منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التناقض في نفي مبدأ عدم التناقض

سهيل الدوى     

0

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا الكريم، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وبعد:

اخترنا لهذا البحث موضوع المبادئ العقلية ورد الشبهات حول مبدأ عدم التناقض، وقد رمنا في بحثنا هذا البساطة في صياغة هذه المبادئ والتعبير عنها بلغة سلسة وتقريبها للأفهام بأمثلة بسيطة، فصياغتها في علم المنطق في الفلسفة أو منطق علم الرياضيات، دقيقة اللغة عسيرة الفهم.

وبالنسبة لاختيار مبدأ عدم التناقض من بين المبادئ الأخرى، فلأنه تعرض للهجوم من قبل المشككين إلى جانب مبدأ السببية كثيرا، ولأن السببية قد ردت الاعتراضات عنها في كثير من الكتابات فاخترنا أن نناقش الاعتراضات على مبدأ عدم التناقض في بحثنا هذا.

وقد وجدنا أن الأفكار الخاطئة حول هذا المبدأ تعود إلى أسباب كثيرة، فتارة هي نتيجة لعدم صحة التصورات عند الطرف الآخر لأقوال المدافعين عليها، أو أن الدليل العلمي الذي يطرحونه غير قطعي، أو أنهم لا يأخذون بالأدلة المعارضة الراجحة، مما سنكتشفه في طيات هذا البحث.

المزيد من المشاركات
1 من 76

وقد بدأنا البحث بتعريف للمبادئ العقلية ثم ذكر أهم صفاتها، ثم انتقلنا إلى بيان دلالتيها الفطرية والعقلية على وجود الله تعالى، ثم بعد ذلك ذكرنا أشهر الشبهات والاعتراضات حول مبدأ عدم التناقض، وأخيرا قمنا بالرد على كل اعتراض على حدى.

ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد.

تعريف المبادئ العقلية

المبادئ العقلية هي علوم ومعارف يجدها الإنسان في نفسه ضرورة وتنطبق على كل الأشياء في هذا الوجود، وقد يدركها وقد لا يدركها ولكنه يستعملها في حياته وفي كل لحظة دون أن ينتبه لها، ويرجع ذلك لأنها دقيقة جدا وليست كالعلوم المكتسبة، وعليها تقوم المعرفة الإنسانية كلها، ولا يخلو حتى التعامل بين البشر منها بل وبين الإنسان ونفسه أيضا. ولتقريبها من الأفهام نسوق أمثلة عليها:

مبدأ السببية:

وهو أن لكل حادث سببا، فلا يخلو حادث في الكون من تحقق هذا المبدأ، والحادث هو ظهور شيء بعد أن لم يكن، فالإنسان يأوي إلى غرفته كل ليلة لينام على سريره ويستريح، ولا يثير انتباهه أبدا بقاء السرير في مكانه لأنه أمر بديهي، لكن يدخل يوما ليجد السرير في يمين الغرفة بعد أن كان في يسارها، فينقدح في نفسه باعث يدفعه للسؤال: ماذا حدث؟ ومن فعل هذا؟ وما سبب ذلك؟ فتغير السرير من مكان لآخر هو أمر حادث، لذلك استوجب سببا. وهذا المبدأ يعم كل الحياة، فالعلوم التجريبية تقوم على هذا المبدأ العقلي، فالعلم التجريبي هو بحث عن أسباب الظواهر في هذا العالم، وبحث في علاقة الأثر بالمؤثر والتي هي عين مبدأ السببية، ونجد هذا المبدأ واضحا جليا في ميدان الطب، فعندما يعرض للإنسان ألم يسارع إلى الطبيب ليكشف له عن سببه، وهذا تطبيق لا واع لمبدأ السببية، ويسري كذلك على العلوم الإنسانية وغيرها، ولأن كل شيء في العالم حادث، كما يؤمن به المؤمن والملحد على حد سواء، فلكل تلك الأشياء أسباب.

مبدأ عدم التناقض:

وهو أن الشيء وضده لا يمكن أن يجتمعا في مكان واحد وفي زمان واحد، أي أن النقيضين لا يجتمعان أبدا، فلا يجتمع الحي والميت، لأن الميت هو ذهاب الحي والعكس صحيح، ولا يجتمع حزن وفرح، لأن الحزن عكس ونقيض الفرح، ولا يجتمع الليل والنهار كذلك، ومن عدم الفهم أو المغالطة تناسي شرطي الزمان والمكان ومحاولة التشغيب، فالليل والنهار قد يجتمعان في أمكنة مختلفة كدولتين متباعدتين تقعان على الطرفين من الكرة الأرضية، لكن لا يتصور عقلا ولا حسا، أبدا، اجتماع الليل والنهار في نفس المكان وفي نفس الوقت.

وقد يلاحظ الإنسان كمية التكلف في رد التشغيبات والاعتراضات على هذه المبادئ وذلك راجع لنفوذها وعمقها في النفس فكأنها تدفع هويتها عنها بعيدا.

مبدأ الهوية:

أو الماهية، وهي أن الشيء هو نفسه، فأنت يا من تحمل اسم فلان، هو أنت في حد ذاتك لا شيء آخر، ويعتبر هذا المبدأ من أعقد المبادئ وأعسرها إدراكا، وذلك لشدة بداهته، والملاحظ أن المفهوم كلما كان بديهيا كلما صعبت تجليته ومحاولة إبرازه ليصبح سهل الإدراك لعامة الناس. لكن ما يميز هذه المبادئ أن الإنسان لا يحتاج معرفتها ليطبقها أو يستعملها فهي منطبعة مبثوتة فيه كما هي الروح والحياة، لتكون دليلا فطريا على وجود الله تعالى ويكون العلم بذلك يقينيا يستطيعه جميع الناس على اختلاف عقولهم.

ولمزيد تجلية لمبدأ الهوية نسوق كلاما للإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في معرض حديثه عن هذه المبادئ التي أسماها حاسة سادسة، وسار في مبتدأ كتابه المسمى الفصل في الملل والأهواء والنحل، يعد هذه المبادئ ويسوق عليها أمثلة يسيرة الفهم قريبة المأخذ، فيقول في مبدأ الهوية ما يلي: “ويعرف (الطفل) أن للأشياء طبائع وماهية تقف عندها ولا تتجاوزها، فتراه إذا رأى شيئا لا يعرفه قال أي شيء هذا فإذا شرح له سكت”[1].

