منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقدمة إلى نقد أسس “نقد العقل السردي”

مقدمة إلى نقد أسس "نقد العقل السردي" / نذير طيار

0

مقدمة إلى نقد أسس “نقد العقل السردي”

نذير طيار

 

صدر في شهر جانفي 2021 كتاب للدكتور إسماعيل مهنانة تحت عنوان : “في نقد العقل السردي” عن دار الاختلاف/ الجزائر، ودار ضفاف/ بيروت. والكتاب الذي لم  أعثر عليه بعد في مدينتي قسنطينة، كما عرفه من كتب عنه نقلا عن الكتاب نفسه[1] :”عبارة عن مدخل فلسفي وإبستيمولوجي حول ظاهرة السرديات، التي لا تزال تحكم عصرنا، فرغم كل التطور التكنولوجي الذي حققته البشرية وتغيّر نظام الحقيقة لديها، لا تزال المجتمعات تؤمن بالحكايات والأساطير المؤسسة، ولا يزال السرد يثير خيالها الجمالي والإيديولوجي والديني.

وهو ما يطرح على الفكر الكثير من الأسئلة، أهمها من أين يستمدّ السرد هذه القوة والسطوة المقاوِمة لعصر الأرقام والحقائق الرياضية؟ وما مصير السّرديات الكبرى في عصرنا؟ وهل نعيش فعلا على عتبة نهاية السرديات، كما يقول فلاسفة ما بعد الحداثة؟”.

ثم يضيف:”إن الكتاب مراجعة للسرديتين الأساسيتين اللتين تحكمان الفكر العربي المعاصر، أي السردية التراثية والسردية الكولونيالية. وذلك من خلال تفكيك الأدوات الإبستيمولوجية والمعرفية التي تقوم عليها كلا السرديتين.

المزيد من المشاركات
1 من 97

فالسردية التراثية تقوم أساسا على ما وصلنا من عصر التدوين الذي كُتب في بداية العصر العبّاسي، وهي مجموع النصوص والروايات والمتون التي تتكلم عن الإسلام المُبكّر الذي حدث قبلها بما يزيد عن قرنٍ ونصف، وتستعمل في ذلك المناهج التاريخية المعروفة بالجرح والتعديل، والتي تقوم أساسا على النقل الشفوي، وهو أيضا ما صار مصدرا للكثير من الشكوك والجدل، سواء داخل الخطاب الاستشراقي، أو في مدونات الفكر العربي المعاصر.

لهذا ينصبّ كتاب “نقد العقل السردي” على تحليل كل تلك السرديات ومراجعة أدواته المعرفية في ضوء مناهج التاريخ المعاصر.أمّا السردية الكولونيالية، فهي تقوم أساسا على أدوات الاستشراق.

لهذا يعيد الكتاب مراجعة تلك الأدوات المعرفية، كما يكشف عن ملابساتها الأخلاقية والجمالية من خلال بعض النماذج مثل كتابات، برنار لويس، وغي دي موباسان.  كما يتطرّق الكتاب أيضا إلى سردية الإسلام السياسي المُخترعة حديثا، من خلال مراجعة كتابات طارق رمضان، وكشف مسلّماتها ومطّباتها وآفاقها.

يتضمّن الكتاب مدخلا نظريا ونماذج تطبيقية. في المدخل النظري يعرض صاحبه بعض المباديء الابستيمولوجية في مقاربة ظاهرة السرد، كما يعرّج على تطوّر ظاهرة السرد في الفكر الغربي المعاصر، أمّا في النماذج التطبيقية، فيقدم قراءة طباقية تُواجه الطروحات بعضها ببعض في قراءة طباقية لكي يكشف أن السرديتين، التراثية والكولونيالية، تحيل كلاهما إلى الأخرى، من خلال المنطوقات الوثوقية، والمسلمات غير النقدية.”

كم حرصت على قراءة الكتاب والاطلاع الهادئ عليه، قبل كتابة أي دراسة نقدية في موضوعه. على أساس أن أي تقديم لكتاب لن يفيه حقه من التعريف به، ولن يغني أبدا عن قراءته كاملا دون نقصان، ولكني محولاتي باءت بالفشل.

