منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منحوس(قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

قال الراوي:

إذا سألتم عني من أنا، سأخبركم بكل فخر:

أنا تاريخ للأخطاء..ولدت خطأ ونشأت خطأ، وغرقت في الأخطاء حتى النخاع، وإذا كان تمة شيء أحسنه، فإنه الخطأ.

قالت لي والدتي ذات يوم:

حبلت بك، لأني نسيت تناول الأقراص، وكانت أيام الحمل عسيرة جدا، منعتني الراحة والنوم، والتمتع بملذات الحياة..

المزيد من المشاركات
1 من 29

كانت ضرباتك توقظني في ساعات متأخرة من الليل، وحين الوضع، تخلصت منك بشق الأنفس، ولما نبتت أسنانك كنت تنهش حلمتي ثديي، فاضطررت لمنعهما عنك قبل أن تتم الرضاعة..

ولم تكد تتعلم المشي حتى هرعت للشارع، فصدمتك سيارة، ولولا لطف الله لكنت الآن بين الأموات..

تنهدت وقالت: لو كنت أعلم الغيب ما ولدتك أو عطفت عليك..

وأضافت:

بعد الحادثة بقليل، أصابتك حمى، كادت أن تفتك بك، فطفت بك على عدد من الأطباء والعشابين والمشعوذين، وليتني لم أفعل!

كانت يداك لا تكفان عن الحركة والشغب..

وكنت تتلف الأثاث، وتكسر الأواني باستمرار، ثم ما لبثت أن أسرعت إلى الموقد، وأسقطت الآنية من فوقه، فأحرقت فخذك، آنها غضب أبوك وأقسم علي بالطلاق، ولولا تدخل الأهل والأقارب، لكنت أتسكع بك في الطرقات..

مقالات أخرى للكاتب
1 من 59

وحين شفيت، سقطت على صخرة، فانكسر ساقك..

أي منحوس أنت..

وقال والدي:

يوم مولدك، تشاجرت مع أحد الزبناء، وتبادلنا الضرب واللكم..أصابتني لكمة نفخت أوداجي شهرا كاملا، ثم ما لبث أن كسدت تجارتي وفقدت أموالي..

ومن تمة، والأمواج تتقاذفني من كل جانب، والمصائب تمطرني من كل الجهات..

وقالت أختي:

قبل ولادتك كنا في عز وهناء، وبعدها، حلت علينا اللعنة، كأننا كفرنا بالإله..

لم خرجت إلى الدنيا!؟

دخلت المدرسة، لكن الدراسة لم تطاوعني، وكان أساتذتي يتنبؤون لي بمصير فاشل..

قال معلمي البدوي:

لن تتعلم حتى يصبح حماري الأشهب فقيها..فأخذ زملائي يضحكون ويهزؤون بي، وحين غضبت، وضربت أحدهم بلكمة، أدخل رجلي في القمطر، وانهال علي بالضرب، حتى تورمتا..وعلق على ظهري ورقة كتب فيها: منحوس.

كان هذا الحادث دافعا لي، كي أشمر عن ساعدي، وأضاعف الجهد، حتى انفتحت لي أبواب المعرفة، فبهرت الجميع بتفوقي، وخاصة اللغة الفرنسية.. وفي إحدى العطل لقيتني إحدى الفرنسيات، وعرضت علي التبني، ووعدتني بالخير العميم، والسعادة الأبدية..لكني رفضت، وآثرت بيع الهندي والسجائر، والتسكع والاشتباك مع الأقران..

ما أتعسني

أحبتني أستاذة الفرنسية، لتفوقي واجتهادي في دراستي، ونشأت بيننا علاقة حميمة، حتى صرت أصحبها إلى البيت، فتحكي لي أسرارها وأفراحها، وتشكو إلي آلامها، وتأخذني إلى الحدائق والمنتزهات، لكني بدأت أنظر إليها نظرات خائنة، فغضبت وطردتني من حياتها..

أي أحمق كنت..

تعرفت على إحدى الزميلات، وتقربت منها أكثر..عاملتني باحترام وأخوة، لكنني طمعت في المزيد..عرضت عليها حبي ورغبتي في إكمال المسير حتى نهاية العمر، فاطمأنت لي وسلمتني قلبها، وبدل أن أحافظ على هذا الحب الملائكي، استغللت ضعفها، وحرمتها من أعز ما تملك..

إني حقا لحيوان

ومع ذلك، سامحتني وسترتني، آملة أن ننضج معا، ونصلح الخطأ.. لكن نحسي وخبثي لعبا معي لعبة القدر، ودفعاني لأن أتنكر للجميل، وأتعرف على أقرب صديقاتها، وأطعنها في القلب..

فما كان منها، سوى أن تعترض طريقي في ذلك المساء الأكثر نحسا وقسوة، وتطعنني في الظهر! ولسوء حظي، وليس لحسنه، تم نقلي إلى المستشفى، وإنقاذي من الموت..

لكن جسدي لم يعد قادرا على الحركة، و عقلي شل عن التفكير، وها أنذا أرقد جامدا، ممددا، مشلولا..في انتظار زيارة والدتي وعتابها الدائم:

أيها المنحوس، لماذا لم تمت، فننتهي من همك، ومن ذكراك!؟

وها أنذا أتحقق حق اليقين:

أنني منحوس..

حفظ الله القارئ الكريم والقارئة الكريمة من النحس والمنحوسين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.