مبدأ الثالث المرفوع:

وهو مبدأ رديف لمبدأ عدم التناقض، فكما أن النقيضان لا يجتمعان حسب مبدأ عدم التناقض، فلا يمكنهما أن يرتفعا في نفس الوقت، فلا يمكن للإنسان أن يكون لا حيا و لا ميتا، أو لا جائعا ولا شبعانا، ولا يمكن ألا يكون هناك ليل ولا نهار. ولا يمكن أن يكون لا داخل ولا خارج المنزل. فلا بد، دائما، من حضور حالة أو طرف من طرفي النقيض، فإذا حضر الطرف الآخر ارتفع الأول وكان هذا مبدأ عدم التناقض.

فهذه كانت لمحة بسيطة عن هذه المبادئ العقلية الأولية، بأمثلة عنها تقرب جنسها للقارئ، فهي من نوع التعاريف التي تعرف بمكوناتها إذا أردنا الفهم الكامل لها، وينضاف إلى ما عرضناه أمثلة أخرى عنها كقول الجزء أصغر من الكل، و 1+1=2…

ولهذه المبادئ تسميات كثيرة، كل منها يدل على صفة من صفاتها، فهي: البديهيات، والعلوم الفطرية، والعلوم الضرورية، والمبادئ العقلية الأولية، والقضايا المعروفة بنفسها…[2].

والجديد في هذه المبادئ ليس عينها، فهي كما رأينا أمور بديهية نستعملها كل لحظة، لكن الجديد هو إدراكها وكشفها وتحريرها ليعيها الناس، فهناك من يسعه فهمها وهناك من لا تتسع حويصلته لذلك أو لا يستطيع فهمها فالناس في العقل مراتب. وسنرى في القسم الثالث من البحث التناقضات الصارخة التي يسقط فيها كل من يلجأ إلى دفع هذه المبادئ أو رفضها.

صفات المبادئ العقلية الأولية

وأهم صفتين من صفاتها: الكلية والضرورية[3]، وفي ما يلي تبيان هتين الخاصيتين:

  • صفة الضرورة:

فهذه المبادئ كما سبق وقلنا هي أصل العلوم والمعارف كلها، عليها تقوم، بمعنى أنها تعود إليها وهي منطلقها، فالعلوم إما ضرورية أو نظرية، ونقصد بالنظرية ما يكتسب عبر الطلب ونصل إليه عبر التفكير والبرهان، والضرورية عكس ذلك، فهي لا تحتاج برهانا ولا استدلالا، بل هي منطبعة موجودة في النفس منذ تعقلها، ولذلك سميت ضرورية، وإجمالا فهذه الخاصية تعني أمرين، الأول أنها علوم غير مكتسبة موجودة فينا ولا تحتاج برهانا، ثم إنها الأساس الذي انطلقنا منه لنبني سائر المعارف والعلوم المكتسبة، تلك المسماة النظرية.

يقول حجة الإسلام الغزالي رحمه الله[4]:”وهذه العلوم وكأنها مضمنة في تلك الغريزة بالفطرة ولكن تظهر في الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من خارج وكأنها كانت مستكنة فيها فظهرت”.

  • صفة الكلية:

فهي مبادئ عامة ومطلقة تعم كل الأشياء في العالم بدون استثناء، حتى العالم نفسه، فلا يمكن أن تجد أبدا أشياء تخالف هذه المبادئ، فلا تطبق على أجزاء أو أبعاض من العالم فقط، ولا على بعض المعارف أو العلوم بل تعمها جميعها، في كل الأمكنة والأزمنة والظروف.

أهميتها في الدلالة على وجود الله تعالى وكماله

إن من أهم ما تدل عليه قطعا هذه المبادئ وجود الخالق المحدث لهذا الكون، سبب هذا العالم وكل ما فيه، وتدل كذلك على صفاته ككماله تعالى وحكمته. وتدل المبادئ العقلية بمجرد وجودها في الإنسان دلالة فطرية على ضرورة الخالق سبحانه، ومن جهة ثانية، تدل بمقتضياتها دلالة عقلية.

  • الدلالة الفطرية:

تعتبر المبادئ العقلية أحد خمسة مستويات للفطرة في دلالتها على الله تعالى، وهذه المستويات هي: المبادئ العقلية الأولية، النزعة الأخلاقية، الجانب الغريزي، الشعور بالغائية والشعور بالإرادة الحرة[5]، فبالإضافة إلى أن الإيمان بالله تعالى قضية فطر عليها الإنسان، موجودة في نفسه، فقد يغطيها الران فلا يصل الإنسان بمقتضاها إلى الإيمان، وهنا نجد أن الفطرة تحتوي مكونات أو مستويات أخرى تدل على الله تعالى، منها المبادئ العقلية، وبالتحديد وجود هذه المبادئ، فخاصية الضرورة تدل دلالة جلية على أن واضع هذه المبادئ في الإنسان هو الله تعالى، وذلك لعدة أسباب، فهي أولا غير مكتسبة فكيف للإنسان أن يعرفها؟ وهنا يطرح سؤال المصدر، ثم هي مبادئ كلية مطلقة تسري على كل شيء، وجودها موضوعي لا يتعلق بوجود الإنسان أو عدمه، فـ 1+1=2 مبدأ صحيح مطلق ولو لم يوجد إنسان قط في هذا العالم، فوجودها غير تابع للإنسان بل هي مستقلة عنه، وهنا يطرح سؤال آخر: كيف يعرف الإنسان المطلق؟ ألا يدل ذلك على أن مصدرها مطلق؟

والأجوبة كالتالي: فالله عز وجل خالق هذا الكون وفاطره، لأن هذا المكون، المبادئ العقلية، موضوعي مستقل عن الإنسان مبثوث في نفسه وهذا يدل على أن هناك من وضعه، وهو حي مطلق قادر مريد حكيم وعليم، وما هذه إلا دلالة واضحة على وجود الله عز وجل وصفاته.

  • الدلالة العقلية:

معلوم أنه من لم تسعفه فطرته ولم تدله على الله تعالى أن عليه أن يلجأ إلى البرهان العقلي، فالعقل، هذه الآلة التي يمتلكها الإنسان تستطيع التفكير والبرهان والاستدلال والتوصل إلى النتائج، ولكن اعتمادا على معطيات أهمها المبادئ العقلية.