لأجل هذا سأكتفي في  هذا المقال الأول بتقديم قراءة نقدية في القواعد المؤسسة لهذا النقد، على أساس متابعتي في جانفي 2019 على الفيس بوك لمحاضرةاللدكتور اسماعيل مهنانة عن “عالم ما بعد السرديات”، جاءت ضمن ملتقى الأنوار للفكر الحر الذي يشرف عليه الأستاذ سعيد جاب الخير، وبإمكان أي متابع للمحاضرة أن يدرك القواعد المؤسسة للرؤية النقدية المؤسسة. وأعد القراء بقراءة ثانية تفصيلية في الكتاب بعد حصولي عليه.

المحاضرة في مضمونها غنية بالأفكار الجديدة على غير المختص، لكنها في نظري تفتقد إلى القدرة على الإقناع….لغياب الحجج والأدلة في أفكارها، فليس كل جديد صواب وليس كل قديم خطأ. وأنا أدعو الأساتذة المتخصصين في الفلسفة أو المهتمين بالفكر النقدي إلى أن يفتحوا حوارا علميا لمناقشة أفكار هذه المحاضرة أو الكتاب الصادر (نقد العقل الاسردي) بأساليب علمية وبأدوات لغوية أخلاقية عالية جدا، تفتح الآفاق لفلسفة حقيقية جديدة.

لا يمكنني أن أقبل بعقلي الحر أن تكون الأديان مجرد سرديات، فالقصص جزء من الكتب السماوية لكنه ليس محورها ولا مركزها، ويبقى الهدف منه هو الاعتبار لأجل حركة صائبة وفاعلة في الحياة. إن ثلث القرآن (وليس الثلثين كما ورد في المحاضرة) قَصَص، والباقي حديث عن الأخلاق والشرائع والشعائر والإيمان. وهذه المساحة الأكبر للقَصَص في القرآن دليل على واقعيته التاريخية، وبالتالي واقعيته الإنسانية، لأنه يستحيل الاقتداء بأشخاص أسطوريين، لم يولدوا يوما، ولا الاعتبار بقصص خيالية وهمية.

قصص الأنبياء بين الحقيقة والأسطورة

يقول الله في قرآنه:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} [الكهف: 13] أو {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]                .

الله في التصور الإسلامي، ليس كمثله شيء، وبالتالي فهو ليس روائيا، أو عاشق سرد، يبتكر شخوصا وهميين، ويشتغل على معمار الرواية وعلى حبكة أحداثها، باللجوء إلى ما يلجأ إليه الخيال البشري الواسع. الله لا يحكي حكايات جدتي أمام الموقد. قِصص الأنبياء ليست رمزية بل حقيقية. لأن الأنبياء أشخاص حقيقيون.

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]

قال ابن عاشور في “التحرير والتنوير”: “وجملة {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} إلى آخرِها تعليلٌ لِجُملة {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ} [يوسف: 111]؛ أي لأنَّ ذلك القصص خبرُ صدقٍ مُطابق للواقع، وما هو بِقِصَّة مُخترعة، ووجْهُ التَّعليل أنَّ الاعتبار بالقِصَّة لا يَحصُل إلا إذا كانتْ خبرًا عن أمرٍ وقع، لأنَّ ترتُّب الآثار على الواقِعات تَرتُّب طبيعي، فمِن شأنِها أن تترتَّب أمثالُها على أمثالِها كلَّما حَصَلَتْ في الواقع، ولأنَّ حُصولَها مُمْكِن إذِ الخارجُ لا يَقَعُ فيه المُحال ولا النَّادر، وذلِكَ بِخلاف القصص الموضوعة بالخيال والتَّكاذيب، فإنَّها لا يَحصل بِها اعتبارٌ لاستِبْعاد السامعِ وقوعَها؛ لأنَّ أمثالَها لا يُعهد، مثل: مُبالغات الخرافات وأحاديث الجِنِّ والغُول عند العرب، وقصة رستم وأسفنديار عند العجم، فالسامع يتلقَّاها تلقِّي الفُكاهات والخيالات اللَّذيذة ولا يتهيَّأ للاعْتِبار بِها إلاَّ على سبيل الفرض والاحتمال، وذلك لا تحتفِظُ به النفوس.”

