منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأويل وضوابطه في الخطاب الأصولي (2) ضوابط التأويل

لطيفة يوسفي

0

إن المؤول في سياق اجتهاده لتحديد المراد بالألفاظ المحتملة للتأويل في النص الشرعي، مقيد بسلسلة من الضوابط المنهجية المشتقة من ” وحدة منطق التشريع ” في مقرراته الكبرى، ومقاصده الأساسية، وقواعده العامة، وأحكامه المفسرة والمحكمة التي ترسي قواعد النظام العام في التشريع الإسلامي”،[1] كي يصح مسلكه في هذا الاجتهاد ويسلم من الاعوجاج والزيغ بكل صنوفه، ويكون اجتهادا جامعا بين منطق الشرع ومنطق اللغة ومنطق العقل.

وفيما يلي عرض لهذه الضوابط:

  1. أن الاصل في اللفظ حمله على الظاهر أن يكون موافقا لوضع اللغة أو عرف الاستعمال
  2. أن يقوم التأويل على دليل صحيح يدل على صرف اللفظ عن الظاهر إلى غيره، وأن يكون هذا الدليل راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله
  3. أن يحتمل اللفظ المعنى المؤول إليه
  4. أن لا يتعارض التأويل في نتيجته مع نصوص قطعية الدلالة في التشريع
  5. أن يوجد موجب للتأويل
  6. أن يكون المؤول مؤهلا لتأويل النص الشرعي [2]

1 – أن الأصل في اللفظ حمله على الظاهر ويكون موافقا لوضع اللغة أو عرف الاستعمال

وهذا الضابط معناه الالتزام بظواهر النصوص وأن كل تأويل بني على غير مقتضى اللسان العربي أو عرف الاستعمال هو تأويل فاسد غير صحيح، وهذا ما أكده ابن حزم الظاهري أثناء تعريفه للتأويل ” والتأويل نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر فإن كان نقله قد صح ببرهان وكان ناقله واجب الطاعة فهو حق وإن كان نقله بخلاف ذلك اطرح ولم يلتفت إليه وحكم لذلك النقل بأنه باطل.”[3]

المزيد من المشاركات
1 من 19

وقد قدم إمام الحرمين الجويني قولا بالغا حين قال أن ” الظاهر حيث لا يطلب العلم معمول به والمكلف محمول على الجريان على ظاهره في عمله فالمعتمد فيه والأصل والتمسك بإجماع علماء السلف والصحابة ومن بعدهم فإنا نعلم على قطع أنهم كانوا يتعلقون في تفاصيل الشرائع بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون استدلالاتهم على النصوص ومن استراب في تعلقهم بالقياس لم يسترب في استدلالهم بالظواهر ولم يؤثر منع التعلق بالظواهر عمن بخلافه ووفاقه مبالاة وإن ظهر خلاف فاستدلالنا قاطع بالمسلك الذي ذكرناه ومستنده الإجماع وسبيل نقل الإجماع التواتر.”[4]

فألفاظ الشارع ونصوص أحكامه ” قوالب لمدلولاتها الظاهرة “ وهذا ما نص عليه الإمام الشافعي حين قال ” فكل كلام كان عاما ظاهرا في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله – بأبي هو وأمي – يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض، كما وصفت من هذا وما كان في مثل معناه.”[5]

وبيانه أن التمسك بـ ” الظاهر يقتضي ظهوره في مقصود المتكلم من جهة وضع اللسان ومن جهة العرف والتأويل الذي يصغى إليه ثم يطالب بالدليل عليه وهو الذي ينساغ من ذي الجد من غير أن يتولج في فن الهزء والهزل واللغز وما يقع كذلك فهو مردود،”[6] فلا ” يستقيم للمتكلم في كتاب الله أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب،”[7]إذ ” كل معنى مستنبط من القران غير جار على اللسان العربي، فليس من علوم القرآن في شيء لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه باطل.”[8]

واللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف الاستعمال اللغوي قسمان بينهما الآمدي من جهته فقال:

الأول: ” أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة ببعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الأربع عرفا وإن كان في أصل اللغة لكل ما دب، وذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته أو كثرة استعماله أو غير ذلك.