وأشهر وأول دليل عقلي على وجود الله تعالى ما يسمى دليل الخلق والإيجاد الذي يتكون من مقدمتين ونتيجة:

  • المقدمة الأول: كل حادث لا بد له من محدث
  • المقدمة الثانية: الكون حادث
  • النتيجة: الكون له خالق وهو الله تعالى

ونلحظ هنا بجلاء ووضوح مبدأ السببية، فهو المقدمة الأولى التي اعتمدنا عليها لاستنتاج أن الكون له خالق لأنه حادث، لأن له بداية، لأنه ظهر من العدم بعد أن لم يكن.

ثم إن السببية تدل على وجود الله تعالى ومجموعة من صفاته من خلال ما يسمى: دليل الإتقان والإحكام، وهو كما الدليل السابق، يتكون من مقدمتين ونتيجة:

  • المقدمة الأولى: الإتقان والإحكام يستدعيان وجود صانع متقن محكم.
  • المقدمة الثانية: الكون متقن محكم.
  • النتيجة: الكون له خالق حكيم عليم لا يجوز أن يكون غير الله تعالى.

وهنا أيضا نلحظ استعمال مبدأ السببية، فنحن نستدل بالأثر على المؤثر ونتجاوز ذلك بالدلالة أيضا على صفات المؤثر انطلاقا من صفات الأثر، وهذا أيضا شيء بديهي، فالناس في حياتهم اليومية، إذا رؤوا الصنعة الجميلة البهية، علموا يقينا بوجود صانع حاذق لها، فتجد إنسانا مثلا يتسابق إلى خياط ملابس بمجرد أنه شاهد جاره أو أحد أصدقائه يلبس ملبسا أنيقا جميلا فأثاره ذلك فإذا به يسأل عمن خاطه، ليسارع الخطى إلى هذا الماهر، فيطلب منه أن يخيط له ملبسا أنيقا أيضا.

فالملبس الجميل زيادة على أنه يدل على وجود صانع، بل ويدل على خبير بأنواع الألبسة خبير بالألوان والأثواب وأنواع الخيوط، متقن مجد في عمله…

هذا فيما يخص مبدأ السببية. ننتقل الآن لنرى تطبيق مبدأ عدم التناقض للدلالة على وجود الله تعالى:

إن مبدأ عدم التناقض هو الأس والأساس في عملية الاستدلال على وجود الله تعالى، ذلك أنه به وُجدت ثنائية الوجود والعدم، وإلا لصار الوجود والعدم لا معنى لهما، وكذا الحدوث وعدمه، لذلك فمبدأ عدم التناقض أساسي في عملية البرهان للانتقال بين النقيضين، ونسيق برهانا للدلالة على وجود الله تعالى يظهر بوضوح هذا المبدأ:

يقول الشيخ سعيد رمضان البوطي:”إن جميع الأمور والأشكال المفروضة في الذهن لا تعدو أن تتصف بأحد أوصاف ثلاثة: الوجوب، الاستحالة، الإمكان.

فما اتصف بالوجوب هو ما يحيل العقل عدمه، وما اتصف بالاستحالة هو ما يحيل العقل وجوده، وما اتصف بالإمكان هو ما لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه.

وهذا الكون الذي نراه في جملته، إنما هو نوع من الممكن…وهذا يعني أنه لابد لهذا الكون الذي كان في أصله قابلا لكل من الوجود والعدم بحد سواء، من قوة خارجة عنه مؤثرة فيه خصصته لجانب الوجود، وتلك القوة هي قوة الله عز وجل.”[6]

إذن فهناك أشياء ممكنة الوجود، فكأس الشاي والقلم والسيارة وغيرها ممكنة الوجود أي أنها جائزة عقلا، عكس مستحيل الوجود الذي يستحيل أن يوجد وهي المستحيلات العقلية، كقولنا دائرة مربعة، أو شخص حي وميت…

ولأنه يمكن وجود سيارة تحمل على أحد جوانبها اسمك الكامل مثلا، وهي ليست شيئا مستحيلا، فهي تحتاج لمن ينقلها من حالة العدم هذه إلى حالة الوجود. وهذا بالضبط ما انطوى عليه البرهان سالف الذكر، فالكون ممكن الوجود لكنه معدوم، ولينتقل إلى الوجود لا بد له من مرجح، لأنه يستوي في حقه العدم والوجود فضروري أن يوجد من يرجح وجوده من عدمه، وهو ما يسمى واجب الوجود، وهو الله تعالى.

اذن فثنائية الوجود والعدم قائمة على مبدأ عدم التناقض، والترجيح أيضا يقوم على هذا المبدأ، ثم على السببية.

ثم إن مبدأ الهوية، مبدأ أصيل في العملية الاستدلالية، فهو ما يجعل موضوع البحث محددا غير هلامي، فأنت حين تبحث عن فاعل الكون فهو محدد فيه نفسه لا في غيره. فلا يمكن للمرجح أن يكون غير هذا المرجح.

وهكذا نرى كيف تحضر المبادئ العقلية بقوة في العملية الاستدلالية على وجود الله تعالى وصفاته عز وجل.

شبهات حول المبادئ العقلية والرد عليها

نريد بإذن الله تعالى في هذا القسم الأخير، مناقشة الشبهات والاعتراضات التي يشكك بها الملحدون وغيرهم في مبدأ عقلي معين، وهو مبدأ عدم التناقض، ولقد اخترناه لأنه حاضر بقوة في البرهان والاستدلال العقلي على وجود الله تعالى وصفاته، فالسببية التي تخبرنا أن لكل حادث سبب، يسبقها مبدأ عدم التناقض الذي يظهر الفرق بين الحادث والقديم، فلولاه لاستوى الاثنان وما استطاع الانسان مناقشة القضية لا نفيا ولا إثباتا. ثم إنه ما يرسم حدود البرهان بل وسبب البرهان، فما البرهان إلا إظهار الصواب بنفي الخطأ، أو العكس، والظاهر أن الأمر لا يتم سوى إذا كان لثنائية الخطأ والصحيح معنى، الأمر الذي لا يكون في عدم وجود مبدأ عدم التناقض.

