منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نظرات في كتاب “العبور إلى ضفاف زرقاء”

نظرات في كتاب "العبور إلى ضفاف زرقاء"/ محمد بوعنونو

0

نظرات في كتاب “العبور إلى ضفاف زرقاء”

بقلم: محمد بوعنونو

 

يعدّ “محمد بنيس” واحدا من الأدباء الذين أثروا المكتبة المغربية بمؤلفات وأبحاث نفيسة، وأسهموا بشكل فعال في إقامة صرح الأدب المغربي نثرا وشعرا، يظهر ذلك من خلال مساهماته المتميزة في مجالات الأدب والفكر والنقد، التي  تؤكد مكانته المرموقة داخل حقل الثقافة المغربي، وتجعل منه حلقة مهمة لا غنى عنها ضمن رجال الأدب العربي عامة والمغربي على وجه الخصوص.

ولعلّ كتابه الرائع “العبور إلى ضفاف زرقاء” الصادر عن “تبر الزمان” بتونس سنة 1998م، من بين أبرز أعماله التي تشهد له بالكفاءة والجودة في التصنيف والتأليف عموما.

فما مضون هذا الكتاب؟ وما هي القضايا التي تطرق إليها؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار هذا الكتاب مرآة تعكس الملكة الأدبية والفكرية للأستاذ محمد بنيس؟

ذلك ما تحاول هذه الأسطر الإجابة عنه.

1- دراسة الغلاف:

أول ما يشد انتباه القارئ لهذا الكتاب هو طغيان اللون الأزرق على الغلاف، واللون الأزرق في الثقافة العربية يوحي بالخوف والفزع والرعب، ذلك أن العرب كانت تتشاءم من اللون الأزرق وتتحاشى ذكره، ومنه نستشف نفسية الكاتب المضطربة، أو على الأقل أن ما سيتطرق إليه يثير الفزع والاضطراب في شخصيته.

ثم إذا أمعنّا النظر إلى غلاف الكتاب وجدنا ثلاثة كراسي متناظرة، على أحدها صورة الشاعر الفرنسي “آٍثر رامبو”، وفي أسفل واحد منها صورة للمسجد الأقصى، بينما الكرسي الثالث لا شيء فيه، ومن وراء هذه الكراسي الثلاثة يظهر مسجد عتيق على الطريقة المغربية، الشيء الذي يجعل القارئ يأخذ فكرة أولية عن مواضيع الكتاب.

من وسط اللون الأزرق الساجي على غلاف الكتاب نرى شيئا يسيرا من اللون الأبيض، كأنّ الكاتب لا زال في جعبته الكثير مما يقول، لكن ربما فضل إرجاءه إلى وقت لاحق.

2- دراسة العنوان:

جاء عنوان هذا الكتاب خبرا لمبتدأ محذوف تقديره “هذا”، ويجوز أيضا إعرابه مبتدأ والخبر محذوف يقدّر بما يناسب.

فهو مركب اسمي من ثلاثة أسماء وحرف جر، والكلمات المشكّلة لهذا العنوان قوية من حيث الدلالة والعمق المصطلحي، إذ تعطي للقارئ فكرة أولية عن مضمون الكتاب، فالعبور يقتضي وجود حائل بين شيئين، والضفاف توحي بعدم التوغل في المكان بعد العبور والاكتفاء بالضفة والجانب، وزرقاء صفة ذات دلالات مرعبة ومفزعة كما سبقت الإشارة إلى ذلك ءانفا.

بناء على ما تقدم يفترض القارئ أنه بصدد كتاب يثير قضايا مؤرقة، على الأقل من وجهة نظر صاحبها. فهل تصح هذه الفرضية؟

3 – مضمون الكتاب:

يضم هذا السفر نصوصا مختلفة المشارب ومتنوعة الأغراض والمآرب، يفصل بينها بأبيات من الشعر الحر، تنفيسا عن القارئ وتنشيطا، وانتشالا له مما قد يقع فيه من الملل والفتور أثناء السفر بين ثنايا هذا السِّفر.

ففي النص الأول الذي صدّر به الكتاب والذي جعله تحت عنوان: “صرخة الضوء” نجده ينفث شوقه إلى أزهار فلسطين ومروجها، ويذوب حنينا إلى تلالها وهوائها، وتنسكب عاطفته جداول من حبّ، ثم  ما تلبث أن تتدفق سيلا جارفا يهدّ الروح المحرومة من فلسطين، ويزلزل أركانها.

