منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دورة: المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية (تقرير)

دورة: المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية (تقرير) /إعداد: أسماء عابد الله و ذ.عزالدين حدو

0

دورة: المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية (تقرير)

إعداد: أسماء عابد الله و ذ.عزالدين حدو

 

في إطار أنشطته العلمية والتكوينية، نظم مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث  دورة علمية تكوينية حول؛ المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية، يومي 15-16 مارس 2022، بإشراف وتأطير ثلة من الأساتذة ذوي الكفاءة والخبرة في مجال البحث العلمي.

انطلقت أشغال هذه الدورة يوم 15 مارس بمحاضرتين، الأولى قدمها الأستاذ الدكتور مصطفى عطية جمعة وهو من الهيئة العامة للتعليم والتدريس بجامعة الكويت، وأستاذ مشارك بجامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكانت بعنوان “منهجية التحيز الفكري وتطبيقات معرفية على فكر العالم الأمريكي البروفسور إدوارد سعيد”.

والثانية قدمها الأستاذ الدكتور محماد رفيع، وهو أستاذ أصول الفقه والمقاصد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، ورئيس مركز النظر المقاصدي، وكان موضوع محاضرته “منهج البحث في العلوم الإسلامية “.

في بداية هذا اللقاء العلمي الأكاديمي بدأ الأستاذ المسير الدكتور زكرياء السرتي رئيس مركز ضياء بالترحيب بالسادة الأساتذة الباحثين وأعضاء اللجنة العلمية، ثم قدم بعدها كلمة تعريفية عن السادة الأساتذة مؤطري هذه الدورة.

بعدها أخذ الكلمة الاستاذ الدكتور مصطفى عطية جمعة الذي قدم تصورا حول منهجية التميز الفكري ودراسته عند المفكر إدوارد سعيد، حيث أكد في منطلق حديثه عن حقيقة منهجية التحيز الفكري الذي هو نتاج مجموعة من منهجيات البحث العلمي ذات الصبغة البشرية المعتمدة في البحث، لكن هذا لا يمنع أن تنضوي وتتحيز لتعصب معين سواء الدين أو اللغة أو العرق، وبالتالي غياب الموضوعية وخاصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وهذا ما تجسده لنا مجموعة من الأحداث التي تنقلها الأخبار التي تنتصر لهوية وموروث ثقافي معين، فالتحليل التاريخي للأحداث مثلا  يمتح من التاريخ ومن الواقع، لكنه يفسر في ضوء مجموعة من التحيزات وبالتالي التحيز كامن في مختلف الظروف والأحوال.

ومثل لذلك بقضية تحليل العرب للتاريخ الإسلامي ( المماليك، العثمانيين )  فعلماء التاريخ لدى العرب يقولون بتخلف دولة المماليك، وهي نفس المقولة التي رددها المستشرقون وذلك طبعا باعتمادهم المنهج التاريخي والتحليل التاريخي، والقراءة التاريخية، أما إذا قسنا بمقاييسنا وعدنا الى التاريخ فسنجد أن دولة المماليك قامت بتصفية الوجود الصليبي.

وفي الطرح نفسه أشار الدكتور مصطفى عطية جمعة إلى أن التحيز في جوهره كما يشير عبد الله ابراهيم- هو نمط من التفكير المرتفع الذي ينغلق على الذات ويحصر نفسه في منهج معين

ينحبس فيه ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته  كما يوظف كل المعطيات بغية تأكيد صحة تلك المعطيات. فأيا كانت الإشارات الواردة إليك والقضايا التي تعرض عليك فإنك تتلقاها حسب تحيزاتك وقناعاتك مشيرا للعلاقة بين التحيز والتسلط، حيث يرتبط التحيز هنا بالنزعة المتسلطة التي تنتصر للذات ولقناعات الإنسان القوي بغض النظر عن عدالتها وارتباطها بالقيم الإنسانية السامية.كما هو الحال في تحيزات الاستعمارالغربي في دعواه لاحتلال العالم العربي.

ثم عرج بعدها للحديث عن التحيز وتلاعبات الإعلام معتبرا أن هذا التحيز لا يتحقق إلا من خلال وجود مؤسسات وأدوات ووسائل تدعم ذلك وهو ما يسمى بالتلاعبات الإعلامية، هذا الإعلام المغذى بكلام الخبراء والأكاديميين،  الشيء الذي يضفي عليه تلك الصبغة المنطقية والعلمية. فالذراع الأول لهذه المنظومة هو الإعلام والذراع الثاني هو المثقف والباحث الأكاديمي .