نبدأ بإيراد الاعتراضات واحدا واحدا، ثم نعقب ذلك بالرد على كل اعتراض بحدى تاليا.

  • الاعتراضات على مبدأ عدم التناقض قسمان: اعتراضات عامة يتشارك فيها مع غيره من المبادئ العقلية ثم اعتراضات خاصة به وحده.

الاعتراضات على مبدأ عدم التناقض:

الاعتراض الأول: وهو ما ينافح عنه الحسيون التجريبيون وخاصة العِلمويون، على خطى سابقيهم من المنتسبين إلى الوضعية المنطقية، والذين يقولون بأن الحقيقة لها منفذ واحد وهو الحس عبر ميدان التجربة وما لايدركه الحس فليس بمعرفة ولا حقيقة. وهم بذلك لا يولون العقل أية أهمية بل ينكرونه وينكرون المبادئ العقلية التي هي جزء أصيل من العقل، فهي من أقسام العقل عند حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، فيقول في معرض حديثه عن هذه الأقسام:”…الثاني: هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجوار الجائزات واستحالة المستحيلات، كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد.”[7]

لكن المتمذهبين الحسيين ينكرون العقل ومبادئه، ومنهم من يجعل التجربة أساس العقل، فليس هناك من مبادئ ثابثة، كما نظّر لذلك جون لوك الذي يعتبر أن الإنسان يولد صفحة بيضاء تملأها التجربة.

وبهذا النمط من التفكير يصبح الحديث عن أي استدلال عقلي باستعمال المبادئ العقلية لغوا فكريا لا غير.

الاعتراض الثاني: وهو القدح في خاصية الضرورة في المبادئ العقلية، وهي تعاليها عن الاستدلال والبرهان والنظر وكونها قاعدة تنبني عليها كل المعرفة البشرية النظرية، فيعترض الملاحدة ويرفضون التسليم بضرورتها، لأن ذلك يفتح الباب لسؤال المصدر وهنا يفضلون غلق الباب بإنكار هذه الخاصية، بل ويعتبرون كل العلوم والمعارف نظرية تحتاج برهانا واستدلالا، ويجعلون هذه المبادئ من العلوم النظرية التي تقبل النفي أو التغير والتبديل ليست مطلقة. ويطلبون من المؤمنين بهذه المبادئ البرهان والأدلة على قولهم وإلا فدعواهم مردودة عليهم.

الاعتراض الثالث: وهو القدح تاليا في خاصية الكلية، فإن كانت المعارف كلها نظرية، وكان الحس هو المنفذ الوحيد للمعرفة والحاكم عليها، وكان كل ما لا يقع تحت مجهر الحس ولا يدخل مختبر التجربة خارج حساب المعرفة البشرية، فإن هذه المبادئ، على فرض التسليم بها، جزئية لا كلية، لأنها من نتاج الحس، والموصل إليها هو الاستقراء لأجزاء الكون المشاهد. ويسمون ما اتفق عليه كل الناس “منطقا سليما”  كما يسميه الفيزيائي “ستيفن هوكنغ” أو ما يسميه رولان أومنيس”حسا مشتركا”.

الاعتراض الرابع: وهو الأكثر شهرة، وهو اعتراض خاص بمبدأ عدم التناقض، وهو ما يعتبرونه سقوط هذا المبدأ بسبب ما توصلت إليه فيزياء الكم من نتائج كسرت الفيزياء الكلاسيكية، وأنهت الحتمية المعروفة في العالم الكبروي (الماكروسكوبي)، وفيزياء الكم هي ذلك الفرع من الفيزياء الذي يحمل التعبير الملائم للجسيمات المكونة لأصناف المادة في الكون، وقد انطوى هذا الفرع من الفيزياء على نتائج غريبة وعجيبة، توهم البعض أنها تناقض مبادئ العقل، كوجود جسيم في نفس الوقت في مكانين مختلفين، وكعدم القدرة على تحديد سرعة جسيم في حالة تحديد موضعه والعكس أيضا فيما يعرف بمبدأ الريبة لهايزنبرغ، وخاصية التراكب لدى الجسيمات التي تجعلها في حالتين متناقضتين كالثبات والحركة في نفس الوقت، ومن أغرب الأمثلة على خاصية التراكب، تلك التجربة التخيلية التي قام بها الفيزيائي إروين شرودينغر أحد أعمدة الفيزياء في عصرنا هذا، وأحد آباء فيزياء الكم، والتجربة تقوم على وضع قطة في صندوق به مصدر إشعاعي وقارورة زجاجية تحمل سما وعداد غيغر، ومطرقة تقوم بكسر القارورة في حالة تم رصد جسيم منطلق من المصدر الإشعاعي على عداد غيغر، فينطلق السم فتموت القطة، لكن وريثما يفتح أحدهم الصندوق فالقطة في حالة متراكبة من الموت والحياة، فإذا فتح الصندوق ظهرت حالة واحدة للمشاهد، ويجذر بالذكر أن “المشاهد” له دور مهم في معادلات فيزياء الكم. وهنا نرى جليا انتقاض مبدأ عدم التناقض، فالقطة ميتة وحية في نفس الوقت حتى يُفتح الصندوق.

ومن أبرز التجارب التي يستشهد بها المعترضون ويتخذونها دليلا على سقوط مبدأ عدم التناقض، تلك التجربة الأولى من نوعها التي كانت بهدف تحديد طبيعة الضوء، فإذا بها تظهر تناقضات عجيبة حيث تبين أن الضوء جسيم وموجة في نفس الوقت، وهي تجربة يونغ أو تجربة الشق المزدوج المشهورة وهي تجربة يطلق فيها الضوء على لوحة فيها شقين، فيقع أن يجتاز الفوتون الشقين في نفس الوقت، ثم تعم هذه النتيجة الخاصة بالفوتونات كل الجسيمات الذرية وما تحت الذرية كالالكترونات وغيرها.