إنها صرخة اتخذت شكل كلمات وجمل وعبارات، تكتنز آهات ودموعا وأحزانا على فلسطين، وعلى منعه من دخول أراضيها المباركة وهو على خطوة واحدة منها، بعدما شارك في حدث ثقافي في الأردن.

أما في النص الثاني المعنون بـ”رسالة إلى رامبو” فنجده يتقاسم مع هذا الشاعر الفرنسي الثائر، بعض القضايا النقدية والشعرية، ويشاركه هواجسه ونظرته إلى الحياة عموما، إنه عبارة عن دفقة شعورية مختلفة المضامين يلقي بها إلى “رامبو” عسى أن يتخفف من آلامه وأوجاعه، مؤمنا بأن الأدب والشعر رحم بين أهله، بغض النظر عن التوجهات والديانات والمعتقدات والأصل والفصل.

إن محمد بنيس يوحي إلينا في هذا النص إلى أن الشعر لغة العالم أجمع، إنه قبس يذيب جليد الخلافات ويقضي على فتيل التوترات، ويقرب في الآن ذاته بين المسافات.

وفي النص الأخير الموسوم “بالقبر”، فعبارة عن رسائل افتراضية موجهة بالأساس إلى كتاب ومفكرين وشعراء وافتهم المنية، يعبر لهم فيها عن أفكاره ووجهات نظره، وانطباعاته عموما، التي من خلالها تظهر فلسفته في الحياة ونظرته إلى الموت والقبر، القبر الذي لا يتأفف من ذكر اسمه، بل وينطقه بلذة ومتعة، تماما كما ينطق كلمة: وردة أو كتاب أو أنثى أو فراشة…

ليخلص في الأخير إلى أنه قد مات هو أيضا من زمن بعيد، وأن حياته هذه ليست سوى الزمن الفاصل بين الغسل والكفن والدفن.

4- المعجم:

قيمة البناء بقيمة الأحجار التي بُني بها، واللبنات التي شُيّد بها، لذلك فإن الكلمات والعبارات التي بنى بها الأستاذ محمد بنيس عمله هذا قوية في ذاتها وعميقة في دلالاتها، بل إن عبارة واحدة قد تكتنز معان كثيرة لمن يجيد قراءة ما بعد الكلمات وما وراء العبارات، بل إن بعض العبارات والجمل قد ترتقي عن النثر إلى درجة الشعر، كقوله مثلا: { تمهلي يا حمّاي في غزو أشلائي} وقوله: { أتوقف منحنيا لأقرأ دم المعزولين وأبلل خلاياي بنشيد التائهين}، وغير ذلك  من العبارات والجمل ذات المعاني العميقة جدا، الشيء الذي يضفي على الكتاب قيمة كبيرة ويزيده أهمية، ويؤكد ملكة الأستاذ بنيس اللغوية والأدبية.

5 – الأساليب البلاغية:

وظّف الكاتب مجموعة من الأساليب البلاغية لعرض أفكاره ومحاولة إقناعنا بآرائه، لكن يمكن تلخيص هذه الأساليب في الآتي:

  • الأسلوب الخبري: وهو الأسلوب السّاجي على محتوى الكتاب، وقد اتخذ عدة صور نذكر منها:
  • التشبيه.
  • التفسير والتوضيح.
  • التوكيد.
  • الكناية.
  • الاستعارة.
  • الأسلوب الإنشائي: وهو قليل مقارنة مع الأسلوب الخبري، وقد اتخذ هو الآخر أشكالا متعددة نذكر منها على سبيل المثال:
  • الاستفهام.
  • التعجب.
  • التمني.
  • النداء.
  • الأمر.
  • النهي.

خاتمة:

إن كتاب “العبور إلى ضفاف زرقاء” قد اجتمعت فيه كل مواصفات الكتاب الممتع والجيد، وعكس بشكل واضح ملكة وقدرة الأستاذ “محمد بنيس” الفكرية واللغوية والأدبية، مما يجعل من مطالعته أمرا ضروريا لمحبي الأدب والفكر عموما.

لكن هل سيتفق معي القراء فيما ذهبت إليه، أم أن لكل قارئ انطباعه الخاص خول مضامين الكتاب؟ ذلك هو السؤال الذي ستختلف الآراء والأفكار في الإجابة عنه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.