منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأفكار المجنونة !!!

الأفكار المجنونة !!! الدكتور وائل الزرد

0

الأفكار المجنونة !!!
بقلم الدكتور وائل الزرد من فلسطين

 

حين يتكلمُ أحدُنا ببعض الأفكار المتعلقة بإنهاء الاحتلال، وكسر الحصار، وزوال دولة إسرائيل، يسارع بعضُ الناس فيقول: هذه أفكارٌ مجنونة، هروبًا من وصفنا بالجنون، خوفًا أو حياءً، وهذا الوصف لمثل هذه الأفكار أو الاعتقادات، ليس غريبًا أن يُطلق عليها أفكار مجنونة، وبالمناسبة لا أجد في هذا الوصف إشكالًا كبيرًا، فإنه ما من نبيٍّ جاء إلى قومه، يدعوهم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن الشر والمنكر إلا اتهموه بالجنون، حتى كأنهم تواصَوا بذلك {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}.

فالحديثُ عن إنشاء ميناء في غزة أو إعادة بناء مطارٍ فيها: ضربٌ من الجنون، إجبارُ الاحتلال على عدم قصف الأبراج السكنية وإلا، هو ضربٌ من الجنون، التهديد بضرب 1111 من الصواريخ دفعة واحدة، ضربٌ من الجنون، إعلان منع التجوال داخل المدن المحتلة إسرائيليًا، ضربٌ من الجنون، والحديث عن مقارعة الاحتلال ومقاومته واليقين بزواله ضربٌ من الجنون… كذلك.

والوصفُ بالجنون ابتدأه الطغاة والمستبدون منذ فجر تاريخ البشرية، مع أول من أُرسل للناس جميعًا، مع نبي الله نوح عليه السلام، فهو يوم أن جاء إلى قومه يأمرهم بعبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، لم يجدوا سلاحًا إلا إطلاق الشائعات والتهم عبر آلةٍ إعلامية كبيرة، فقالوا {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ}.

وهو ذات المنطق الفاشل، المُنطلِق من عدمِ رؤية الآخرين، والقائمُ على استحقارِ كل ما هو دون هذه الطغمة الحاكمة الظالمة، هو منطق المُستبدين الذين يرون في أنفسهم آلهةً البشر وربَّ الكون، فهو الأحرار والأسياد، ومن سواهم عبيدٌ ومماليك، فالحقُّ ليس إلا ما خرج من أفوههم، والباطل كلُّ ما لم يقولوه، والخير هو ما أمروا به ورأوه، والشر كلُّ الشر فيما تركوه وما أحبوه، والعقل والحكمة هي التي يمتلكونها من كل جانب وناصية، وغيرُهم مجانينٌ رِعاعٌ على مائدة تفضلهم،

ولا زلتُ أذكر شيئًا من -الجنون- الذي كان ينطق به أحدُ عقلاء قومي، بل أحدُ أسيادِهم، إنه الشهيد المقدام شيخنا نزار ريان العسقلاني -رحمه الله-: [سَنُقَاتِلُ بِكَفِّنَا مِخرَزَ الاحْتِلَال] نعم حين كان يقولوها وصفه بعض السفهاء بالجنون والجهالة السياسية والضحالة العسكرية، وتمر الأيام ويموت الواصف السفيه ويستشهد القائد الشيخ، وتذهب كلمات السفيه إلى مزابل التاريخ، وتبقى كلمات شيخنا -العاقل- نبراسًا تُضيء لنا طريقَ الحقِّ والقوةِ والحرية.

إن بداية مشروع التحرير كان بأفكار صغيرة ولكنها ذات بعدٍ كبير، وبأحلام ليلية ولكنها تُبعت بأعمالٍ نهارية، وبأعداد قليلة ولكنها كبيرة بهمة أصحابها وعزيمة رجالها، وبعتاد يكاد ألا يُذكر لكنه مع الإصرار والأمل أصبح صواريخ عزٍّ يغطي كل تراب بلادنا فلسطين، إذا ما قال المُلثم: يمنع على سكان دولة الاحتلال الخروج في الشوارع، انطلقوا كالجرذان يصدقون الناطق بالحق، الموصوف بالجنون، ويكذبون آلة إعلامهم الباطلة، الموصوفة بالعقلانية والإحاطة العلمية.

إنه الجنونُ يا سادة الذي يتحلَّى به أكابر الناس عبر التاريخ، إنه الجنون الذي يتسلح به الراغبون لتغير التاريخ والجغرافيا، إنه الجنون الذي يدفع أصحابه للتفكير في صناديق غير موجودة لا خارج الصندوق فحسب، إنه العقل لا الجنون فافهموا أيها ؟؟؟

وختامًا إليكم هذا المقطع الجميل لصاحبه: “مجانينَ أريد، حفنةً من المجانين… يثورون على كل المعايير المألوفة، يتجاوزون كلَّ المقاييس المعروفة، وبينما الناس إلى المغريات يتهافتون، هؤلاء منها يفرون وإليها لا يلتفتون، أريد حفنةً مِمَّن نُسِبوا إلى خفةِ العقل لشدةِ حرصِهم على دينِهم وتعلقِهم بنشرِ إيمانهم؛ هؤلاء هم “المجانين” الذين مدحهم سيدُ المرسلين، إذْ لا يُفكرون بملذاتِ أنفسِهم، ولا يَتطلَّعون إلى منصبٍ أو شهرةٍ أو جاهٍ، ولا يَرومُون متعةَ الدنيا ومالَها، ولا يُفتنون بالأهلِ والبنين، يا رب، أتضرع إليك، فَخزائنُ رحمتِك لا نهايةَ لها، أعطِ كلَّ سائلٍ مَطلَبه، أمَّا أنَا فمَطلَبي حفنةٌ منَ المجانين… يا رب يا رب…”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.