كما تطرق من خلال مداخلته كذلك إلى إبراز ضرورة التحيز، ذلك التحيز لما هو خير وما هو إنساني إذ يجب احترام هذه التحيزات ما دامت لا تنفي الآخر ولا تحتقره والتحيز يصدق على الفرد كما يصدق على الجماعة أو المجتمع، بمعنى أن الجماعة-صغرت أو كبرت- لها تحيزاتها المسبقة التي تبنى عليها مواقفها.

وهذا ما يفسر لنا حالة التوحد بين غالبية المجتمع عندما يتعرضون لقضية جديدة، فيتشكل منهم موقف عام، مبني على تحيزاتهم المشتركة، حتى وإن اشتدت آراء هنا وهناك، ضد السياق العام، فهذا لا ينفي وجود قواسم مشتركة من القناعات المتحيزة.

انتقل الدكتور بعدها للحديث عن تقاطعات التحيز التي هي على صلة وثيقة بالفكر ما بعد الحداثي، الذي واجه حركة الحداثة الغربية ومركزيتها الفكرية وما ساد فيها من حثمية ميكانيكية وواحدية مادية ساحقة وعلمانية فجة، تعمل على إقصاء كل ما هو آخر سوى المادة، وعلى إنكار للقيمة بكل أبعادها.

بعد حديثه عن إشكالية التحيز وتقاطعاتها، عرض الدكتور المذهب الفكري للمفكر إدوارد سعيد، باعتباره فكرا يجسد هذا التحيز بمبدئه ومنهجيته المرتكزة أساسا على ما يسمى بالحركية الفكرية التي جعلته يرتشف من مختلف الثقافات والأفكار والمناهج والعلوم، فهو لم يعرف ركونا ولا جمودا، إنما كان التجديد عنوانه، والحقيقة مبتغاه، والقيم الإنسانية دينه…

كما أشار إلى تحيز المفكر إدوارد سعيد للعروبة والإسلام، وانتماؤه للثقافة العربية الإسلامية وإن لم يكن غير مسلم، وبالتالي فهو تحيز مضاد ضد الغرب ومقولات المستشرقين التي تسعى إلى تقديم الإسلام بصورة نمطية.

مشيرا في ختام كلمته إلى أن موضوع التحيز الفكري من حيث كونه حقيقة، كائن موجود، ولكن لابد من السعي والنظر من أجل فهم انحيازاتنا ومن ثم تخليصها مما هو غير إنساني والدفاع عن المظلوم، وهو ذلك الدور الذي جسده إدوارد سعيد، حيث عكس بشكل جلي تحيزاته المستقاة من تكوينه الشرقي العروبي، ومن معرفته للإسلام عن كثب، مما يعني تناغما في شخصيته الذي انعكس على إنتاجه الفكري.

أما الدكتور محماد بدأ عرضه بمقدمات البحث في علوم الشريعة، وهي مقدمات لابد منها، حيث قسمها إلى مقدمات معرفية، ومقدمات منهجية، ودعا إلى ضرورة استيعاب خصائص هذه المعرفة الشرعية، والمتمثلة في:

  • مرجعية التأصيل والاحتكام.
  • إلهية المصدر.
  • إنسانية الموضوع.
  • بشرية التفريغ والتأويل والتنزيل.
  • شمولية الزمان والمكان والموضوع.
  • وأخيرا عقلانية المنهج.
  • كما أكد على ضرورة حضور ثنائيات منهجية ناظمة للبحث في الشريعة، وهي:
  • ثنائية الوحي والكون.
  • ثنائية الدنيا والآخرة.
  • ثنائية المصلحة والمفسدة.
  • ثنائية قصد الشارع وقصد المكلف.
  • ثنائية الكلي والجزئي.
  • ثنائية الأصلي والتبعي.
  • ثنائية الحال والمآل.
  • ثنائية القطعي والظني.
  • ثنائية النص والاجتهاد.
  • ثنائية المجمع عليه والمختلف فيه.
  • ثنائية الراجح والمرجوح.
  • ثنائية المقبول والمردود.
  • ثنائية العزيمة والرخصة.
  • ثنائية الأمر والنهي.
  • ثنائية المنحتم وغير المنحتم.
  • ثنائية الطلب والخبر.
  • ثنائية الواضح والخفي.
  • ثنائية المنطوق والمفهوم.

ثم انتقل للحديث عن مقومات الباحث المبدع، وكيف يتم صناعة الباحث المبدع من خلال ثلاث مؤهلات: مؤهلات معرفية، منهجية، وتربوية.