لأجل هذا أخطأ طه حسين ومحمد أركون ومن سار على دربهما في حديثهما عن البنية الأسطورية للقرآن الكريم، ونفيهما الوقوع الفعلي الواقعي لجميع القِصص القرآنية. وإني لأعجب ممن يؤمن بالإسلام والقرآن، كيف يرد كلام الله قطعي الثبوت قطعي الدلالة، بمناهج غربية في الرمزية، متناسيا أن القرآن ليس إلياذة هوميروس ولا ملحمة جلجامش ولا شاهنامة الفرس.

وفي تفسير ابن عاشور جزئية علمية منطقية مهمة جدا تبتعد بمنهج الاستدلال والمحاججة عن السقوط في حفرة الدور المستحيل. كيف يأمرنا الله بأخذ العبرة من شخصيات أسطورية غير حقيقية؟ كيف يمكن الاقتداء بهم؟ وما هو معجز في تلك القصص خاص بأولئك الأنبياء والرسل ولهذا فهو خارج مجال الاقتداء لكنه داخل في حيز الاعتبار.

إن إطلاق مصطلح السرديات أو السرديات الكبرى في نظري على الأديان والإيديولوجيات والأفكار الكبرى هو اختزال كارثي لا يقبله عقل علمي صارم. كما أن السعي إلى استخراج نظرية عامة للسرديات جميعا دفع أصحابها إلى الجمع بين الإسلام والمسيحية واليهودية والشيوعية والليبرالية والكولونيالية والدولة الوطنية في سلة واحدة، بشكل يقفز عمدا على خصوصيات واختلافات وسياقات وتعقيدات.
حاول أصحاب نظرية نقد العقل السردي تبرير هذاالاختزال بالحديث عن القاسم المشترك في نظرهم بين السرديات جميعا ممثلا في الأبعاد الثلاث: البعد الجمالي والبعد المثالي (اليوتوبي) والبعد الإيديولوجي، ليصبح السرد جوهرا والإيديولوجيا أحد من أبعاده.
تفسير كل الأديان على أساس اشتقاقها من الأسطورة، ونسبتها جميعا إلى الفكر البشري، ونفي وجود أي مصدر إلهي لها، هو منهج علموي scientist ليبرالي يختار خطا واحدا هو الخط الإلحادي في التعامل مع الفكر البشري عبر التاريخ، وفق مزاعم فلاسفة ما بعد الحداثة.

إجماع الرياضياتيين واختلاف الفلاسفة

يقول صاحب الكتاب: ” من أين يستمدّ السرد هذه القوة والسطوة المقاوِمة لعصر الأرقام والحقائق الرياضية؟”.

وهو سؤال مهم جدا، يسعى من خلاله أنصار نقد العقل السردي إلى إعطاء نظرياتهم الفلسفية اليقين العلمي نفسه الذي تملكه الحقائق الرياضياتية أو الفيزيائية من ناحية وسلب اليقين العلمي أو بعضه عن كل ما أطلقوا عليه السرديات الكبرى من ناحية أخرى.

ما يرفض نقاد العقل السردي الاعتراف به هو أن ما يطرحونه يبقى رؤية علمية في مقابل عدة رؤى علمية مختلفة عنها ومناقضة لها أحيانا. فالفلسفة باعتبارها فرعا من العلوم الإنسانية لا تملك قطعية العلوم الرياضياتية أو التجريبية.

لهذا تتعدد فيها الرؤى والمدارس بتعدد الخلفيات الثقافية والدينية والفكرية لأصحابها. لا توجد رياضيات إسلامية ولا فيزياء ماركسية ولا علم أحياء ليبيرالي في حين توجد توجد فلسفات إسلامية وفلسفات ماركسية وفلسلفات حداثية وما بعد حداثية.

