منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه| شعب الإيمان | الشعبة (4)

عبد الله الهلالي

0
  • تقديم

يعتبر كتاب الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “شعب الإيمان”، من المصنفات القليلة المعاصرة التي اهتمت بتصنيف وتبويب شعب الإيمان التي ورد ذكرها في الحديث الصحيح: “الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”. وقد جمع الإمام رحمه الله تعالى هذا الكتاب على شكل خصال عشر؛ كل خصلة يندرج تحتها مجموعة من الشعب، مجموعها سبعة وسبعون شعبة. كما أن الإمام رحمه الله، أورد مجموعة من الأحاديث النبوية تحت كل شعبة، تأصيلا لها وبيانا لفضلها وتحفيزا على التمثل والتطبيق العملي لها. فجزاه الله خيرا عما خدم الحديث النبوي الشريف، وعما بلغ ودعا ونشر وحبب الناس في إحياء السنة والسير على المنهاج النبوي. ونرجو من الله الملك الوهاب أن يحق في الإمام رحمه الله تعالى، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت”

  • تقديم الشعبة

هذه الشعبة: التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه ؛ هي الشعبة الرابعة من خصلة الصحبة والجماعة ، الخصلة الأولى ،التي ضمنها الإمام رحمه الله تعالى: عشر شعب. جاءت شعبة التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه بعد شعب: محبة الله ورسوله والحب في الله عز وجل، و صحبة المؤمنين وإكرامهم. ويتلوها: التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، والإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق، والزواج وآدابه والعفة، والقوامة و الحافظية على الأهل والعيال، وإكرام الجار و الضيف، و رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس.

وقد ضمّن الإمام رحمه الله تعالى هذه الشعبة: أربعة وأربعين حديثا. أربعة عشر حديثا في أخلاق وسلوك ومعاملة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس، وثلاثين حديثا في خِلْقة الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته ونعته. أما أحاديث أخلاقه وشمائله ومعاملته صلى الله عليه وسلم فيمكن تصنيفها كالتالي: كان خلقه القرآن حديثان(2). أدب الحديث مع الجليس حديثان(2). قضاء حوائج السائل حديث(1). حسن الخلق وحسن المعاملة مع الناس تسعة أحاديث(9). أما باقي الأحاديث(30) في هذه الشعبة فجاءت في صفاته صلى الله عليه وسلم ونعته.
الأحاديث الأربعة والأربعون رواها واحد وعشرون راويا. منهم اثنا عشر صحابيا وتسعة من التابعين وتابع التابعين. وأكثر الصحابة رواية لأحاديث هده الشعبة هو سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه بثلاثة عشر حديثا.

المزيد من المشاركات
1 من 43

والأحاديث التي وردت في مجال صفات ونعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أغلبها يدور حول قامة رسول الله وجماله وشعره ووصفه الخِلقي. وأغلبها في غير محل الاقتداء، إلا ما كان من طريقة ترجيل الشعر وطريقة مشيه صلى الله عليه وسلم.

  • التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم

  • ائتسى به: اتخذه إسوة وقدوة
  • الأسوة والإسوة بالضم والكسر لغتان والجمع أسّى وإسّى
  • الإسوة والأسوة القدوة والأسوة ما يتأسى به، أي يتعزى به، فيقتدى به في جميع أفعاله، ويتعزى به في جميع أحواله

إذن التأسي هو المتابعة والاقتداء. والمتابعة والاقتداء من علامة المحبة والإيمان. قال الله تعالى: ” لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا”. وقال سبحانه وتعالى: ” وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب”. قال المهدوي في تفسير هذه الآية: وإن كانت الآية في الغنائم فجميع أوامره ونواهيه صلى الله عليه وسلم دخل فيها. قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا لم نقر بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رددنا على الله أمره، قال الله عز وجل: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.”
وفي وجوب الاقتداء به ومتابعته جاء في الحديث عن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه قَالَ: “وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ”..
و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى”

  • فضل التأسي بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم فيها من المحاسن والمحامد، ما لا يمكن أن تحاط، فقد تفضل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بأن جبله على كل خُلُق فاضل، ثم أثنى عليه بعظمة خلقه منذ بداية بعثته؛ قال الله تعالى: “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ”
وفي السنة النبوية الشريفة حدد صلى الله عليه وسلم الغاية من بعثته وقصرها على مكارم الأخلاق، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ«
التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه، إنما هي محبة واتباع وسبيل للترقي في مدارج الإيمان والإحسان. فلا يتحقق كمال الإيمان وحقيقة الإسلام، إلا بالتعلق بأخلاق هذا الرسول الكريم في السراء والضراء والمنشط والمكره. اقتداء وتأس عن طواعية وعفوية، لا بتصنع وتكلف.

