منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعريف المقاصد بين المتقدمين والمتأخرين

تعريف المقاصد بين المتقدمين والمتأخرين/ أنيسة بنعيم سحتان

0

تعريف المقاصد بين المتقدمين والمتأخرين

الباحثة: أنيسة بنعيم سحتان

تعتبر دراسة المفاهيم مفتاحا لفهم موضوعات أي علم من العلوم،  بالإضافة إلى ” ما يشكله بناء المفاهيم وخاصة المفاهيم التي وردت في القرآن الكريم من دور في الحفاظ على كينونة الأمة وتأهيلها للعمران الاجتماعي وإرشادها للتطور العلمي، وإسعافها في الارتداد إلى موقعها الأصلي في القيادة والريادة “[1].

أولا: تعريف المقاصد في اللغة

بالرّجوع إلى المعاجم اللغوية نجد أن كلمة ” المقاصد “، وهي جمع ” مقصد ” ترجع في أصلها اللغوي إلى مادة ” قصد “، وقد تعدّدت معانيها في لغة العرب:

قال ابن فارس في مقاييس اللغة:” القاف والصاد والدال أصول ثلاثة، يدل أحدها على إتيان شيء وأمه، والآخر على اكتناز في الشيء. فالأصل: قصدته قصدا ومقصدا “[2]. وجاء في لسان العرب: المقصد:” استقامة الطريق، ومن ذلك قوله تعالى:﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة النحل: الآية 9]؛ أي:” على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة “[3].

والقصد:” العدل، والقصد في الشيء: خلاف الإفراط وهو ما بين الإسراف والتقتير “[4]. قال الرازي في مختار الصحاح:” إتيان الشيء وبابه ضرب تقول: قصده وقصد له، وقصد إليه، كله بمعنى واحد “[5].

وصفوة القول إنه عند النظر إلى مجموع معاني كلمة ” قصد ” – التي سلف ذكرها – نجد أنها إذا أطلقت فالمراد منها ما يلي:

  • إتيان الشيء وأمّه والتوجه إليه، والاعتماد عليه، والنهوض نحوه.
  • استقامة الطريق وسهولته وقربه.
  • العدل، والتوسط بين الإفراط والتفريط.
  • وكلها معان متقاربة فيما بينها.

ثانيا: تعريف المقاصد اصطلاحا:

مفهوم المقاصد عند المتقدمين:

لا شك أن المتقدمين من العلماء كان لهم اهتمام كبير ببيان المقاصد التي سعت الشريعة إلى تحقيقها في كل حكم من أحكامها، إلا أنهم لم يذكروا مفهوما محددا أو تعريفا لهذا المصطلح؛ لوضوح ذلك عندهم وعدم الحاجة إليه، وإنما وجدت منهم عبارات لها دلالة وتعلق ببعض أحكام المقاصد الشرعية، ومن ذلك:

  • ذكرهم للكليات المقاصدية الخمس وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
  • وأيضا تقسيم المصالح إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
  • وتأكيدهم أن الشريعة جاءت أساسا لرعاية مصالح العباد؛ وذلك بجلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم، وأن دفع الضرر والمفسدة مقدم على جلب النفع والمصلحة، وغيرها من القضايا المقاصدية.

فالشاطبي[6] – رحمه الله – نفسه رغم كونه أول من أفرد علم المقاصد بالتأليف من خلال كتابه: ( الموافقات )، بل وتوسع فيها بما لم يفعله أحد قبله، إلا أنه أيضا لم يورد تعريفا اصطلاحيا للمقاصد.

 مفهوم المقاصد عند المتأخرين:

تميز علم المقاصد عند المتأخرين بعناية كبيرة، فأصبح علما قائما بذاته، له مصطلحاته، وتقسيماته الخاصة، وما يتبع ذلك من الخصائص التي تميز كل علم مستقل عن غيره، وهكذا نجد أن المتأخرين أوردوا عدة تعريفات للمقاصد، وهي متقاربة من حيث المعنى، وإن اختلفت في المبنى، ومن ذلك:

تعريف الدكتور محمد الطاهر بن عاشور حيث عرفها بقوله:” هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختصّ ملاحظتُها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة “[7].

تعريف الدكتور أحمد الريسوني:” هي المعاني والغايات والآثار والنتائج، التي يتعلق بها الخطاب الشرعي والتكليف الشرعي، ويريد من المكلفين السعي والوصول إليها “[8].

تعريف الدكتور علال الفاسي حيث قال في تعريفها:” هي الغاية منها – أي من الشريعة -؛ والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها “[9] .

تعريف الدكتور نور الدين الخادمي، حيث عرّفها بأنها:” المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية والمترتبة عليها، سواء أكانت تلك المعاني حكما جزئية، أم مصالح كلية، أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد، وهو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين “[10].

ومن مجموع ما سبق من التعريفات، نستخلص تعريفا جامعا للمقاصد مفاده أن المقاصد: هي الغايات والحكم التي ابتغى الشارع الوصول إليها من خلال تشريعه للأحكام، تحقيقا لمصالح الناس سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، عاجلا وآجلا.


[1]  السنن الاجتماعية ومنطق التدافع والتعارف الحضاري، بوعبيد صالح الازدهار، الناشر: دار الكلمة / مصر – القاهرة، ط1، السنة:1435ه-2014م، ص: 9، – بتصرف -.

[2]  معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ) ، المحقق: عبد السلام محمد هارون ، الناشر: دار الفكر، السنة: 1399هـ – 1979م. مادة ( ق ص د )، ( 5/95 ).

[3]  لسان العرب، جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري (ت: 711ه)، بيروت، الناشر: دار صادر، ط3، السنة:1414ه.، مادة: ( ق ص د )،  ( 3/353 ).

[4]  المصدر نفسه، ( 3/353 ).

[5]  مختار الصحاح، زين الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (ت:666ه) تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت – صيدا، ط5، السنة: 1420ه/1999م، مادة: ( ق ص د )، ( 1/254 ).

[6]  هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الشهير بالشاطبي، أصولي فقيه مفسر لغوي، ولد بعد سنة ( 720ه) بغرناطة، وكان من أئمة المالكية بها وتوفي بها سنة ( 790ه). وله تصانيف مفيدة منها: الموافقات في أصول الفقه، الإفادات والإنشادات، الاعتصام، شرح ألفية بن مالك، وغيرها، الثابت والمتغير عند الشاطبي ( ص: 1-92 ) .

[7]  مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ)، المحقق: محمد الحبيب ابن الخوجة، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1425 هـ – 2004 م، ( 3/165 ).

[8]  مدخل إلى مقاصد الشريعة، الدكتور أحمد الريسوني، دار الكلمة للنشر والتوزيع، الطبعة: 1، السنة: 1431ه-2010م، ص: 7.

[9]  مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي، دار الغرب الإسلامي، ط: 5، 1993م، ص: 7.

[10]  الاجتهاد المقاصدي، نور الدين الخادمي، كتاب الأمة، العدد 65، سنة 1419 ه ، وزارة الأوقاف، قطر ، ص: 53.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.