منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفهوم العقد وعناصره وأقسامه

مفهوم العقد وعناصره وأقسامه/ أحمد بلمختار

0

مفهوم العقد وعناصره وأقسامه

ذ. أحمد بلمختار

يقول الله تعالى في كتابه {يأيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود}[1].

قال الأستاذ سيد قطب في ظلاله تعليقا على هذه الآية ” أنه لابد من ضوابط للحياة، حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه، وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء وعامة الناس من الأقربين والأعبدين، من الأهل والعشيرة، ومن الجماعة والأمة ومن الأصدقاء والأعداء والأحياء… مما سخر الله للإنسان ومما لم يسخر… والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض… ثم حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة”.

والإسلام يقيم هذه الضوابط في حياة الناس ويحددها بكل دقة ووضوح، ويربطها كلها بالله سبحانه وتعالى، ويكفل لها الاحترام الواجب فلا تنتهك ولا يستهزئ بها ولا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات المتقلبة، ولا للمصالح العارضة التي يراها فردا أو جماعة أو أمة …  هذه الضوابط يسميها الله تعالى العقود ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود.

معنى العقد في اللغة والاصطلاح:

  •  تعريف العقد في اللغة.

قال ابن فارس: ” العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق”[2].  ويطلق في اللغة على فروع كثيرة ترجع إلى هذا الأصل ومنها:

  • الربط والشد والإبرام: سواء استعمل في الربط الحسي كعقدات الحبل أو في الربط المعنوي كعقدات البيع.
  • التوكيد والتغليظ والتوثيق: ومنه قوله تعالى: {ولكن يؤخذكم بما عقدتم الأيمان} [سورة المائدة الآية 91].
  • الضمان والعهد: ومنه قوله تعالى: {ولا تعزموا عقده النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} {سوره البقرة الآية 233}.

فمن هذه المعاني اللغوية صار العقد بمعنى العهد الموثق والضمان وكل ما نشأ التزاما.

  •  العقد في الاصطلاح:

لم تكن فكرة التعاقد في القديم وإنما كان التعامل على أساس الحاجة فيأخذ الانسان بقدر ما يعطي، أما التعاقد على الالتزامات التي يكون فيها الانسان مسؤولا جاء عن طريق فكرتي دية القتلى، فقد كان لا غناء يعوض الثأر الفعلي بالتعامل بين أهل المقتول وأهل قاتله فحصل محل الثأر أخذ الدية. وقد كان للأديان أعظم الأثر في ظهور التعاقد وإبرام الالتزامات. وتعتبر الشريعة الإسلامية وهي خاتمه الشرائع التي استوفت حاجات الناس والتي بينت قواعد وضوابط التعاقد.

وفي الاصطلاح عند الفقهاء فإن العقد هو ارتباط الايجاب بالقبول على وجه مشروع يثبت أثره في المحل. وعند تتبع كلام الفقهاء يتضح أنهم يطلقون العقد ويريدون به معنيين:

  • المعنى الأول عام وواسع:

وهو الشائع عند جمهور الفقهاء ومفاده أن العقد يرادف كلمة الالتزام وينظم جميع الالتزامات الشرعية.

ومنه فالعقد هو كل ما ألزم به المرء نفسه وعزم على فعله سواء صدر من جانبين كالبيع والإجارة أم من جانب واحد كالوقف والوصية.

وهذا التعريف للعقد مال إليه أكثر المفسرين عند تفسيرهم للعقود في قوله تعالى: )يا أيها  الذين آمنوا أوفوا بالعقود([المائدة: 1].

  • والمعنى الثاني خاص وضيق:

ومعناه أن العقد هو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في المحل[3]. أو هو: تعلق كلام أحد العاقدين بالآخر شرعا، على وجه يظهر أثره في المحل. ومن هذا التعريف يتضح أنه لابد من إرادتين لانعقاد العقد، فلا تكفي إرادة واحدة قال العلامة الدريدرة: ” ولا يكون العقد إلا بين اثنين بإيجاب وقبول”

وعليه فالإعتاق والطلاق وما تم بإرادة واحدة لا يسمى عقودا بمقتضى هذا التعريف. أما البيع والإجارة وغيرها ـ مما يتم بإرادتين ـ فسمي عقودا بمقتضى هذا التعريف.

ولقد حرص الفقهاء على إثبات كلمة (مشروع) او (شرعا) لإخراج كل تعاقد على أمر محرم وغير جائز في الشرع، وهذا ما لا نجده في تعريف رجال القانون، فالعقد عندهم هو:” توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني من إنشاء التزام أو نقله تعديله أو إلغائه” فتعريفهم يتوافق مع المعنى الخاص للعقد، إلا أنه يختلف معه في قوله يتضمن العقد الباطل، ولذلك خلص د. زحيلي إلى “أن العقد في القانون أداة لإدراك مصلحة ذاتية شخصية لكل من المتعاقدين، وأما في الإسلام فهو معد لإدراك مقاصد شرعية عامة”[4]

 العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:

بالنظر إلى التعريفين السابقين نجد أن لكل من التعريفين نصيبا من اللغة، فمن قال بالأول، بأنه تكفي الإرادة المنفردة، نظر أن الالتزام عهد، والعهد من معاني العقد في اللغة.