الثاني: أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى ثم يشتهر في عرف استعمالهم بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه غيره، كاسم الغائط فإنه وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض غير أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الإنسان، حتى إنه لا يفهم من ذلك اللفظ عند إطلاقه غيره، ويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط من الخارج المستقذر من الإنسان لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف من ذكر الاسم الخاص به لنفرة الطباع عنه، فكنوا عنه بلازمه أو لمعنى آخر.”[9]

يقول الشوكاني ” أن يكون التأويل موافقا لوضع اللغة، أو عرف الاستعمال، أوعادة صاحب الشرع، وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح.”[10]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

فـ” الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه والعمل به، بدليل إجماع الصحابةعلى العمل بظواهر الألفاظ وهو ضروري في الشرع.”[11]

2 – أن يقوم التأويل على دليل صحيح يدل على صرف اللفظ عن الظاهر إلى غيره، وأن يكون هذا الدليل راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله

معنى هذا الضابط أن يكون دليل التأويل راجحا في صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى محتمل وأما إذا حدث استواء بين المؤول وما عضد التأويل به فعندئذ يحصل التعارض بين الظاهر والمعنى المحتمل مما يوجب البحث عن مرجح، قال الآمدي” وأن يكون الدليل الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله ليتحقق صرفه عنه إلى غيره، وإلا فبتقدير أن يكون مرجوحا لا يكون صارفا ولا معمولا به اتفاقا، وإن كان مساويا لظهور اللفظ في الدلالة من غير ترجيح، فغايته إيجاب التردد بين الاحتمالين على السوية، ولا يكون ذلك تأويلا غير أنه يكتفى بذلك من المعترض إذا كان قصده إيقاف دلالة المستدل، ولا يكتفى به من المستدل دون ظهوره.”[12]

فالظاهر يوجب العمل به و”صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لا بد فيه من دليل.”[13]

وما قرره الإمام الآمدي بخصوص هذا الضابط سبق وأن فصله الإمام الجويني بقوله” والضابط المنتحل أن المؤول يعتبر بما يعضد التأويل به فإن كان ظهور المؤول زائدا على ظهور ما عضد التأويل به فالتأويل مردود وإن كان ما عضد التأويل به أظهر فالتأويل صائغ معمول به وإن استويا وقع ذلك في رتبة التعارض.”[14] وقد اشترط ” استواء رتبة المؤول وما عضد التأويل به فإن كان مرتبة المؤول مقدمة فالتأويل مردود وكل ذلك إذا كان التأويل في نفسه محتملا فإن لم يكن محتملا فهو في نفسه باطل والباطل لا يتصور أن يعضد بشيء.”[15]

فلا يقتصر الإمام الجويني على الدليل فقط بل المطلوب لديه الدليل الذي يصلح سندا للتأويل، مما يجعله يقوى على الصرف عن الظاهر إلى غيره.

ففي هذا الضابط أكد العلماء في سبيل تحقيق مفهوم التأويل الصحيح على ضرورة الاستدلال وايراد الدليل المناسب لحجية الاستنباط، معتبرين أن التأويل آلية استدلالية، الغاية منها الكشف عن مقصود الشارع ومراده ووضع الخطاب الشرعي في سياقه التداولي.

