منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نداء الفجر

رشيد الذاكر

0

طاعة الله تعالى والاستجابة لأوامره من المِيزات التي ينفرد بها المسلمون في هذه الزمان ومن قبل، وتعظم درجة هذه الاستجابة كلما كان الأمر متمحضا في العبودية، بل تتجاوز الحدود إذا كانت الاستجابة تسيير خلاف الشهوات والدعة والكسل، ومن هذا الاستجابة لنداء الفجر، هذا النداء الذي بدا قبل النداء على المآذن: في سورة الاسراء في قول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] فهذه الآية على وجازتها تتضمن الصلوات الخمس وبيان ذلك: أن قوله {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أي: ميلانها إلى الأفق الغربي بعد الزوال، فيدخل في ذلك صلاة الظهر وصلاة العصر، وقوله {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} أي: ظلمته، فدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء. وقوله {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} أي: صلاة الفجر[1]

والمقالة التي بين يديك سوف تقتصر من الآية على صلاة الفجر وحدها: لعلها توقظ منك نفسا قد نامت عن الفجر زمنا، وتحي فيك روحا قد ماتت مدة عندما غُيبت عن فطورها الإيماني في صلاة الفجر، وتعيد للعقل قيمته عندما توقظه في وقت الصفاء والهدوء…

وقبل الوقوف مع جلال وجمال وروعة هذا النداء الرباني لصلاة الفجر يجب أن نذكر ببعض المرتكزات الكبرى التي تدفع المسلم للاستجابة لنداء الفجر:

  • المرتكز الأول:

أننا مخلوقون ومختارون من قبل الله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] وليس لنا أي اختيار في هذا الخلق بل هو محض تفضل من الله، ولو لم يُرد الله أن يخلقنا لم نكن شيئا مذكورا: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } [الإنسان: 1]

فإذا ثبت هذا واستقر في النفوس فإن من القواعد الكبرى في الحياة: (أن الصنعة طوع الصانع) فكل مصنوع: الأصل في صناعته، أن لا يشتغل إلا وفق إرادة وتخطيط الصانع، ولا يخالف آوامر الصانع إلا إذا حدث فيه خلل أو عيب.

ونحن ندرك غاية الادراك أننا صنعة ربانية، أعطيت حق الاختيار في الطاعة والمعصية… وأننا لن نترك الاستجابة لله: إلا بوجود عيب فينا، فيجب إصلاح الخلل كي نعود للعمل الطبيعي والفطري الذي خلقنا الله عليه,

  • المرتكز الثاني:

أن الوجود نعمة لا تقارن أبدا بالعدم، ولذلك يقول أهل العلم: إن أول نعمة أعطيت للإنسان هي نعمة الخلق والإيجاد.

وإن من قواعد: معاملة النعم والعطايا أن تقابل بالشكر، والله قد أعطنا من النعم ما لا يعد ولا يحصى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } [إبراهيم: 34]

وإن من رحمة الله أن علمنا كيف نشكره وأعظم طرق الشكر لله تعالى: طاعته والاستجابة له: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } [النساء: 147]

  • المرتكز الثالث:

الحياة رحلة مستمرة لا تتوقف حتى توصل صاحبها للدار الآخرة: فلا شيء في هذا الوجود يتكرر أبدا في نفس الزمان، وإنما الحياة ماشية ماضية، لا تعرف التوقف و الاستراحة.

فالحياة مركوب والإنسان راكب والعاقل من يحسن الركوب: قال ابن عباس رضي الله عنه: (اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَطِيَّتَانِ فَارْكَبُوهُمَا بَلاَغاً إِلَى الآخِرَةِ)[2] وإن من العقل والذكاء أن المسافر: لا يتحرك بدون زاد: وإن زاد السير إلى الاخرة هو تقوى الله تعالى وطاعته: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]

إذا تقرر هذا فنحن عائدون إلى  نداء الفجر في سورة الإسراء في وقفات علنا نقتبس من أنواره ما نضيء به الطريق ونتزود منه ما يبلغنا الجنة بإذن الله عز وجل.

  • الوقفة الأولى:

إن الذي يخاطبنا هنا أيها السادة: هو رب العزة سبحانه، ونحن عبيده، فالواجب إذن إعلان الطاعة والاستجابة للنداء: تحقيقا للسماع {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20، 21]، فتأملها بعين البصيرة تجد أن السماع لا يكون سماعا إلا إذا تحققت الاستجابة، وذلك أن هؤلاء يقولون بألسنتهم سمعنا بآذاننا وهم لا يسمعون، أي لا يتعظون ولا ينتفعون بسماعهم فكأنهم لم يسمعوا.[3]

فالله جل جلاله يريد منا القيام للفجر، هذا النداء لن نكون قد سمعناه إلا إذا طبقناه، ومن لا فلا.