إذن فهذه التجربة الواقعية حاسمة في نقض مبدأ عدم التناقض بسبب وجود جسيم في موضعين مختلفين كما صرح بذلك مثلا أحد كبار الملحدين في عصرنا هذا والداعين إلى الإلحاد بقوة، المنافح عن العلموية وكاتب “كون من لا شيء”، ذلك الكتاب الذي يناقض أبسط بديهيات العقل انطلاقا من عنوانه، يناقض مبدأ عدم التناقض، فيساوي بين الوجود والعدم، أو هكذا يحب أن يوهم القارئ، إنه الفيزيائي لورنس كراوس، الذي حل ضيفا على إحدى مقابلات البودكاست “بودكاست 115” وهي منشورة على اليوتيوب، ليصرح أن مبدأ عدم التناقض ليس صحيحا، لأنه لا يمكنك القول أن الإلكترون يتواجد على الدائرة أو لا يتواجد عليها.

الردود على الاعتراضات:

لقد سقط المعترضون ومثيرو الشبهات حول المبادئ العقلية عامة ومبدأ عدم التناقض خاصة في أخطاء منهجية ومعرفية وعلمية كثيرة، بيانها في النقاط التالية:

  • فيما يخص الاعتراض الأول: فالحس لا يقوم وحده أبدا بالوصول إلى المعرفة، فهو مجرد منفذ وقناة لمعطى حسي عبر إحدى الحواس الخمسة لتنقلها السيالات العصبية إلى الدماغ فيقوم الإنسان بتعقلها فاستنباط المعلومات والمعرفة والنتائج منها، وبدون العقل فالمعطى الحسي لا يتجاوز أن يكون صورة دون معنى، تحتاج لترجمان هو العقل، وعماد العقل هذه المبادئ العقلية التي بدونها لا يستطيع الإنسان الوصول إلى معرفة. فأنت لما تدخل غرفة منزلك فترى الزجاج مكسورا لم تقوم بردة فعل؟ فالنافذة المكسورة أو غير المكسورة مجرد صورة تراها العين، ولا فرق بينهما لو كان مبدأ عدم التناقض ملغيا، لكن العمدة على العقل الذي يستنتج بالمقارنة والربط والرجوع إلى الذاكرة ومجموعة من العمليات الكثيرة والسريعة التي تمر في أجزاء من الثانية ليصل إلى حقيقة أن هذه الصورة تعني أن هناك حادثا، لأن مبدأ عدم التناقض يفضي في أول ما يفضيه إلى انفصال حالة الانكسار وعدم الانكسار وأنهما متناقضتين، ويمضي العقل في استنتاجاته ليقر بوجود سبب وراء الحادث ثم التفكير في الأسباب والفاعلين وغير ذلك من سلسلة الترابطات العقلية من مجرد معطى حسي بسيط.

ثم إن العلمويين يقعون في خطأ منهجي آخر عندما يعرضون عن المبادئ العقلية بحجة أنها لا تخضع للبرهنة بواسطة التجارب، ويغضون عمدا أو سهوا الطرف عما اشتمل عليه منهجم من مكونات غير تجريبية كثيرة جدا، فالفروض والخيال والإيمان بحتمية القوانين والإيمان بوجود نظام لهذا الكون وأن لكل أثر مؤثرا (والتي هي عين السببية) وغيرها من المكونات هي من جنس ما لا يمكن البرهنة عليه، ولعل أهم تناقضاتهم وأبرزها قولهم “المنهج العلمي التجريبي هو طريق المعرفة الوحيد”، فنسألهم هل تؤمنون بصحة هذه المقولة؟ فإن قالوا نعم، سألناهم: وكيف يمكن البرهنة على هذه “الحقيقة” انطلاقا من التجربة؟

ثم إن الكثير من النظريات ليست قائمة على التجربة والمشاهدة بل فقط على دلالة الأثر على المؤثر، كوجود الإلكترون ونظرية التطور وغيرها، ولو كان الحادث والقديم يستويان ما كان العالم محتاجا لأسباب أصلا.

وبالحديث عن نظرية التطور، فإنها من أهم ما يتكئ عليه المعترضون ليعضدوا من أدلتهم ضد المبادئ العقلية، فيصرحون أن عقولنا ما هي إلا نتاج عملية نشوء وارتقاء طويلة جدا، هدفها استبقاء النوع لا إيصاله إلى الحقيقة، وبهذا فإن العقل ومعارفه ليست حقيقة بل هي وهم يعرضه العقل لاستبقاء الجنس البشري.

وهنا ينقلب السحر على الساحر، فكيف تتثق في نظرية التطور التي هي استنتاج العقل بعد استقراء ومسح لأجناس الحيوانات وبقاياها من العصور المتقدمة جدا؟ كيف يمكن الثقة في هذه النظرية التي هي نتاج عقل يريد فقط أن يحافظ على الإنسان، ألا يمكن أن تكون وهما أيضا؟ وبهذا فاعتراضهم سلاح ضدهم ينفي كل معارفهم من أصلها، فلا عبرة باعتراضهم هذا.

وهذه الفكرة ليست مما يخفى على التطوريين، بل كانت حاضرة في مناقشاتهم من لدن تشارلز دارون، فقد أرقته فكرة صدقية المعارف التي ينتجها العقل البشري، فقد كتب في رسالة لصديقه ويليام غراهام في الثالث من يوليو سنة 1881 الآتي:

“عندي شكّ دائم في أن تكون لقناعات عقل الإنسان – التي تطوّرت من حيوانات أدنى – أيّ قيمة أو أن تستحقّ التصديق أصلًا. هل بإمكان أيّ منا أن يصدّق قناعات عقل قرد، إن كانت هناك أصلًا قناعات في ذلك العقل؟!”

والسؤال: أليس هذا الطرح كافيا لهدم المعرفة الإنسانية كلها لدى المعتقد بالتطور؟

  • الرد على الاعتراض الثاني: فلا يمكن اعتبار كل العلوم نظرية للسبب الآتي: وهو أنه لو قدر أن كل العلوم مكتسبة ما اكتسب الإنسان علما. وفي بيان هذه الحقيقة يقول الرازي رحمه الله:”ليس يجب أن يكون كل تصور مكتسبا وإلا لزم الدور أو التسلسل إما في موضوعات متناهية أو غير متناهية وهو يمنع حصول التصور أصلا بل لا بد من تصور غير مكتسب وأحق الأمور بذلك ما يجده العاقل من نفسه ويدرك التفرقة بينه وبين غيره بالضرورة”[8].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:”إن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضا نظرية لتوقفت على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله، للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدؤها الله في قلبه وغاية البرهان أن ينتهي إليها”[9].