3- أن يحتمل اللفظ المعنى المؤول إليه

ومعنى هذا الضابط أن يكون المعنى الذي أول إليه اللفظ من المعاني التي يحتملها اللفظ،فقد ” جرت عادة الشرع على تخصيص العام في كثير من نصوصه، حتى قال علماء الأصول ” ما من عام الا وخصص ” مما يدل على ان عادة الشارع قد جرت على تخصيص معظم العمومات، حتى كان التخصيص سنة في التشريع، وكفى بذلك دليلا على صحة هذا النوع من التأويل.”[16]

وبيان ذلك أن ” العام إذا صرف عن العموم وأريد به بعض أفراده بدليل، فهو تأويل صحيح: لأن العام يحتمل الخصوص، وحين يراد به بعض أفراده فقد أول إلى معنى يحتمله، والمطلق إذا صرف عن الشيوع وحمل على المقيد بدليل فهو تأويل صحيح، لأن المطلق يحتمل التقييد، وحين حمل على المقيد فقد أول إلى معنى يحتمله، كذلك الحقيقة إذا صرفت إلى المجاز بقرينة مقبولة فهو تأويل صحيح لأنه صرف اللفظ إلى معنى يحتمله بدليل.”[17]

يتبين أن اللفظ لابد أن يكون محتملا للمعنى الذي آل إليه أو صرف عنه، لأن صرف اللفظ إلى ما لا يحتمله خروج عن سنن الشرع في لغته أو عادته أو عرف استعماله.

4 – أن لا يتعارض التأويل في نتيجته مع نصوص قطعية الدلالة في التشريع

وهذا الضابط يقصد به أن التأويل لا ينبغي أن يتعارض مع ما ورد قطعي الدلالة وهذا ما نص عليه الامام الشاطبي حين قال: “ويشترط في ذلك أن لا يعارضه أصل قطعي. فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك، أو عارضه قطعي كظهور تشبيه فليس بدليل، لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه، ودالا على غيره، وإلا احتيج إلى دليل عليه، فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى أن لا يكون دليلا.”[18]

يتبين من هذا الضابط أن القطعي الدلالة لا يجوز أن يؤول وذلك لأن إرادة الشارع في القطعيات واضحة، والتأويل لابد أن يحكم بتلك القطعيات من النصوص والقواعد، لا أن تكون خاضعة له او معارضة مع ما تم استنباطه، فالتأويل طريقه الاجتهاد الظني، والظني لا يقوى على معارضة الدليل القطعي.

5 – أن يوجد موجب للتأويل

ولازم هذا الضابط أن التأويل لكي يكون صحيحا لابد من ثبوت موجب صحيح معتبر له، وذلك بأن ” يكون ظاهر النص مخالفا لقاعدة مقررة معلومة من الدين بالضرورة، أو مخالفا لنص اقوى منه سندا كان يخالف الحديث لرأيا، ويكون الحديث قابلا للتأويل فيؤول بدل أن يرد أو يكون النص مخالفا لما هو اقوى منه دلالة، كان يكون اللفظ ظاهرا في الموضوع، والذي يخالفه نص الموضوع، أو يكون اللفظ نصا في الموضوع، والذي يخالفه مفسر، ففي كل هذه الصور يؤول.”[19]

فموجب التأويل إذن في نصوص الأحكام الشرعية هو التوفيق بين مدلولات النصوص ذات التعارض الظاهري سعيا لإعمال النصوص كلها، وقد يكون التأويل للتوفيق بين ظاهر نص والقواعد العامة والأسس القطعية للشريعة، وأحيانا يكون موجب التأويل هو إزالة ما قد يبدو من تعارض بين ظاهر نص وبرهان عقلي ليتوافق في ذلك العقل مع النقل. وفي ذلك يقول أبو زهرة ” ويكون تأويلا فاسدا، إذا لم يكن ثمة موجب له، أو كان له موجب ولكن لم ينهج فيه منهاج التأويل الشرعي، أو كان التأويل مناقضا للحقائق الشرعية، ومخالفا للنصوص القطعية.”[20]

وتبقى هذه الموجبات المذكورة ـ على أهميتها وخطورتها ـ في إحداث التأويل وفرض حالته على الظاهر ليصبح مؤولا، لا تمثل الأصل ولا تعكس قاعدة العمل والأخذ بمبدأ الظاهر، إذ القاعدة توجب دوما الأخذ بالظاهر والتمسك بمقتضاه، وعدم جواز حمله على خلاف ظاهره الراجح، ما لم يوجد موجب من موجبات الحمل، والتمسك بمعناه المرجوح يقتضي صرفه عن ظاهره وإخراجه عن الأصل المقرر للعمل به.