ومن قال بالتعريف الثاني وأنه لابد من إرادتين، نظر إلى أن العقد في اللغة هو الربط وهذا لا يكون إلا من جانبين.

  عناصر العقد:

والعقد لا يوجد إلا إذا توافرت العناصر الآتية:

  • وجود طرفين (أي عاقدين) أما إذا كان طرفا واحدا فإنه لا يستطيع أن يبرم بإرادة واحدة[5]. ــ صدور ما يدل على الرضا بين العاقدين، هو ما يسميه الفقهاء بالإيجاب والقبول.
  • أن يكون التعاقد على أمر مشروع، أما التعاقد على أمر غير مشروع فلا يصح.
  • أن يثبت أثر العقد في محله، لإخراج التعاقد على أمر لا أثر له.

ومما شاع في العصر الحديث من استخدام صيغ مستحدثة عن طريق التخاطب السمعي بواسطة الهواتف أو الفاكس أو الوثائق والشهادات المالية… والتعاقد بهذه الصورة تعاقد صحيح بحسب ما يقتضيه الفقه في المسألة لأن العبرة بالرضا.

جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ما يلي: ” نظرا لتطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال، وجريان العمل بها في إبرام العقود، لسرعة إنجاز المعاملات الحالية، والتصرفات واستحضار ما تعرض له الفقهاء بشأن العقود بالخطاب وبالكتابة وبالإشارة وبالرسول، وما تقرر من أن التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحاد المجلس، عدا (الوصية، والإيجار، والوكالة)، وتطابق الإيجاب والقبول، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالات بين الإيجاب والقبول بحسب العرف، قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي:

1ــ إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السخارة (الرسول)ّ، وينطبق ذلك على البرق والتلكس، والفاكس، وشاشات الحاسوب (الكومبيوتر) ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه بالقبول.

2 ــ إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد، وهما في مكانين متباعدين ـ وينطبق هذا على الهاتف اللا سلكي ـ فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقدا بين حاضرين، وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء، المشار إليها في الديباجة.

3 ــ إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجابا محدد المدة يكون ملزما بالبقاء على إيجابه في تلك المدة، وليس له الرجوع فيه.

4 ــ إن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه، ولا العرف لاشتراط التقابض.

5 ــ ما يتعلق باحتمال التزييف، أو التزوير أو الغلط يرجع فيه للقواعد العامة للإثبات.[6]

ونختم هذا الكلام عن الركن الأول من أركان العقد بنص لابن تيمية يعلي فيه راية منهج التيسير ورجع الحرج وينقض مذهب الجمهور والحنفية ويرجح فيه مذهب إمام دار الهجرة والنصرة. قال ابن تيمية: ” والعقود من الناس أوجب منها الألفاظ وتعاقب الإيجاب والقبول ونحو ذلك وأهل الحديث جعلوا المرجع في المقصود إلى عرف الناس وعادتهم. فما عده الناس بيعا فهو بيع، وما عدوه إجارة فهو إجارة، وما عدوه هبة فهو هبة، وهذا أشبه بالكتاب والسنة وأعدل. فإن الأسماء منها ماله حد في اللغة كالشمس والقمر، ومنها ماله حد في الشرع كالصلاة والحج، ومنها ما ليس له حد في اللغة ولا في الشرع بل يرجع العرف، كالقبض.

ومعلوم أن اسم البيع والإجارة والهبة في هذا الباب لم يحدها الشارع ولا الجماعة في اللغة، بل يتنوع ذلك بحسب عادات الناس وعرفهم فما عدوه بيعا فهو بيع، وما عدوه هبة فهو هبة، وما عدوه إجارة فهو إجارة”[7]

  أقسام العقد:

أ ـ تقسيم العقد إلى مشروع وغير مشروع، صحيح وغير صحيح.

ينقسم العقد بحسب مقدار واستفاء أركانه وشروطه إلى صحيح تترتب عليه آثاره، وغير صحيح لا تترتب عليه إثاره.