وخذ مثالا على ذلك لتقريب فهمك للمسألة: هب أن رجلا محكوما بالإعدام ينتظر تنفيذ الحكم من طرف جندي، لكن الجندي ينتظر الأمر ممن يعلوه وهكذا، فلن يتم الإعدام أبدا، لأن التسلسل لا نهائي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال، إذاك، أن يصل الأمر إلى الجندي، وبالتالي لن ينفذ الحكم. أما في الحالة المعاكسة، أي أنه إذا نفذ الحكم، تبين وظهر بالملموس وبما لا يدع مجالا للشك أن السلسلة تنتهي عند شخص غير مأمور لا ينتظر أمر أحد.

وقد يعترض معترض بعد برهان التسلسل الممتنع فيسلم بوجود العلوم الضرورية، لكن محل اعتراضه هو اعتبار المبادئ المشهورة والتي ذكرناها في القسم الأول عين العلوم الضرورية، ويتعلل بأن برهان التسلسل الممتنع يبين وجودها لا طبيعتها ومكوناتها.

والجواب بإذن الله على هذا الاعتراض سهل يسير بحول الله وقوته، فالبرهان على أن القوانين المذكورة سالفا كالسببية وعدم التناقض هي من العلوم الضرورية يكفي فيه أن نبين أنها تحمل خاصيات وصفات هذه العلوم الضرورية، وهي عدم القدرة على البرهان عليها وكونها أساسا للمعرفة النظرية، وهذا يتحقق بدون أدنى شك في تلك القوانين، فهي مما لا يمكن البرهنة عليه لأن في ذلك استعمالا لها وسقوطا في الدور، وهذا لا يستقيم، ثم إن كل المعارف البشرية من أبسطها إلى أعقدها تدور حولها وتنبني عليها، فهي إذن تكون حاملة لصفات العلوم الضرورية فهي إذن منها، ولم يقل أحد أنها وحدها العلوم الضرورية.

يقول جون كلوفرمونسيما:”يسلم العلماء بصحة بعض الفروض المقبولة، والتي ليس هناك سبيل إلى إدراكها إدراكا،  فليس هناك من يستطيع أن يدعي أنه رأى البروتون أو الإلكترون، ولكن الناس يلمسون آثارهما، وكذلك الحال فيما يتصل بترکیب الذرة وخواصها، وكذلك الحال فيما يتعلق بتركيب الأجرام السماوية البعيدة ، وما يفصلها من مسافات شاسعة، مما لا نستطيع أن نخضعه لتجاربنا، أو نقيم الأدلة المباشرة على صحة نظرياتنا وفروضنا حوله .

فمن الواضح إذن أن كثيرا من المعلومات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته ويسلم بصحتها، لا بد أن يتقبلها ويؤمن بها إيمانا يقوم على التسليم بصحتها، وليس معنى ذلك أنه إيمان أعمى، فهو إيمان يسمح بأن يوضع على محك الاختبار في شتى مواضعه، فيزداد بذلك قوة وتدعيما، ويستطيع الإنسان أن يمارس مثل هذا الإيمان فيما يتصل بفكرة وجود الله”[10]

  • أما فيما يخص الاعتراض على خاصية الكلية في هذه المبادئ، والاقتصار على الاستقراء، مجموعة أخطاء فادحة، فالكون يشهد بما لا يدع مجالا للشك أن هذه المبادئ مطلقة تصدق على كل حيثياته، بل وحقيقة أنها مطلقة نافذة أصلا في النفس البشرية وبديهية عقلية، وإلا توقف الإنسان عند كل حركة من حركاته أو سكنة من سكناته ليعاود النظر في صلاحية المبادئ العقلية الأولية وهذا ما لا يقول به عاقل، ثم إن خاصية الضرورة تقتضي خاصية الكلية ضرورة، فالضروري مطلق المصدر لا نصل إليه من استقراء لأجزاء الكون، فبذلك يتأكد أنها مطلقة في مصدرها مطلقة هي عينها. يقول الرازي رحمه الله:”وأما الكليات فالحس لا يعطيها ألبتة فإن الحدس لا يشاهد إلا هذا الكل وهذا الجزء، فأما وصف الأعظمية فهو غير مدرك بالحس.”[11]

وإن بعض الحسيين قد تفطن لكلية هذه المبادئ فبدت له كمية الرعونة والغباء في القول بالاستقراء أداة لتحصيل هذه المبادئ فاختار وهرع إلى التعامل البراغماتي معها كما اختار الفيلسوف والرياضياتي الإنجليزي برتراند راسل، وهي أننا نأخذ بها لأنها تفيدنا فقط، وصدقيتها صلاحيتها!

  • أما الاعتراض الرابع والأخير وعمدة الاعتراضات فيما يخص مبدأ عدم التناقض فالرد عليه من وجوه:
  1. أن علم فيزياء الكم لا يعدو أن يكون علما نظريا، ومن الخطأ المنهجي رد الضروري بالنظري، يقول الرازي:”القدح في الضروريات بالنظريات يقتضي القدح في الأصل بالفرع، وذلك يوجب تطرق الطعن إلى الأصل والفرع معا، وهو باطل”.[12]

إذن لو صح إسقاط الضروري لسقط معه مباشرة النظري لأنه ينبني عليه.

  1. يقول رولان أومنيس:”وإذ لا يزال عقل الفيزيائي يحاول استنقاذ ما يمكن استنقاذه من التمثيل الحدسي للمفاهيم، فإن حقبة جديدة قد أشرقت، حقبة سوف تعلو فيها الصورة الرياضية للأفكار والقوانين الفيزيائية، على سائر صور الفهم الأخرى.”[13]

إن فيزياء الكم علم صوري تجريدي، اتخذ الرياضيات أساس البناء والتعبير، والمتخصص في الرياضيات يعلم علما لا يحده شك، أن المنطق في الرياضيات الذي ينبني عليه العلم كاملا، يعتبر مبدأ عدم التناقض قانونا جوهريا في بناءه، فبه نعرف “نفي عبارة”، وهي العبارة التي تكون خاطئة إذا كانت العبارة الأصلية صحيحة والعكس صحيح، وبالمبدأ نفسه يتم البرهنة على خطأ العبارات التعميمية بإعطاء مثال مضاد يناقض التعميم وبذلك يسقط التعميم، ثم هناك استعمال المبدأ في نظرية المجموعات واستعماله في وضع عملية “المتممة”، وبيان هذه العملية، أنك إذا أخذت مجموعة كبيرة ثم جزءا منها، فمتممة الجزء في الكل هي كل ما سوى الجزء حتى يتم الكل، أي المجموعة الكبيرة، وإن العنصر المشترك بين الجزء ومتممته يقع في المجموعة الفارغة، أي أنه عنصر من قبيل المستحيل، كقولنا دائرة مربعة ورجل حي وميت، فهذه تناقضات ومستحيلات عقلية لا تسمح بوجود هذه الأشياء أصلا. ومن هذا العرض الوجيز يتبين مقدار أهمية المبدأ في علم الرياضيات، ولو انتفى هذا المبدأ، لانتفت الرياضيات ولسقطت معها فيزياء الكم.

