تملك السكن بالقروض البنكية التقليدية للمسلمين في الغرب، فإنه يبقى مع ذلك مجهودا مشكورا في مضمار الاجتهاد الفقهي المعاصر، وفي محاولة إيجاد الأحكام الشرعية المناسبة للقضايا النازلة بالمسلمين، لأن الفقهاء برهنوا من خلاله على أنهم قادرون على مجابهة المستجدات والمشكلات الواقعة أو المتوقعة، وأعطوا حلولا للنوازل والقضايا الطارئة ولاحقوا من خلاله التطور البشري والتغير الزماني، كما دللوا في ذات الوقت على أن الفقه الإسلامي فقه خصب وقابل للتطور نظرا لمرونته وقوة قابليته للاستمرار والبقاء، واستيعابه لكل ما يجد على ساحة المعاملات، فهو يعتد بالواقع، ويأخذ بقواعد الضرورة والحاجة، ويستند إلى المصالح المرسلة، وكلها قواعد أساسية يجب استحضار دلالاتها وأبعادها في القضاء والفتوى.

خاتمة:

وبعد ختام هذا البحث الذي ناقش موضوع الاجتهاد الفقهي المعاصر وتطبيقاته في نوازل المعاملات المالية للمسلمين في المجتمعات الغربية-شراء السكن عن طريق القروض البنكية أنموذجا، يطيب لي أن أختمه بالنتائج التالية:

-1 إن من دواعي تجديد الفقه الإسلامي، والرقي به إلى مدارج الرشد، فتح باب الاجتهاد فيه على نحو يساير المستجدات ويعرف واقع الناس ومعاشهم، فضلا عما يترتب على ذلك في العاجل والآجل من صيانة الحقوق واستقرار حبل التواصل بين حياة المسلم وأحكام الإسلام، وحماية بيضة الدين، وما انحط الفقه إلا بانحطاط رجاله، فكان أمره في ذهاب وإدبار، وإذا كان هذا الانحطاط يعزى إلى بواعث شتى فإن أكثرها تسلطا على النفس، وتصرفا في الفكر؛ الإغراق في التقليد والجمود على مسطور المذهب الفقهي السائد في البلد الذي يعيش فيه الفقيه وينتمي إليه، وإن قامت الحجج الناهضة على تنكبه عن جادة الصواب ومجافاته لمقتضى مقاصد الشريعة.

-2 الفقهاء المعاصرون في العالم الإسلامي وفي غيره لهم يد صالحة وأثر حسن في تجديد وتطوير الفقه الإسلامي والنهوض به، بفضل إيمانهم بضرورة إحياء الاجتهاد وتطبيقه في مختلف النوازل والقضايا المعاصرة التي تظهر بين الحين والحين في حياة المسلمين، بالرغم مما اتسم به بعضهم من تعصب وضرب في صور الأدلة بآراء واجتهادات قد لا يكون لها سند صحيح من صريح النصوص وصحيحها، غير أن الفئة المتبصرة المنصفة منهم كانت حريصة أشد الحرص وأقواه على أن يكون فقهها موصولا برافد التجديد وممدودا بسبب النماء.

-3 يعد الاجتهاد الفقهي المعاصر من الملامح الاجتهادية التي تسترعي النظر في الفقه الإسلامي، وتستحق التحفيز والتشجيع من قبل كل الغيورين على الشريعة الإسلامية والساعين إلى إحيائها عبر العمل والتطبيق في المجتمعات الإسلامية، ومقتضاه؛ استحضار المجتهد الفردي أو المؤسسة الاجتهادية الجماعية المتخصصة العصر الحاضر ومعطياته ووقائعه وحوادثه وخصائصه واتجاهاته ومؤسساته ومنظماته وآلياته في الاستنباط والاجتهاد لاستصدار الأحكام والحلول والبدائل الشرعية لمستجدات العصر ومستحدثاته.

-4 الاجتهاد الفقهي المعاصر -بغض النظر عن بعض الانتقادات التي قد توجه إليه-، يبقى مجهودا مشكورا في مضمار الاجتهاد والاستنباط، ومحاولة إيجاد الأحكام الشرعية المناسبة للقضايا النازلة بالمسلمين في كل مكان، لأن الفقهاء برهنوا من خلاله على أنهم قادرون على مجابهة المستجدات والمشكلات الواقعة أو المتوقعة، وأعطوا حلولا للنوازل والقضايا ولاحقوا من خلاله التطور البشري والتغير الزماني، كما دللوا في ذات الوقت على أن الفقه الإسلامي فقه خصب وقابل للتطور، نظرا لمرونته وقوة قابليته للاستمرار والبقاء، واستيعابه لكل ما يجد على ساحة المعاملات، فهو فقه يعتد بالواقع، ويراعي الضرورة والحاجة، ويستند إلى المصالح المرسلة، وكلها قواعد أساسية في هذا الباب، جعلت فقهاء العصر يمارسون الاجتهاد الفقهي بأوسع معانيه، لإيجاد مخارج شرعية للمسلمين في غير البلاد الإسلامية للتيسير عليهم ورفع الحرج والمشقة عنهم.