  • العقد الصحيح: هو الذي استكمل جميع عناصره من عاقدين وصيغة معقود عليها، واستوفى جميع شروطه الشرعية.
  • والعقد غير صحيح: هو العقد الذي اختل فيه أحد أركانه الأساسية أو شرطا من شروطه، ويشمل غير الصحيح الباطل والفاسد عند جمهور الفقهاء، فهي عندهم بمعنى واحد، أما الحنفية فيقسمون غير الصحيح إلى باطل وفاسد فلكل واحد منهما معنى مختلف.
  • فالعقد الباطل: عندهم هو ما اختل منه ركن من أركانه، كعقد الطفل أو المجنون أو بيع ما ليس بمال كالميتة.
  • والعقد الفاسد: هو ما كان مشروعا بأصله، أي أن يصدر تتتت هو أهل له في محل قابل للبيع، ويكتب عرض له وصف غير مشروع، كبيع المجهول بحالة تؤدي للنزاع.

والصحيح ينقسم بدوره إلى: نافذ وموقوف.

1ـ العقد النافذ: هو ما صدر ممن له أهلية وولاية على إصداره، وحكمه أنه تترتب أثاره بمجرد انعقاده من غير توقف على إجازة أحد.

وينقسم النافذ إلى:

أ ـ عقد لازم: لا يستطيع أحد الطرفين المتعاقدين بعد العقد التحلل من قيده ما لم يتفقا على الإقالة، فاللزوم من أهم مزايا العقد في بناء الأعمال والحياة الاقتصادية.

ب ـ عقد غير لازم: هو ما يملك أحد طرفيه أو أحدهما فسخه، إما عملا بطبيعة العقد نفسه كالوكالة لمصلحة العاقد كالعقد المشتمل على الخيار.

2ـ العقد الموقوف: هو العقد الصادر من شخص له التعاقد من غير أن يكون له ولاية عن إصداره، كعقد الفضولي (كمن يتصرف في شيء ويعقد عقدا من العقود دون ولاية عليه أو وكالة أو وصايا وبدون إذن غيره) كبيع الأزواج ملك زوجاتهم أو كبيع ملك من طالت غيبته…

حكمه: أنه لا تترتب عليه آثاره إلا إذا أجازه صاحب الشأن الذي يملك إصداره.[8]

  • تقسيم العقود إلى مسماة وغير مسماة:

1ـ عقود مسماة: هي العقود التي وضع الشرع لها اسما خاصا بها وبين أقسامه المترتبة، كالبيع، والإجارة، والشركة وغيرها.

2ـ العقود الغير مسماة: هي التي لم يضع لها الشرع اسما خاصا، وإنما استحدثها الناس للحاجة، كعقد الاستصناع (وهو التعاقد على صنع شيء معين)، وقد تردد بين اعتباره بيعا أو إجارة ثم استقر على تسمية خاصة به.

تقسيم العقود بحسب النظر إلى غايته أو غرضه:

ينقسم بحسب غايته إلى عدة أقسام منها:

التمليكات ـ الاسقاطات ـ الاطلاقات ـ التقييدات ـ التوثيقات ـ الشركات ـ الاستحفاظات.

أ ـ التمليك: وهي العقود التي يقصد بها عين أو منفعة وهي قسمين:

ــ عقود معاوضات: وهي التمليك بعوض.

ــ عقود تبرعات: وهي بغير عوض كالهبة.

ب ـ الاسقاطات: هي العقود التي يقصد بها اسقاط حق من الحقوق سواء ببدل أو بغير بدل، كالتنازل عن حق الشفعة، والإبراء من الدين وغيرها.

ج ـ الاطلاقات: هي العقود التي يقصد منها تعويض شخص لآخر أن يقوم بعمل ويطلق يده على التصرف في ملكه كالوكالة.

د ـ   التقييدات: هي العقود التي يمنع فيها شخص من التصرف في مال له، كالحجر.

هـ ـ التوثيقات: هي العقود التي يقصد منها ضمان الحقوق لأصحابها، كالرهن، فإن الدان بهذه العقود يؤكد حقوقه في استرداد دينه، ويبعن عنه احتمال ضياعه.

و ـ الشركات: وهي التي يقصد منها اشتراك في الحال أو العمل أو غير ذلك؟

ز ـ الاستحقاقات: وهي العقود التي يقصد منها حفظ المال، وهو ما يعلرف بوديعة أو الحراسة.[9]


[1]  المائدة: 01

[2]  معجم مقاييس اللغة مادة عقد

[3] ـ الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق ـ سوريا، ط: 4، ج4، ص 918.

[4] ـ المذهب الأسعد في أحكام العقد، محمد عجواني

[5] ـ بناء على المعنى الخاص للعقد.

[6]  ــ قرار رقم 54/3/6 في دورة مؤتمر المجمع السادس التاريخ 17 ــ 30 شعبان 1410 هـ.

[7]  ـ مجموع الفتاوي، ابن تيمية، 20/ 345 ـ 346، من كتاب المذهب الأسعد  في أقسام العقد، الدكتور محمد الحمواني.

[8] ـ ملخص من محاضرات الدكتورة نجاة المديوني.

[9]  ـ المصدر السابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.