أُدَرِّس منذ عدة سنوات المناهج البيداغوجية والتعليمية (Didactics)، ومن تجربتي في التدريس يمكنني الفصل بين ما هو معرفي-تقني مشترك عام وبين ما هو إيديولوجي خاص في هذين العلمين، وذلك على أساس “أن المقاربات الثلاث للفعل التربوي (البيداغوجيا والتعليمية وعلوم التربية) هي علوم مشبعة  في طبيعتها بالإيديولوجيا”[2]. وليس معنى هذا أنها غير علمية، لأن الإيديولوجي الحاضر في بعض منطلقاتها لا يمثل شيئا أمام أدواتها الإجرائية العملية التي أثبتت التجربة فعاليتها ويقينية نتائجها.

إن البعد الجماعي للمعرفة العلمية الرياضياتية أو الفيزيائية أو البيولوجية هو أكبر منبع لقوة العلم، والسبب الأكبر الذي يجعلنا نثق فيه. نثق فيما يقول الإجماع العلمائي التصريحي أو السكوتي، ليس لاعتماده على منهج ثابت (فالمناهج أحيانا متعددة) بل لاحتوائه على عملية فحص صارمة للإدعاءات تتضمن مراجعة المختصين للأوراق العلمية المقدمة، إلى المجلات الأكاديمية، ومناقشة النتائج الأولية في المؤتمرات وورشات العمل. المعرفة العلمية هي إجماع خبراء، متخصصين، وليست موقفا فكريا أو علميا فرديا، ينشره هاو أو مختص على مواقع التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام اللاهثة وراء الفرقعات الإعلامية.

في مقابل هذا الإجماع العلمائي بشأن نظريات الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا عموما، نشهد منذ العصور الأولى للفلسفة نظريات فلسفية متعددة بشأن أمهات القضايا الفكرية الفلسفية. ومن الملاحظ هو اتفاق العلماء بشأن نتائج العلوم الرياضياتية والفيزيائية واختلاف آرائهم حول فلسفات هذه العلوم نفسها.

الفلسفة في جوهرها ممارسة للسؤال، وإتقان لفن طرح الأسئلة الصحيحة، وهذا أساس كونيتها، وهي في الوقت نفسه انفتاح دائم على الإجابات الإيديولوجية المتعددة، وهذا منطلق محليتها. لا يمكن للباحث الفيلسوف أن ينكر وجود جوهر كوني مشترك في الأجوبة الفلسفية، هو ما يحافظ على علمية الفلسفة نفسها.

إن كونية الفلسفة في أسئلتها الجوهرية الكبرى لا تعني تطابق جميع الأسئلة الفلسفية في عصر واحد أو في عصور مختلفة، ومقارنة بسيطة بين السؤال اليوناني الأول والسؤال الفلسفي الأوروبي الحديث تؤكد ذلك. في الإجابة الفلسفية يحضر الإبستيمولوجي (المعرفي) كما يحضر الإيديولوجي حدَّ التشبُّع به، وفي السؤال الفلسفي قد تحضر الإيديولوجيا وهي تفرض سؤالا بعينه دون غيره، ولكن غلبة المعرفة عليه أقوى في غالب الأحيان. ولا أظن أن باحثا عربيا قد أسس لهذا الاختلاف الفلسفي المشروع بشكل منهجي عميق ونافخ عنه بتفكيك أسبابه الجوهرية كما فعل الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه : “الحق العربي في الاختلاف الفلسفي” وهو يسقط مبدأ كونية الفلسفة.

غاية كل هذا هي الوصول على القول: إن ما يطرجه نقاد العقل السردي رأي فلسفي واحد من بين آراء فلسفية كثيرة، وهو ليس حقيقة قطعية من يرفضها يعد كافرا بالفلسفة،  والفلسفة ليست بالضرورة كفرا وإلحادا، لأن العالم اليوم يعج بالفلاسفة المؤمنين والملحدين على حد سواء.