6 – أن يكون المؤول مؤهلا لتأويل النص الشرعي

والمراد بهذا الضابط أن يكون المؤول على مستوى من النظر يؤهله للغوص في الدلالات المحتملة وضبط معانيها الصحيحة قال الامام الآمدي: ” وشروطه أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك.”[21]

وهذا الناظر المؤول ” المتعامل مع المحتمل في النص الشرعي لا يواجه أمرا سهلا وإنما عملا شاقا يتطلب عدة علمية وشروطا مؤهلة للاجتهاد فيه.”[22]

وأساس المشقة والصعوبة في صنيع المؤول وعمله هو ما نص عليه الزركشي بقوله” كتاب الله بحره عميق وفهمه دقيق، لا يصل إلى فهمه إلا من تبحر في العلوم، وعامل الله بتقواه في السر والعلانية، فالعبارات للعموم وهي للسمع والاشارات للخصوص وهي للعقل ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر.”[23]

وأهلية المؤول تجعل من ” المستحيل عليه أن يزيغ بالنص يمينا أو شمالا، وتمنعه من استخدام النص في غير ما وضع له ودل عليه، كما أن غير المؤهل لا يستطيع اقتحام ميدان التأويل، وإذا حدث وفعل اكتشف أمره، واعتبر متطفلا على العلم.”[24]

والمقصود هنا بأهلية المؤول أن يكون على دراية وإحاطة بملابسات الحياة التشريعية وأسباب النزول، التي تعينه في فهم الخطاب الشرعي قال الواحدي: ” لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.”[25] وقال ابن تيمية: ” معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالمسبب يورث العلم بالسبب.”[26]

كما يلزمه كذلك التمكن من منطق اللغة ومعرفة قواعد نظامها وأسرارها، قال الإمام الشاطبي: ” إلا في موطن واحد، وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صح له الظاهر على العربية رجع إلى نفس الكلام، فعما قريب يبدو له منه المعنى المراد فعليه بالتعبد به.”[27]

ويقول الغزالي ” بمعرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له فهم خطاب العرب، وعادتهم في الاستعمال.”[28]

والمؤول يقوم ببيان المقصود والمراد الذي تحتمله ألفاظ النص الشرعي من معاني، وذلك في مرحلتين دلاليتين، دلالة اللفظ على المعنى، ودلالة المعنى الذي دل اللفظ عليه على معنى لفظ آخر.[29]

وينقسم المؤولون إلى أصناف عديدة ” بحسب الباعث لهم على التأويل، وبحسب قصور أفهامهم ووفورها، وأعظمهم توغلا في التأويل الباطل من فسد فصده وفهمه.”[30]

ومجمل القول أن التأويل ضرب من ضروب الاجتهاد و”باب من أبواب الاستنباط العقلي قويم،”[31] لابد أن يستوفي هذه الضوابط والشروط والمعايير ـ التي دونها العلماء في كتبهم والتي دلهم عليها الاستقراء، وما تمليه روح هذه الشريعة ولغتها وعرفها والحفاظ على سلامة الخطاب كما يدركه أهل اللسان وأئمة الاستنباط ـ حتى يكون تأويلا صحيحا مقبولا لا تأويلا فاسدا مردودا.

مقتطف من كتاب:

”التأويل في الخطاب الأصولي وأثره في الفقه الحضاري للأمة”

رابط تحميل الكتاب:

https://www.islamanar.com/he-fundamentalist-discourse/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.