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


المصادر والمراجع:

* القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
-1 ابن العربي أبو بكر المعافري، أحكام القرآن. تحقيق محمد عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية-بيروت. ط/ 3. 1424هـ/ 2003م.
-2 ابن فارس أحمد بن زكرياء، معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون. دار الفكر. طبعة 1399هـ/ 1979م.
-3 ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين. تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان. دار ابن الجوزي-المملكة العربية السعودية. ط/ 1. 1423هـ.
-4 ابن منظور، لسان العرب. دار صادر-بيروت. دون الطبعة والتاريخ.
-5 الألباني محمد ناصر الدين، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان. دار باوزير – جدة. ط/ 1. 1424هـ/ 2003م.
-6 الآمدي علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام. تحقيق عبد الرزاق عفيفي. دار الصميعي – الرياض. ط/ 1. 1423هـ/ 2003م.
-7 البخاري محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري. تحقيق الدكتور محمد تامر. دار التقوى. دون الطبعة والتاريخ.
-8 الجيدي عمر، مباحث في المذهب المالكي في المغرب، مطبعة المعارف الجديدة-الرباط. ط/ 1. 1993م.
-9 الحجوي محمد بن الحسن، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. المكتبة العصرية-بيروت. ط/ 1. 1427هـ/ 2006م.
10- الخادمي نور الدين مختار، أبحاث في مقاصد الشريعة. مؤسسة المعارف-بيروت. ط/ 1. 1429ه/ 2008م.
11- الخثلان سعد بن تركي، فقه المعاملات المالية المعاصرة. دار الصميعي – الرياض. ط/ 2. 1433هـ/ 2012م.
12- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن. تحقيق محمد سيد كيلاني. دار المعرفة-لبنان. دون الطبعة والتاريخ.
13- رفيق يونس المصري، شراء المساكن بقرض مصرفي ربوي للمسلمين في غير بلاد الإسلام. مجلة دراسات اقتصادية إسلامية. منشورات المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب-جدة. العدد/ 1. رجب 1421هـ/ 2000م. المجلد/ 8. [159-164].
14- الريسوني قطب، صناعة الفتوى في القضايا المعاصرة معالم وضوابط وتصحيحات. دار ابن حزم-بيروت. ط/ 1. 1435هـ/ 2014م.
15- الزحيلي وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته. دار الفكر. ط/ 34. 1435هـ/ 2014م.
16- الزرقا مصطفى أحمد، الفتاوى. دار القلم-دمشق. ط/ 1. 1999م.
17- الزرقاني عبد الباقي، شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل. تحقيق عبد السلام محمد أمين. دار الكتب العلمية-بيروت. ط/ 1. 1422هـ/ 2002م.
18- الزرقا مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام. دار القلم-دمشق. ط/ 2. 1425هـ/ 2004م.
19- الزركشي بدر الدين، البحر المحيط في أصول الفقه. تحقيق عبد القادر عبد الله العاني. دار الصفوة-القاهرة. ط/ 2. 1413هـ/ 1992م.
20- سانو قطب مصطفى، صناعة الفتوى المعاصرة قراءة هادئة في أدواتها، وآدابها، وضوابطها، وتنظيمها في ضوء الواقع المعاصر. ط/ 1. 1424هـ/ 2013م. دون ذكر مكان الطبع.
21- الشاطبي أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق الشيخ عبد الله دراز. دار الكتب العلمية-بيروت. ط/ 1. 1425هـ/ 2004م.
22- شعبان محمد إسماعيل، الاجتهاد الجماعي ودور المجامع الفقهية في تطبيقه. دار البشائر الإسلامية، ودار الصابوني-بيروت. ط/ 1. 1418هـ/ 1998م.
23- العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحقيق الدكتور نزيه كمال حماد، والدكتور عثمان جمعة ضميرية. دار القلم – دمشق. ط/ 1. 1421هـ/ 2000م.
24- الفيروزآبادي مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط. تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف محمد نعيم العرقسوسي. مؤسسة الرسالة-بيروت. ط/ 8. 1426هـ/ 2005م.
25- القرضاوي يوسف، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. دار القلم-الكويت. ط/ 2. 1410هـ/ 1989م.
26- القرضاوي يوسف، شراء بيوت السكنى في الغرب عن طريق البنوك. مجلة دراسات اقتصادية إسلامية. منشورات المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب-جدة. العدد/ 1. رجب 1421هـ/ 2000م. المجلد/ 8. [9-50].
27- القرضاوي يوسف، في فقه الأقليات المسلمة. دار الشروق-القاهرة. ط/ 1. 1422هـ/ 2001م.
28- لجنة التأليف بالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. منشورات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث – دابلن – إيرلندا. العدد/ 14-15. يونيو 2009م-رجب 1430هـ. [9-18].
29- الندوي علي أحمد، القواعد الفقهية. دار القلم – دمشق. ط/ 7. 1428هـ/ 2007م.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.