منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البحث العلمي بمغرب ما بعد كورونا “معالم أولية نحو تفكير مستقبلي”

د. مصطفى شكٌري

0

منذ أربعين سنة، طرح البروفيسور “أمارتيا سين” وهو يناقش مبدأ المساواة في التنمية البشرية من خلال مؤشراتها المهتمة بأمد الحياة، والمعرفة، والمستوى المعيشي اللائق، سؤال الغاية من هذه المساواة، ليجيب بأن غاية ذلك إنما تروم تحقيق المساواة في مجموع الأمور التي تجعل البشرية تبني المستقبل الذي تتوق إليه، ذلك أنه من أخطر ما يمكن تهديد المشترك الإنساني هو هذا الإحباط المتنامي إزاء عدم المساواة. ومن المعالم الكبرى التي تشتد فيها أوجه عدم المساواة في العالم المجال المعرفي والعلمي، وتزداد هذه الفجوة وتتعمق مع تحديات البعد الرقمي الذي اعتقد الضعفاء في العالم إلى أمد قريب أنه من الكماليات التي لا مكان لها في التخطيط العام للتنمية المنشودة، بينما أضحى الآن وسيكون الأمر أشد قوة غدا عنصرا حاسما من بين عناصر أخرى في كسب رهانات اقتصاد المعرفة.

عندنا في المغرب وضعنا البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة الصادر سنة 2019 في المرتبة 121 في سلم التنمية البشرية، وأوصانا -كما أوصى غيرنا ممن هم في مثل وضعنا-أن التصدي لمختلف أوجه عدم المساواة المتفاقمة رهين بالقرار الذاتي لكل بلد، وذلك ما استطاع فتح نقاش سياسي عام يضع أمامه الإمكانات المتاحة لتقليصها على مدى هذا القرن الحادي والعشرين[1].  ولعل التعليم وواقع التعليم عنصر رئيس في تدني رتبنا التنموية منذ بعيد، ولعله سيكون عنصرا حاسما في معادلة الإقلاع التنموي الصعبة عندنا إلى حدود الآن، والتي جاءت الظرفية العالمية في ظل اكتساح جائحة كورونا لتعيد التركيز في هذه الوضعية على طرح أسئلة البحث العلمي عندنا باعتباره فاصلا في دينامية التحولات المعرفية وآثارها التنموية.

هل يجدينا نفعا القول إن جائحة كورونا إنما كانت لحظة مواجهة الذات في مرآة واقعنا؟ وهل يسمح لنا هذا بأن نستجلي من مرآة تلك الوقائع ما يظهر حقيقة واقع بحث علمي عندنا يراوح مكانه، من دون أن تكون له القدرة أن يتصدى لواجهات هي الفيصل في مسلسل التنمية البشرية القادمة في عهد الاقتصاد المعرفي للمادة الرمادية للإنسان؟

تقول تقاريرنا الرسمية أننا لم نبلغ بعد عتبة كنا نراها زمانا الأفق الرحب لما ننتظره من بحث هو عندنا رهن مجهود شخصي، وهي عتبة 1% من الناتج الداخلي الخام.  وتكشف مخرجات تعليم جامعي عال أن خيرة شبابنا تقذف بهم مناهج تربوية غير قادرة على إدماجهم في سوق الشغل، وهم خاويو الوفاض من التحكم في المكتسبات اللغوية والتواصلية والتكنلوجية ومن الدراية بمناهج البحث العلمي. ويقول واقعنا البحثي أنه لم نستطع أن ننفق على بحثنا من مالنا المهدور، ما يستطيع به أن يقف على رجلين يتطلع بهما إلى نوافذ التنافس المحموم بين دول ماسكة بزمام التقدم العلمي التكنولوجي بعيدا عنا بسنوات ضوئية عديدة. وتضعنا التصنيفات الدولية للجامعات خارج معاييرها المعتبرة بسبب الضعف الشديد لمشيرات الجودة في التدريس، والبحث العلمي، ونقل المعرفة وكذا الإشعاع الدولي، حيث من المفزع القول إن المعدل الوطني للإنتاج العلمي المحكم يساوي 0,47 مقال لكل أستاذ، وأن 53 % ممن يفترض فيهم أن يكونوا باحثين لم ينجزوا أي مقال محكم[2].