  • الوقفة الثانية:

الله جل جلاله لم يسم هنا صلاة الفجر بالصلاة: وإنما سماها بالقرآن (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) وذلك لأن حضور تلك الصلاة، إنما كان بنداء القرآن، وكذا لطول ما يقرأ فيها من القرآن، وقد يقول بعض العلماء: أطلق الجزء وأراد الكل[4]، أو عبر عن أفضل ما في صلاة الفجر وهو القرآن:

وأنت خبير على جهة اليقين: أن أفضل الصلوات المفروضة التي يسمع فيها القرآن: صلاة الفجر: لطول ما يقرأ فيها، مع الهدوء التام في وقت الفجر، وصفاء النفس المستيقظة في ذلك الوقت، والشعور بلذة وطعم وجمال الصلاة، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»[5]

  • الوفقة الثالثة:

كرر الجملة الدالة على الصلاة مرتين: مع أنه يمكن أن يُستغني عنها بإشارة الضمير: كل ذلك لتكرار قرع الأسماع، فالأُذن التي أسلمت لربها يكفيها النداء مرة، فكيف الحال بتكرار النداء، بل جاء القسم به  في سورة آخرى (بسم الله الرحمن الرحيم وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ  وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ  وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ)

وإن من دلائل قسم الله جل جلاله بشيء من خلقه:: عظمة المقسوم عليه، وما عظمه الله تعالى: يجب على المؤمن أن يعظمه، وههنا الله قد أقسم بالفجر:

فهل يستقيم: أن لا يكون للمسلم في قلبه تعظيم له، وقيام بحقه؟

  • الوفقة الرابعة:

وتختم الآية الدالة على ضرورة حضور الفجر: بعبارة موحية بمدى تعظيم الله تعالى لهذه الصلاة:  (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) وقد ثبت تفسيرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:  بما يُحي النفوس الميتة في وقت الفحر لتعود للحياة لعلها تشهد هذا الخير والعطاء الرباني، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَضْلُ صَلاَةِ الجَمِيعِ عَلَى صَلاَةِ الوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَجْتَمِعُ مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ» يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ” اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78][6]

 فإذا كانت هذه الصلاة تحضرها ملائكة الله، المكلفة بالإنسان: فهل يعقل أن يغيب عنها المخاطب بها ابتداء؟

  • الوفقة الخامسة:

هذا النداء الرباني: إنما يستجب له: من كان قلبه عامرا بالخوف من الله تعالى، فإذا استقر خوف الله في قلب المؤمن، فإنك لا تجده إلا حيث أمر الله، ومادام الله قد أمر بالقيام للفجر، فإن نفس الخائف، دائرة مع الأمر وجودا وعدما تصديقا لقول الله جل وعلا: { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [النحل: 50] ولهذا تثبت في الحديث عن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»[7].

كما يستجب له: أيضا قلب عامر بحب الله تعالى: معظما لكل أمر من عند الله تعالى، فلا تراه يسمع النداء، إلا ويطير قلبه شوقا لصلاة الفجر، لأنه يعلم أن وقتها لحظات لمناجات رب الأرض والسماوات.

  • الوقفة السادسة:

إنَّ من أعظمِ الأسبابِ المعينةِ على القيامِ لصلاةِ الفجرِ، أن يدرك الإنسان الفضل الذي سوف يحصله في الدنيا والآخرة، إن هو استجاب لهذا النداء، ويكفي من فضلها أن تكون سببا في حصول مرضاة الله ودخول الجنة.

وفي الأخير: فهذه كلمات تتضمن تنبهات، توقظ من كان يرجوا الله واليوم الآخر للإسيقاظ لصلاة الفجر، وفقنا الله وأياكم لهذا الخير مع الثبات والاستمرار عليه.


 [1]  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان،عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق،مؤسسة الرسالة،(1420- 2000 ) ص 464

[2]  ذكره في الجامع الصغير برقم  (10435)  وهو ضعيف

[3] الحسين بن مسعود البغوي ، معالم التنزيل في تفسير القرآن، حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر وآخرون، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الرابعة، 1417 – 1997 ص 3/ 343

[4] وهبة الزحيلي: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دار الفكر المعاصر – بيروت، دمشق (1418) ص 15/ 140

 صحيح البخاري رقم (615)[5]

 صحيح البخاري رقم (648)[6]

[7] سنن الترمذي وهو حديث صحيح رقم (2450)

المزيد من المشاركات
1 من 25
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.