هل الأديان عدمية فعلا؟

القول: “إن جميع السرديات عدمية لأنها تُشعل الخيال وتبرر تحمل الآلام في سبيل تحقيق اليوتوبيا (الوعد اليوتوبي الدنيوي و/أو الأخروي)، أو القول : إن الوظيفة الأيديولوجية للسرديات تقوم بتبرير الواقع عن طريق الحكاية، أي إنتاج مخدرات.” هو ضرب من التعامل الانتقائي الاختزالي المتطرف مع السرديات.
فليس صحيحا مثلا ( مع ملاحظة أني لا أعتبر الإسلام مجرد سردية) أن الإسلام عدمي، أو مخدر، إلا وفق قراءات داعشية أو قراءات سلطوية إذعانية، والتاريخ الإسلامي المعاصر غني برجال علماء قادوا حروبا ضد الاستدمار لتغيير واقع لا تبريره، كما هو حال بعض المتصوفة في شمال أفريقيا وحال بعض رجال الدين المسيحي في أمريكا اللاتينية.
هذه الاستنتاجات الخاطئة عن السرديات سببها اعتماد أشد القراءات للدين ظلامية، واستبعاد القراءات الحضارية الأخرى للوصول إلى نتيجة محددة سلفا، وشعور وهمي بوجود قانون عام يحكم السرديات جميعا.
إن السرديات جميعا، سلاح ذو حدين، ووجودها عبر التاريخ دليل على استحالة استغناء الإنسان عنها، يمكنها أن تؤسس للسلام كما يمكن أن تشعل الحروب، وهذا تبعا لعقل الإنسان وروحه ومدى هيمنتهما على رغباته ونزواته ونزعاته. أما التنبؤ باضمحلالها جميعا مستقبلا، فيعبر عن رغبة قلبية فقط، لا يوجد أي دليل واقعي يعززها ويثبتها.
من ينفي وجود الشر أو الخير، أو السعادة، وكل القيم غير المرئية في هذه الحياة، انطلاقا من قناعة فلسفية، يعتقد خطأ أن الإنسان مجرد كائن مادي ، وتلك حالة من لا يؤمن بشيء غير ما تلمسه يداه وتراه عيناه.

نعم لنقد العقل الروائي المحض وبعث العقل العلمي المؤمن

حصر القراءات التراثية جميعا تحت مسمى السردية، هو ضرب من التعدي الصارخ على الحقيقة العلمية، وإنكار حضور العقل المبدع في تاريخنا التراثي هو جناية كبرى بحق النزاهة الفكرية. شهد التفكير الإسلامي عبر العصور مدارس عدة، تغلَّب في البعض منها العقل الروائي على العقل الدرائي كما حدث العكس. ولا يزال تمدد الاتجاهين في جميع المذاهب والفرق الإسلامية أمرا واقعا لا يخطئه المتابع لعالم الأفكار وتطوراته. وما أصبح يشكل خطرا على أي نهضة حضارية هو تضخم العقل الروائي حد الدعوة للخرافات عند البعض، وتضخم العقل الدرائي عند البعض الآخر حد التيشير بالإلحاد. إن القرآن الكريم يؤكد على المنطق السنني في الكون وفي حركة الإنسان والتاريخ، ويرفض نسبة قوة تغيير الحركة التاريخية إلى جماعة بشرية محددة على طول التاريخ. إن السنن التاريخية مثل القوانين الفيزيائية والمعادلات الرياضياتية، لا تتخلف أبدا، وتجري على المؤمن والملحد، المسلم والمسيحي والبوذي والهندوسي واليهودي…..الخ.

هناك مستوى من الإحتمال واللايقين  يجري أيضا على الجميع، ويتجاوز الجميع، فقد يتدخل عامل طارئ يحدث تغييرا جذريا، لم يحسب له أحد أي حساب، تحركه حكمة عليا تفوق حكمتنا كثيرا جدا، إن فعالية جماعة بشرية خلال مرحلة تاريخية ما مرتبط بدرجة استيعابها للسنن الجديدة في العلم والاقتصاد والاجتماع والثقافة وتحركها بموجبها، وسعيها لامتلاك الوسائل النفسية و العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية لتحقيق ذلك.

ومن هنا تكون الثقة في العلم، على اختلاف اختصاصاته، ثقة في الله، واضع سنن العلم وقواننيه ونواميسه ومعادلاته.

 


 

[1]  https://couua.com/2021/01/07/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%A5/

[2]  ‘’Pédagogie, dictionnaire des concepts clés : Apprentissage, formation, psychologie cognitive’’

  1. Raynal-A. Rieunier.p366.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.