أما في ما يخص مقومات البحث الإبداعي؛ فلابد من حضور مجموعة من المقومات:

  • مقوم الجودة والجدوى.
  • مقوم المنهج.
  • مقوم العمق العلمي.
  • مقوم المرجعية.
  • مقوم النتائج والتوصيات.

 

بعد تقديم الورقتين العلميتين أتاح الأستاذ المسير فرصة لإلقاء كلمة موجزة للأستاذ الدكتور فؤاد شياب، أستاذ القانون التجاري المساعد -كلية الحقوق، بالمملكة العربية السعودية- في موضوع “مناهج تحرير البحث القانوني”

هذا وقد اختتمت الجلسة العلمية بفتح باب المداخلات والأسئلة والاستفسارات التي أجاب عنها السادة الأساتذة المشاركين في هذه الجلسة.

اليوم الثاني:

وفي اليوم الثاني كان موعد الحضور مع محاضرتين حول: مناهج تحرير البحث القانوني، أطّرها الدكتور فؤاد شهاب شيات –كلية الحقوق السعودية- ومحاضرة:  هندسة البحوث التربوية؛ مداخلها المنهجية، أطّرها الدكتور محمد بنعمر أستاذ التعليم العالي –وجدة.

أولا مناهج تحرير البحث القانوني:

جاءت محاضرة الدكتور فؤاد لتجيب عن الأسئلة التالية:

  • ماهو المنهج القانوني؟
  • ماذا نقصد بالمنهج الوصفي؟
  • ماذا نقصد بالمنهج التحليلي؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاث بسط فضيلته لمفهوم المنهج الذي لخصّه في كونه: المبادئ والقواعد والخطوات التي يتوصل بها إلى نتيجة علمية. وتكمن أهمية المنهج في صياغة البحث القانوني كونه المعيار في تصنيف المعرفة القانونية بأنها تدخل في العلم القانوني. ثم أسار إلى أن تحرير البحث القانوني يحتاج إلى :

  • معرفة قانونية: أي اتساع المعرفة بموضوع البحث ومشكلاته وما يثيره من قضايا علمية.
  • سلسلة من المهارات الرصينة التي ينبغي تعلها من أهمها: مهارة التفكير – مهارة التطبيق

فالمنهج القانوني من خلال ما سبق هو: طريقة التفكير التي تسهم في إنتاج معرفة قانوينة، وتنقلها إلى مجال الحقيقة القانونية أو العلم القانوني بمختلف فروعه.

ثم ذكر المؤطر بأن الدراسات القانونية في حقيقتها تقوم على التمييز بين نوعين من المناهج:

  • المنهج الوصفي:القانون كما هو.
  • المنهج التحليلي: القانون كما يجب أن يكون.

فيما يتعلق بالمنهج الوصفي فقد عرفها بكونه الوسيلة أو الأسلوب  الذي يتبعه الباحث ليبان وشرح وتبيين القانون كما هو. فيقتصر عمله على الوصف والشرح والتوضيح والاستنباط والتأصيل والمقارنة. ولهذا المنهج عدة ضوابط وهي:

  • الإحاطة بالمعرفة القانونية وعرضها بشكل محايد ونزيه.
  • الانطلاق من قناعات معينة يتوجب إثباتها.

أما أهداف هذا المنهج فقد أجملها المؤطر في:

  • تحديد مدى احترام النص أو القاعدة لتلك الأعلى قيمة من حيث التسلسل الهرمي.
  • بيان مدى انسجام نصوص القوانين ذات المرتبة الواحدة مع بعضها البعض.
  • تحديد الطبيعة القانونية لفعل أو تصرف أو مؤسسة ما.
  • تحديد النظريات التي يمكن أن تنطبق على عدد من الحالات التفصيلية.

أما أسئلة تحقيق المنهج الوصفي فقد حددها الدكتور فؤاد في:

  • ما هي أسباب تطبيق نص ما أو نظرية معينة؟
  • ما هي الآثار المتربتة عن تطبيق قاعدة معينة؟
  • ما هو الأساس القانوني لفكرة قانونية معينة؟
  • كيف نشأت النظرية أو المفهوم محل البحث؟
  • كيف أثّرت النظرية في الصناعة القانونية؟
  • ماهي القواعد المشتركة بين عدة حالات قانونية؟
  • هل يمكن تطبيق النظرية أو المفهوم على مسائل محددة؟

أما أنواع المنهج الوصفي فهي كما جاءت في العرض:

  • المنهج التاريخي.
  • المنهج الاستنباطي.
  • المنهج المقارن.
  • المنهج التأصيلي

ثم جاء الحديث عن المنهج التحليلي الذي يقيم حكما على النص من خرجه ويقوم بتحليله إما بالمقارنة مع القواعد المثالية الطبيعية وإما بالمقارنة مع الحقائق المجتمعية، فهو لا يقيم حكما من الناحية الشكلية وإنما من ناحية المضمون.

