منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مجالس الإيمان | شعب الإيمان | الشعبة (17)

د. مولاي المصطفى صوصي

0

تقديم:

مجالس الإيمان أو الذكر بمعناه العام: مجالس ذكر وعلم وحلم ووعظ؛ مجالس يلتقي فيها المؤمنون لذكر الله تعالى وتسبيحه، ولقراءة القرآن وتدارسه، ولتعلم ما يقيم أمر المسلمين؛ مجالس تُنَظم حول القرآن وتلاوته وفهمه وتدبره وترتيله، وتعلم الدين؛ قال سبحانه وتعالى في وصيته لنبيه صلى الله عليه وسلم تنبيها لنا:  ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾([1])

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ ” قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» قَالَ: ” فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ ” قَالَ: ” فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ ” قَالَ: ” فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟ ” قَالَ: ” فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ ” قَالَ: ” يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا ” قَالَ: ” يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ ” قَالَ: «يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ» قَالَ: ” يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ ” قَالَ: ” يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا ” قَالَ: ” يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ ” قَالَ: ” يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ ” قَالَ: ” يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ ” قَالَ: ” يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ ” قَالَ: ” يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا ” قَالَ: ” يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ ” قَالَ: ” يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً ” قَالَ: ” فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ” قَالَ: ” يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ”([2])

1- فضل مجالس الإيمان:

وقد وَرَدَ فِي فَضْلِهَا وشرفها نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ يطول تتبعها، ويكفي في ذلك ما تقدم من وصيةٍ للنبي صلى الله عليه وسلم من قبل ربنا عز وجل على هذه المجالس تنبيها لنا وحظا وترغيبا، ومن أن الله تعالى يباهي ويفاخر بأهل هذه المجالس وروادها ملائكة السماء؛ ومن كون أهلها تحفهم الملائكة وتغشاهم الرحمة وتتنزل عليهم السكينة ويذكرهم الله فيمن عنده. وعن أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»([3]).

المزيد من المشاركات
1 من 43

ومما يؤكد على أهميتها وقيمتها حرص الصحابة رضي الله عنهم على التذكير بها وارتيادها والاغتراف من خيراتها وأنوارها؛ عن أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ رضي الله عنه يَأْخُذُ بِيَدِي وَيَقُولُ: «تَعَالَ نُؤْمِنْ سَاعَةً، إِنَّ الْقَلْبَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا»([4])

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، يَقُولُ: تَعَالَ نُؤْمِنْ بِرَبِّنَا سَاعَةً، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِرَجُلٍ، فَغَضِبَ الرَّجُلُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرَى إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ يُرَغِّبُ عَنْ إِيمَانِكَ إِلَى إِيمَانِ سَاعَةٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ رَوَاحَةَ، إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَتَبَاهَى بِهَا الْمَلَائِكَةُ»([5])

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر رضي الله عنه قال : «كَانَ عُمَرُ مِمَّا يَأْخُذُ بِيَدِ الرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: «قُمْ بِنَا نَزْدَدْ إِيمَانًا»([6]) فيذكرون الله عز وجل. والأخبار في هذا المعنى كثيرة.

2- أهمية مجالس الإيمان في حياة المؤمن.

تأسيسا على ما تقدم، فإن أهمية مجالسة المؤمنين بعضهم بعضاً على ذكر يخرجهم من الغفلة عن الله أمر لا ريب فيه، إذْ معلومٌ أن لِمطالب العيش جاذبية تجذب الهمم والعقول خارج دائرة الموضوع الأساسي في حياة كل إنسان، وهو معرفة معنى الحياة والموت وقيمة الإنسان. ولِمَا لهذه المجالس من خاصية تطبيبية؛ فالإيمان يتعلم كما يتعلم الكفر، والمحبة تعدى كما يعدى البغض، والإيمان والمحبة يتلقاهما المؤمن في مجالس الإيمان المرتبطة بالصلوات الخمس في المسجد جماعة، والنفوس الصدئة والقلوب المهمومة العطنة والهمم الفاترة تجد دواءها في هذه المجالس.

والصحابة رضي الله عنهم كانوا يبحثون في هذه المجالس عن فقه القلوب، كانوا يعرفون أن بفسادها أو صلاحها تتم عليهم نعمة الاستقامة أو تحل بساحتهم الفتنة. كانوا يترقبون الأحداث على خشية من ظهور علامات الفساد في البر والبحر في الوقت نفسه الذي كانوا يتحسسون قلوبهم ويتعاهدون لعل حصل فيها من أعراض الداء ما به وعليه تنـزل العقوبة.

بل كان العلم، وفقه الدين، وفقه الواقع، وحركة الحاضر، وتوقعات المستقبل تلتمس جميعا من كلمة الوحي، مترابطة جميعا، متساوقة متلاحقة. وفي صميم المناقشة يجري الحديث عن إيمان العباد وما ينكت في قلوبهم، وما يقع عليها من ظلال وظلام مع إلقاء الفتن، وما يصيبها ويعرض من رضوض وضرر، وما تتشربه في جوفها من سموم الميل مع المنكر.

كان الأحباب رضي الله عنهم يعيشون إيمانهم وجهادهم على بصيرة من قدر الله سبحانه، لا يساورهم شك فيما أخبر به المعصوم صلى الله عليه وسلم. وفي نفس الوقت كانوا يُقدرون في خشية وإشفاق قدْرَ مسؤوليتهم عن وقوع الفتنة التي يجلبها فساد القلوب وذهابها مع المنكر وانصرافها عن المعروف.

خاتمة:

وفي الختام، فإن المواظبة والإقبال على مجالس الإيمان والدعوة لها، دليل وحجة على علو همة المؤمن وصدق ذمته بالهجرة التامة من القعود للجهاد، من صف الأعداء والخصوم والغافلين إلى صف المجاهدين في ديننا، وإن علم الإيمان ومجالس الإيمان هما المظهران الرئيسيان للحياة الإيمانية الإحسانية، جعلنا الله ممن يرتعون في رياضها ويرتوون من فيوضاتها.


([1]) الكهف: 28

([2]) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله عز وجل، رقم: 6408.

([3]) أخرجه مسلم، كتاب الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، بَابُ فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ، رقم: 2700.

([4]) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق، بَابُ فَضْل ذِكْر الله عز وجل، رقم: 1395.

([5]) أخرجه الامام أحمد في مسنده، مسند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، رقم: 13796.

([6]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، باب، رقم: 30366.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.