  1. أن الأمر ليس كما يقدمه المتصدرون من الفيزيائيين لنشر ثقافة العلم كما يسمونها، الذين هم أغلبهم ملاحدة، والذين يصورون الأمر ببساطة شديدة تصل إلى حد قلب الحقائق في العديد من المرات، ليقربوا الأفهام من العلوم المتقدمة فيما يسمى مشاريع تبسيط العلوم، وثقافة البوب ساينس، حيث تكتب الكتب والروايات وتسجل الأشرطة السمعية والبصرية والوثائقيات وحتى الأفلام، لإيصال العلم المتقدم كالنسبية وفيزياء الكم، أو نظريات حديثة أخرى، ومن أمثال هؤلاء، الفيزيائي ميشيو كاكو، صاحب كتاب “فيزياء المستحيل” الذي تضمن العديد من الأمور التسطيحية، ثم أشرطة أخرى كثيرة له، وهناك الفيزيائي “لورنس كراوس” والذي يعتبر “كتابه كون من لا شيء” إحدى مساهماته في تبسيط العلوم ونشر الثقافة العلمية، والذي لا يغيب عن قارئه كمية المغالطات المتضمنة فيه بدء من كلمة العدم أو اللاشيء في عنوانه، وهناك البيولوجي “ريتشارد دوكنز” الذي يعتبر أشهر ملحد في العالم وغيرهم. فهؤلاء يستغلون بُعد الناس عن الإطار النظري ليصرفوا رؤاهم أو تأويلاتهم أو ما يريدون إيصاله من مغالطات إلى الجمهور الواسع، جمهور غير المتخصصين.

ونحن لن نكون غير موضوعيين فنشخصن أو نهاجم، بل نقول بإذن الله تعالى، أن العلماء والفلاسفة اتفقوا على أن فيزياء الكم علم غامض فاجأ مكتشفيه وواضعي نظرياته أصلا، وباتوا يتحدثون عن “فلسفة الكوانتم” وتأويل النظرية، ولذلك يقول رولان أومنيس بعد أن ذكر عجائب عالم الكم:”إن الهدف من التأويل هو التوفيق بين هذه المتقابلات، وتوضيح أنها متساوقة إن أمكن هذا، وتأسيس أنماط من التفكير قادرة على الجمع بينها دون تشويه لها”[14]

وإن التأويلات كثيرة نقتصر على اثنين منها لنرى كيف انقسم العلماء ولم يتفقوا في إيجاد تأويل صحيح يتفقون عليه كافة، وسنكتشف أيضا أنه توجد تأويلات تضم مبدأ عدم التناقض وغيره من المبادئ، وهي فهوم لا تناقض العقل ومبادئه، مع ما في هذه التسمية من إنكار لخاصيتي الضرورة والكلية، وإن نعت المبادئ العقلية بالحس المشترك أو المنطق السليم، لمن الأخطاء الفادحة التي توقع فيما بعد في هذه التناقضات، فلو تم التسليم بضروريتها وكليتها، ما وقعت المشكلة بعد ظهور التناقض، ولكان هذا التناقض متوهما، ولحاولنا تقريب فهمنا للتجارب إلى هذه المبادئ لأنها الأصل، وعليها تقوم هذه التجارب لا العكس. وفيما يلي التفسيرات المتعددة لما يقع للجسيمات من سلوكيات متناقضة في ميكانيكا الكم:

تفسير كوبنهاغن: وهو من اقتراح الفيزيائي نيلز بور سنة 1920، والذي يقول فيه أن الجسيم الكمي لا يكون في حالة أو أخرى، بل هو في مزيج من كل حالاته الممكنة، فيما يسمى ظاهرة التراكب، ولا يختار الجسيم حالة وحيدة إلا عند تدخل المشاهد. ويقترح هذا التفسير للعشوائية عند القياس تعليلا مؤداه أن كثرة الملاحظين هي سبب تخبط الجسيم في الحالات المتناقضة. ويعتبر هذا التفسبر الأكثر شهرة بين العلماء، مع أنه يناقض مبادئ العقل.

تفسير بوم: تعميم من طرف دايفيد بوم سنة 1952 لاقتراح سابق من طرف دوبروجلي سنة 1927. ويقترح هذا التفسير أن الدالة الموجية لجسيم، وهي من اكتشاف الفيزيائي شرودينغر، هي أيضا حاملة لهذا الجسيم الكلي وتقوم بتحريكه وتوجيهه عبر دالة موجية أخرى إلى جانب الدالة الموجية الأصلية. والقياس العشوائي ينتج بسبب أننا لا نعلم موضع انطلاق الجسيم الكلي على وجه التحديد.

يقول الدكتور سامي عامري:”والخلاف بين تفسير كوبنهاغن وتفسير بوم-أهم منافس لتفسير كوبنهاغن- ليس في تحقيق المعرفة بعالم الكم، وإنما-كما يقول الفيزيائي المشهور جون بولكنغهورن-وهو على مذهب الكوبنهاغيين-في كتابه:”نظرية الكم: مقدمة مختصرة جدا”-:حول أمور خارجية متعلقة بالموقف الشخصي للعالم من شكل النظرية (كعدد افتراضاتها، وقدرتها على استيعاب عدد أكبر من الظواهر).

بل إن هناك تفسيرات للظاهرة الكمومية من المستحيل نقض أي منها على أساس كمومي بحت، وبإمكان كل منها أن تفسر النتائج التجريبية الملاحظة”[15].