وفي أنواع المنهج التحليلي حسب المحاضر نجد:

  • منهج القانون الطبيعي: الذي يضع القواعد القانونية من حيث مضمونها في مواجهة مع القيم العليا والمثالية، كما ينتهج دراسة نقدية للقواعد القانونية بالمقارنة مع مبادئ مثالية ليست مقننة من قبل السلطة الرسمية وإنما مستوحاة من قبل تسمو على القانون، كما أن الحقيقة القانونية يتم تحيليها انطلاقا من القانون الوضعي ولكن على ضوء القانون الطبيعي. وهو الجهد المبذول لانتزاع العدالة من المادة القانونية باستمرار. ويطبع منهج هذا القانون في القوانين التي تجعل من الشريعة الإسلامية مصدرا لها، وفي القوانين التي تجعل من الشريعة الإسلامية حاكمة على النص.
  • منهج الوضعية المجتمعية: وهو قانون يقوم على أساس أن القاعدة القانونية تستقرأ من الواقع المجتمعي، ويتم تطبيق هذا المنهج كمنهج علمي أي محايد بدون أحكام مسبقة، فهو استقرائي وليس استنتاجي. وفي ظل هذا المنهج تعلو الوضعية الرسمية على الوضعية المجتمعية في كثير من الأحيان، كما أن فاعلية القاعدة لا تشكل جزءا من ماهية القاعدة القانونية، ومن مبادئه أيضا أن القانون ليس من مهمته وصف الحقائق دائما بل إنه يطبق عليها.
  • المنهج المقارن التحليلي: وهو منهج عقلي يركز على مسألتي التشابه والاختلاف بين النصوص والأنظمة القانونية من أجل استخلاص قاعدة أو نظرية أو تبني مفهوم واضح. فهو منهج يؤدي إلى اكتساب معلومات جديدة في حقل معين. ومن ضوابطه إلا يقتصر صاحبه على مجرد وصف لقانون وضعي معين أو استعراض وتكديس نصوص قانونية، كما يوجب اختيار عينة ملائمة للمقارنة، ويوجب أيضا نبذ القانون الأجنبي والمحافظة على خصوصية القانون الوطني.

وفي ختام هذا العرض ذكّر المؤطر بأنه استهدف من مداخلته تبسيط المنهج القانوني وسبر أغواره بطريقة واضحة قابلة للتطبيق بشكل عملي.

ثانيا: هندسة البحوث التربوية؛ مداخلها المنهجية

استهلّ الدكتور بن عمر محاضرته بتعريف مختصر لمفهوم البحث التربوي وهو: أن البحث التربوي التدخل يتأسس على ثلاثة عناصر وهي:

  • أن يكون تربويا
  • أن يكون عمليا تطبيقيا
  • أن يكون تدخليا أي اقتراح حلول للمشكل التربوي

فالبحوث التربوية تندرج ضمن البحوث التنموية، أن تريد أن تساهم في التنمية، وقد كان منطلقها من الغرب لأن العلوم هناك لم تعد نظرية بقدر ما اتجهت الى البعد التطبيقي من أجل تنمية المجتمع. كما أن من عناصر البحوث التدخلية ينبغي أن يكون من أسرة التربية والتعليم وممارسا بهذه الوظيفة.

فالبحث التربوي التدخلي هو نتيجة للنسق العلمي الابستمولوجي للعلوم اليوم، لأنها أخذت تنحو منحى تطبيقي عملي ينفع الإنسان. ومن نماذج البحوث التدخلية هناك عنوان: استثمار الموارد الرقمية في التدريس؛ درس اللغة العربية في المدرسة الابتدائية أنموذجا، فلإنجاز هذا البحث لا بد من الأخذ بثلاث عناصر:

  • الشق التمهيدي (موضوع البحث، أهمية البحث وأهدافه، إشكالية البحث، فرضيات، المنهج، حدود البحث، الدراسات السابقة، خطة البحث)
  • الشق النظري
  • الشق التطبيقي
  • النتائج والتوصيات

ثم بعد مداخلة الأستاذ بنعمر فتح المجال للحاضرين الذين أغنوا الدورة باسئلتهم وإضافات مكملة حول موضوع الدورة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.