  • ما السبيل للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه؟

1- محبة الرسول الكريم

لله در القائل:
لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
المحبة طريق موصل للتأسي والاقتداء، بل من أقصر السبل لذلك. فالمحب تدفعه المحبة لذكر المحبوب والتغني به والاقتداء به والصبر على كل المشاق المصاحبة لذلك. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب وأنت مع من أحببت
إنه كلما تعلق القلب بمحبة الرسول الكريم كلما نشطت الجوارح للاقتداء به في الصغيرة والكبيرة، في المنشط والمكره.

2- الصحبة والبيئة

من الأمور المهمة المساعدة على التأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه: صحبة المتخلقين بأخلاقه وهديه عليه السلام، السالكين طريق الله تعالى، المتشوقين لرسول الله رؤية وصحبة وفناء في محبته. فبالصحبة يتحقق التشرب القلبي ويسهل التأسي وتسري الأقوال والأفعال والتمثلات، بل الحركات والسكون والسمت من شخص لآخرين ومن بيئة لأخرى. وصدق من قال:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
ولقد أثنى الله على الصحابة بفضل معيتهم وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم

3- معرفة فضل التخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم

يكفي في هذا الباب، أن الله سبحانه وتعالى مدح رسوله بحسن الخلق، فقال: وإنك لعلى خلق عظيم. ويكفي أن الرسول بشر ذوي الأخلاق الحسنة قائلا: “ألا أخبركم بأشبهكم بي؟ قالوا بلى يارسول الله قال أحسنكم خلقا وألينكم كنفا وأبركم بقرابته وأشدكم حبا لإخوانه في دينه وأصبركم على الحق وأكظمكم للغيظ، وأحسنكم عفوا، وأشدكم من نفسه إنصافا في الرضا والغضب” . كما أن حسن الخلق من أثقل شيء في الميزان لقول الرسول صلى الله عليه وسلم” ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق”

4- التدرب العملي على حسن الخلق

من الأمور التي تساعد على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه: التدرب على ذلك، وحمل النفس على التشبه بأخلاق الرسول وصدق من قال:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
ويحسن التدرب حتى يصبح التأسي برسول الله طبعا لا تطبعا وسليقة لا تكلفا وتصنعا. والتدرب ينبغي أن يصاحبه التدرج والرفق وإلزام النفس بالفرائض والزهد في الدنيا والزهد بما في أيدي الناس.

5-الاطلاع على سيرة الرسول الكريم وسير الصحابة والصالحين

إنه أخذ العلم عن أهله. والسير مظنة التأسي والتلقي والتشرب.
إن التمعن والتدبر بنية الاقتداء في سير الصالحين، أمثال جعفر بن أبي طالب الذي قال عنه الرسول” أشبهتَ خلقي وخلقي” والحسن بن علي الذي قيل فيه:
بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي
وعبدالله بن عمر الذي كان كثير التتبع لأحوال وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأمور التي ليست محلا للاقتداء والإسوة. كطريقة اللباس والوقوف في مكان معين أو الوضوء والبول في مكان معين، أو إعادة حركة معينة في مكان معين رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في ذلك المكان.

  • من ثمار التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم

لعل من أكبر ثمار التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه هي:

1- الاستجابة لأمر الله تعالى:

في قوله تعالى: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا”
“لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة”
“يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم”

2-القرب من الرسول عليه السلام يوم القيامة:

وذلك لقول الرسول:” وروى أحمد (6735) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ) فَسَكَتَ الْقَوْمُ ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله ، قَالَ: “أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا” وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” (2650) .

3- بلوغ درجة كمال الإيمان:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله”

4- البعث وهو على طاعة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يبعث كل عبد على ما مات عليه” فمن مات على التأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شك يبعث على ذلك وفي زمرة الرسول وصحبه

خاتمة

الشعبة الرابعة من شعب الإيمان للإمام المجدد رحمه الله تعالى، دعوة لنا للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه ومعاملاته وحسن خلقه وصبره وتحمله للجفاة من الناس. وإن التحلي بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعد مدخلا موصلا لمحبته ولكمال الإيمان. فما أحوج المرببين والآباء والأمهات لتربية النشء على هذه الشعب الراقية.

والله من وراء القصد

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.