ثم إننا نجد بحوثا علمية في مجلات علمية محكمة، تتحدث عن المنطق الكمي، وهي محاولات وضع علم منطق جديد يجمع بين أسس المنطق الذي يعتمد على المبادئ العقلية وما يحدث في عالم الجيسمات وما تفضي له التجارب، وقد اتجه علماء الرياضيات إلى هذا المجال و نجحوا فيه، وأهم ما نلاحظه على أعمالهم تضمينهم مبدأ عدم التناقض، ككتاب Philosophic Foundations of Quantum Mechanics لـ Hans Reichenbach أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا، ومقالات علمية كـ Quantum Mechanics is not Physical Reality But Mental Potentiality Because the Law of  Non-Contradiction لـ Franz Klaus Jansen المنشور على مجلة NeuroQuantology والموجود للتحميل في حسابه على موقع Researchgateـ ونجد أيضا مبدأ عدم التناقض حاضرا بقوة في نظريات المنطق الكمي كما في المقال العلمي المنشور على موقع arXiv لكاتبيه Maria Luisa Dalla Chiara و Roberto Giuntini والمعنون بــ Quantum Logics.

وذكرنا لهذه المراجع هو بغرض تبيان أن العلماء والمهتمين بهذا المجال من فيزيائيين ورياضيين وفلاسفة غير متفقين على تفسيرات ما يقع في ميكانيكا الكم، وأن التفسير ما يزال مفتوحا أمام النظريات، خاصة الفلسفية.

ونختم الرد بآخر ما توصل إليه العلم في شرح ظاهرة التراكب، وهو ما يشرحه الدكتور محمد صبحي أنور، الحاصل على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة أكسفورد، فيقول أنه يمكن في ظل نظرية المجال الكمي Quantum field theory أن نعتبر هذه الجسيمات، وخذ مثالا الإلكترون، عبارة عن مجال، فهو ليس موجة ولا جسيما، لكن في نقطة من الزمكان يتحدد في ما نسميه نحن جسيما، إذن فهو يتصرف كموجة عند انعدام المراقب، لكن حين المراقبة، بعداد غيغر مثلا، يحصل أن العداد يقيس المجال في نقطة محددة من الزمان والمكان الشيء الذي ينتج عنه تجسد الجسيم.[16]

  1. أن القول بانتفاء هذا المبدأ هو عين التأكيد على صحته، فالذي ينفي وجوده يؤكد على أنه لا يمكن لهذا المبدأ أن يكون صحيحا وخاطئا في نفس الوقت، أضف إلى ذلك أن مبدأ عدم التناقض لا يمكن نفيه لما في ذلك من اللوازم والمقتضيات الفاسدة، كتساوي الأضداد كالليل والنهار والحياة والموت والذهاب والإياب والوجود والعدم، ولا نبالغ إن قلنا أن الحياة غير ممكنة بدون وجود هذا المبدأ وأن الإنسان سيصبح غير متفاعل مع الحياة بل سيتوقف لأنه لن يعود له فهم لما يجري حوله.

خاتمة

إن الله عز وجل يسر لعباده معرفته فطريا وعقليا، للعالم وللرجل العادي، فلا اختلاف بينهما في الوصول إلى المبادئ العقلية فكلاهما يستعملانها في حياتهما، والباطل يظهر تهافته والحمد لله في كل المناهج: علميا وعقليا وفلسفيا، وكمية التناقضات الصارخة في كلام من ينفي وجود الله تعالى كافية ليؤمن كل ذي عقل لم يمنعه الكبر عن عبادة خالقه عز وجل، وإن ما يحز في النفس أن تجد مسلمين شبابا يناقش في يقينية المبادئ العقلية الأولية، وهذا يبين مدى سطحية تفكيرهم ومدى تأثرهم بالغرب رغم أن الشك في هذه المبادئ يوصل لا قدر الله إلى شك في وجود الله تعالى عما يقول السفهاء من الملحدين علوا كبيرا، ونسأل الله تعلى هداية القلب والفكر معا لنا ولجميع شباب هذه الأمة، والحمد لله أن ساق لها دعاة حرصوا على إيصال هذا الخير لها.


المراجع

مراجع عربية:

  • فخر الدين الرازي، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، مكتبة الكليات الأزهرية.
  • تقي الدين بن تيمية، درء تعارض النقل المجلد 3، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
  • ابن حزم الظاهري، كتاب الفصل في الملل والإهواء والنحل، المطبعة الأدبية.
  • سلطان العميري، الحد الأرسطي أصوله ولوازمه وآثاره على العقيدة الإسلامية، رسالة ماجستير في العقيدة، مكتبة نور، 2008.
  • سامي عامري، فمن خلق الله؟، مركز تكوين، 2017.
  • سامي عامري، براهين وجود الله، 2018.
  • عبد الله بن صالح العجيري، ميليشيا الإلحاد، مركز تكوين، 2014.
  • عبد الله بن صالح العجيري، شموع النهار، مركز تكوين، 2016.
  • أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين المجلد 1.
  • رولان أومنيس، فلسفة الكوانتم، سلسلة عالم المعرفة، 350، أبريل 2008.

مراجع أجنبية:

Dr. Muhammad Sabieh Anwar, Employing real experiments and modern viewpoints in the teaching of modern physics, arXiv, 2013.

[1]  الفصل في الملل والأهواء والنحل ص 6.

[2]  الحد الأرسطي أصوله ولوازمه وآثاره على العقيدة الإسلامية ص 282

[3]  الحد الأرسطي أصوله ولوازمه وآثاره على العقيدة الإسلامية ص 283

[4]  إحياء علوم الدين المجلد 1 ص 111.

[5]  شموع النهار ص 39.

[6]  كبرى اليقينيات الكونية  ص 80

[7]  إحياء علوم الدين مجلد 1 ص 102.

[8]  المحصول في علم الأصول ص7

[9]  درء تعارض العقل والنقل المجلد 3 ص 309

[10]   الله يتجلى في عصر العلم ص 136

[11]  المحصل ص 28.

[12]  أساس التقديس ص 17

[13]  فلسفة الكوانتم ص 171.

[14]  فلسفة الكوانتم ص 199

[15]  فمن خلق الله؟ ص 49 و50.

[16]  Employing real experiments and modern viewpoints in the teaching of modern physics p 2,3.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.