وتكون النتيجة أن موقعنا في ذيل سلم في التنمية البشرية لا يشجعنا على مواجهة تحديات آتية، ويزداد الأمر سوءا لما نرى حالنا مرتهنين إلى ما تجود به السماء من أمطار تحدد إنتاج غذائنا وكسوتنا، ولما يستمر ارتهاننا إلى الاستيراد مما تجود به أيدي الكبار، أو التسول على موائد الأقوياء انتظارا لعطايا منحهم ندفع ثمنها فوائد غالية لقروضهم المشروطة.

المزيد من المشاركات
1 من 43

وإذا كان هذا الواقع يعرينا ويسقط ما تبقى من أوراق تنمية مرادة مأمولة فقد أظهرت الجائحة غير المنتظرة ما تبقى من عوار جراح مثخنة، ربما لا تفيد اللغة المتأنقة المستعارة عن إخفاء آلام جرحها وراء بديع القول وجميل التفنن فيه.

تقول تجربة الأمم في الحكمة الإنسانية المهمة أن سر نجاح ألمانيا يتلخص في عناصر أربعة: التمويل المهم للبحث العلمي، والتكوين المهني بالتناوب بين المدرسة والمقاولة، والاهتمام الكبير بالبحوث التطبيقية التي لها علاقة مع التنمية، والتكوين المستمر إذ تقدم معظم المقاولات والإدارات تكوينا مستمرا لفائدة العاملين بها. وتؤمن حكمة أندونيسيا القريبة ظروف إقلاعها من ظروفنا -قبل أن تخلفنا وراءها حيث كنا بعيد استقلالنا-أن مشروع المدرسة الذكية مستقبل التطوير العلمي من خلال الربط العام بشبكة من الأنظمة المعلوماتية التي توفر قواعد بيانات كبرى من الوسائط والموارد المنفتحة على المتعدد من الوسائط، وأن الاعتناء بالبحوث التطبيقية والتنموية يضمن الأساس لتنمية اقتصادية حقيقية.

قاموس المستقبل يدعونا من بعيد، ويصرخ فينا من قريب؛ حاجتنا الآن، الآن، وقبل الآن إلى الغذاء قوية، حاجتنا إلى الدواء مستعجلة، حاجتنا إلى التعليم ضرورية؛ فعلينا إذن أن نتوجه إلى المستقبل لنستجيب النداء بتوطين التكنولوجيا واسترجاعها من أيد قوم شحيحة بها عنا، والبداية لذلك هي استرجاع أطرنا وأدمغتنا التي إما اصطادها الغرباء واصطفوها مستخلصين زبدتها لهم، وإما فرت من قسورة الإذلال وانعدام الاهتمام بسبب ما كسبت أيدي المدبرين عندنا. هذه الكفاءات العليا جدا تخلق هدرا فظيعا يجعل أكثر من 600 من المتخصصين في مجالات علمية دقيقة من مهندسي المعلوميات والباحثين الجامعيين وحتى الأطباء، تغادر البلاد سنويا دون احتساب هجرة الكفاءات في تخصصات أخرى، فمن أولوياتنا المعتبرة في المضمار، في مرحلة أولى، العمل الجاد على وقف نزيف الهجرة بتوفير أرضية التحفيز والتثمين لكفاءاتنا الوطنية في أفق الاسترجاع الذي قد يطول بسبب أجواء انعدام الثقة الحاصلة الآن. هنا بوسعنا المرافعة من أجل توجه رصين نحو تشبيك عميق يستثمر التقدم العلمي للجامعات الإسلامية في إطار مرصد للمجموعات البحثية في هذه المؤسسات العلمية.

