منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكراب جلول وأمه 

عبد الرحيم هريوى / الكراب جلول وأمه 

0

الكراب جلول وأمه 

عبد الرحيم هريوى

 

“بائع الماء جلول” كراب : قصة قصيرة من حياة البؤس والفقر لجلول وأمه التي كان بارا بها ولا يفارقها.. وهي قصة واقعية من حياة البادية المغربية الغابرة في القدم ، حاولنا أن نسردها بأسلوب حكائي ونجعل أحداثها تحيا من جديدة في زماننا رغم أنه قد مر عليها قرن من الزمان كما سمعها الراوي ليكتبها منتوجا أدبيا ويضيف عليها لمسة شاعرية عميقة بتعابير ودلالات لفظية من واقعنا البدوي المغربي ..

 

المزيد من المشاركات
1 من 51

عاش جلول الفقير في بلدة بالبادية كغراب وسط الشعاب ، كان يسكن في كوخ ضيق من القصدير تشتد حرارته صيفا و برودته  شتاء ؛ و تتسرب من ثقب سطحه قطرات من مطر الشتاء ، كلما تهاطلت بغزارة وقوة.. لا يملك جلول من الماعون إلا إبريقا صغيرا و كأسين و بقراج و جرة ماء وحماس من طين(طاجين ) و قصعة صغيرة للأكل . و أغطية وأفرشة بالية رثة لا تدفيء عظاما و لا جسما و لا تغطي أرضا . وحصير قديم مثقوب وممزق  من أكثر من موطن من جسمه، تظهر من أسفله أتربة أرضية الكوخ .. يعيش وحيدا مع أمه التي أخذ منها الزمان أخذته ، تمشي منحنية . مقوسة الظهر بالكاد تتوقف لتجمع أنفاسها ، كلما أتعبها المشي…!!!

 

كل شيء في الكوخ يوحي بالإملاق والفقر والبؤس االشديد  .فجلول يبيع الماء تبعا لأحوال الطقس، و متى كان الطلب ملحا على الماء في السوق الأسبوعي بالبلدة .  كانت أمه العجوز المسكينة ترافقه و هو يحمل و يتلحف كربته التي يملؤها بالماء من أحد الآبار المجاورة ، التي يصادفها في طريقه إلى السوق. و لما يصل لعين المكان كان دوما يترك أمه خارج سور السوق ، و يختار لها مكانا ظليلا؛ ثم يغيب عنها بعض الوقت ليعود بعدها وهو يحمل لها فطورها .. إنه سوى اسفنج وإبريق من شاي حتى تملأ معدتها و تدفيء جسمها الذي أنهكه الجوع وأتعبه زمان الفقر … ثم بعد ذلك يودعها ويبدأ رحلة العذاب ،ليبحث له عن بعض القروش يشتري بها قوته اليومي ، الذي يبقيه حيا يرزق على وجه البسيطة .. ويطوف بكربته يجوب كل جهات السوق ، والماء يبلل جميع جسمه وثيابه الرثة .. و لما يحين وقت  الغذاء يشتري لأمه ” قضيب ديال الشي من الشواي ”  يضعه لها في نصف خبزة،  و يتوجه قاصدا مكان جلوسها ليمدها بذلك الرزق ليعود بعدها لإتمام رحلة العذاب والبؤس .. رحلة الماء و الحر..!!!

 

ولا أحد ينتبه له أو يهتم بحال ذاك المسكين هو وأمه العجوز..!!!

تلك هي حياة الفقر والبؤس والألم والمعاناة لمثل هؤلاء الناس البسطاء الذين يكابدون في صمت كي يبقون على قيد الحياة.. فإن هو جمع بعض القروش القليلة، اشترى له و لأمه ما يسد بهما رمقهما من بؤس الطعام. وعادا للكوخ المتواجد فوق تلة بالبلدة ..

جلول وأمه يعيشان الفقر المدقع، ولا أحد يهتم لحالهما فهما كغريبان وسط الدوار..!!

 

في الصيف، وفي عز الحر خرج جلول للحصاد في أحد الحقول المجاورة وترك أمه في انتظاره. ولعله طمأنها قبل خروجه ، كي يحصل على مال يمكن له أن يشتري به السكر والشاي واللحم والخضر كباقي خلق الله !! كما وعد بذلك أمه حتى يشعرها بنوع من الاطمئنان النفسي  عليه، لأنها تخاف عليه أكثر من خوفها  عن نفسها ، و لا تقدر على فراقه،  وحتى يزرع في قلبها الأمل في يوم ما تتناول فيه المرق بالخضر واللحم .. ظل جلول منهمكا في حصد حبات الزرع بين باقي مجموعة  الحصادين، و الشمس الحارة ترسل أشعتها  مباشرة على رأسه دون أن يهتم بالأمر.. لكنه في المساء  بالكاد عاد ليصل إلى كوخه .. ليموت بعد أيام بين أحضان أمه البئيسة ..!!

ولا رحيم لها بعده إلا الله سبحانه وتعالى .!!

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

اجتمع جيرانه وغسلوه وكفنوه وحملوه لمتواه الأخير. وأمه العجوز لم تصدق الأمر فقد ازداد لون سواد الحياة في عينيها. وظلت تبكيه طيلة الليل . و انفض الجمع من حولها، وكانت تنادي عليه باسمه و تنوح  وتبكي فراقه الحزين وهي تقول :

” أجلول ..أجلول ولدي ما تخيب عند  ربي…أجلول أجلول !! أنا شجرة مظلياك وما نساك حتى نمشي حداك…!!! ”

 

ظلت المسكينة على تلك الحالة في ترجيديا  الحزن الدفين والقاتل .. تنادي جلول معيلها الوحيد طيلة أسبوع كامل..!!

كانت تخرج أمام كوخها وتنادي وتبكي ولدها البار. رغم أنه كان لا يملك من هذه الدنيا سوى قربته وماء البئر..!!:ماتت المسكينة موتة الفقيرة البئيسة. لتلتحق بولدها جلول و لم يتركا وراءهما إلا ذلك الكوخ الذي عاشا فيه زمان العيش الحزين ..عيشة الفقراء والمساكين ..!! فما شبعا يوما من خبز ولا من لحم و مرق..

تلك هي الصورة السريالية  للحياة الدنيوية، فهناك  من  يعيش في كوخ أكله وشربه بالكاد يحصل على ما يسد به رمقه. و هناك من أعطيت له الدنيا بحذافيرها يغمس متى شاء  من أنواع شتى من العسل . لكن الموت والقبر و التراب  يجمع بينهما في نهاية الرحلة الأرضية…!!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.