ضروري أن نحسم في خيار ربح رهان التعليم والتعلم ولوجا واستدامة وجودة ونجاعة خاصة في مستويات السياسة التعليمية رؤية وتدبيرا، وفي البحث العلمي إنفاقا وتمويلا وتوجيها، وفي تطويره وتجديده على المستوى الرقمي والكفايات الجديدة. فالبحث العلمي يجب أن يخدم أولوياتنا الملحة ويراعي خصوصيتنا المستعجلة، قبل أن يفكر في أن يشرئب بعنقه لينافس الأقران والأغيار، علما أن مرتبتنا في مؤشر تنافسية المواهب العالمي يقف في المرتبة 100 من أصل 125بلداً.  ومن تلكم الأولوية الفلاحة والصناعة الغذائية باستثمار ناجع لمواردنا الطبيعية وتطوير للجانب التقني لضمان لقمة سد الكفاية من الغذاء، وستمثل تنمية البحث الطبي وربح رهان الصحة -وسيرة دكاترتنا تجوب العالم -واجهة ملحة سيمكننا الوقوف على ثغرتها لو وفرنا آليات تحفيزية مادية ومعنوية ليجد دكاترتنا اعترافا يقر بعبقرتيهم وظروفا تستفيد من قدراتهم وجهدهم.

سيبقى الحد من الفجوة الرقمية المتباعدة التي تزداد فجوتها اتساعا بيننا وبين الآخرين يوما بعد يوم أملا عالقا إلى حين استنفاذ مرحلة انتقالية للاستفادة والتوجيه في نتائج عوالم منفتحة على مجالات غريبة قد تمس الجانب القيمي والأخلاقي والحياتي للإنسان، ومع الاحتراز غير المهووس من الاستعمالات غير الأخلاقية لنتائج البحث العلمي لا بد أن تكون التهيئة الرقمية من حيث البنى التحتية والموارد الرقيمة في مستوى تحقيق الجانب الوظيفي للتجهيز المادي في ربح رهان الكفايات الجديدة للبحث العلمي. ولقد حذرت تقارير وطنية كثيرة من أن الفجوة الرقمية هذه ستعمل على تعميق التقاطب الاجتماعي وتوسيع هوة التفاوتات الطبقية وتزايد التمايزات في اللامساواة ولوجا وتوظيفا.

ستستدعي مقتضيات الثورة الصناعية الرابعة 4.0 الحاجة إلى تطوير مكتسبات جديدة منفتحة على معالم التفكير الرقمي، والاقتصاد الرقمي، والتواصل الشبكي، والتعليم في مهارات الملاحة الرقمية، وتوظيفاتها المتعددة قصد الرفع من مستويات الابتكار والإبداع. وسيكون ربح الرهان اللغوي والحسم في الخيارات اللغوية ضرورة مع التدرج في الانفكاك من الاستتباع للفرنسية لصالح الإنجليزية ولغات الأمم الصناعية في انتظار المستقبل الواعد لتأهيل العربية لاكتساب هذه العلوم ترجمة ونقلا في مرحلة أولى، وإنتاجا وإبداعا في مرحلة أخرى.

في مستوى آخر، سيكون إخضاع أخلاقيات البحث العلمي لمواصفات الجدية والمسؤولية والنجاعة والجدوى العملية حاسما في القطع مع سمات التسيب، والفوضى، وتضييع المال العام وانعدام أوجه الحكامة والشفافية.

لا مخرج لبحثنا العلمي من جوائحه خارج مبادئ عامة كبرى هي بعد التدبير السياسي التمويل الجيد، التوازن الرشيد بين الأهداف الوطنية ومتطلبات السوق على قاعدة سلم موضوعات ذات أولويات، وحاجتنا في كل هذا أقوى وآكد إلى استقلال إرادتنا وفك رقبتنا، وكل هذا يعود بنا إلى نقطة البداية: التعليم قاعدة التغيير الجوهرية بالقطع مع التفكير التسليعي المشيء للتربية والتعليم والتكوين. والعناوين الأساسية المحققة لذاك الاستقلال في القرار التربوي، والقدرة على الاستجابة لقيم الخصوصية دون انغلاق أنى له أن يسد نوافذ الرياح العاتية، ثم الاستجابة للحاجيات الآنية والمستقبلية والتي هي احتضان مصير الأجيال، وتعبئة إراداتها لتضع التعليم في أولى أولوياتها لتحقيق النهوض الجماعي العام.


[1] تقرير التنمية البشرية   لعام 2019، أوجه عدم المساواة في القرن الحادي والعشرين، يراجع هنا التمهيد لأكيم شتاينر المدير التنفيذي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

[2]  المركز الوطني للبحث العملي والتقني اجتماع ندوة رؤساء الجامعات البحث العلمي والابتكار: حصيلة واقتراحات، دجنبر، 2019.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.