منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أوصاف الطائفة المنصورة من أهل المغرب كما ذكرها رسول الله قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال أهل الغرب ظاهرين، على الحق حتى تقوم الساعة ))  رواه مسلم

أحمد المتوكل

0

أوصاف الطائفة المنصورة من أهل المغرب كما ذكرها رسول الله

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال أهل الغرب ظاهرين، على الحق حتى تقوم الساعة ))  رواه مسلم.

بقلم:  احمد المتوكل

مقدمة

مِنْ أعظم المعجزات التي أُوتِيَها رسول الله صلى الله عليه وسلم- بُرهانا على صِدْق رسالته ، وتأيِيدا لدعوته، وتثبيتا للمؤمنين مِنْ بعدِه، وتحفيزا لهم على العمل من أجل دين الله ونَشْرهِ بين الناس، وتصبيرا وتسليةً لهم على ما يُمكِن أنْ يَلقَوْه مِن المشاق والمصائب والمتاعب في سبيل ذلك، وتبْشيرا لهم على صدقهم وعلى ما ينتظرهم عند الله من الجزاء العظيم والعطاء الجسيم- ما أخبر به صاحبُ الفم الزكيّ، والقلبِ الصادقِ التقيّ، والخُلُقِ السويِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أمور غيبية تقع بعدَ عهد النبوة ، وتَظْهَرُ تِباعا مع دوارن عجلة الزمن، وتوالي الأحداث والوقائع والمِنَحِ والمِحَنِ ، جمعَتْها كتبُ الفِتَنِ والملاحم ، ورواها المحدِّثون وأهل التاريخ خَلَفا عن سلف ، ما يقع في الأمة الإسلامية وغيرها مِن حوادِثَ وأحداث، وما يَظْهَرُ من حين لآخر من معجزات النبوة إحقاقا للحق وإظهارا له ، وتكذيبا وتَبْكِيتا للباطل وأهله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أطلعه الله عز وجل على ما كان في سابق الأزل ، وعلى ما سيكون من أحوال أمته وأحوال الأمم إلى قيام الساعة، قال الله عز وجل:{عالم الغيب فلا يُظهِر على غيبه أحدا إلا مَنِِ ارتضى من رسول}1.

قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (( إن الله زوى ليَ الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبُلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي منها)) 2 ، و زوى بمعنى جمع وطوى وضمَّ .

ما المقصود “بأهل الغرب والمغرب” الواردتين في الأحاديث ؟

ومما أطلَعَ الله عليه نبيَه الكريمَ مِن أحوال أمته مِن بعده: أحوال الطائفة المنصورة ، ذَكَرَهُم في كثير من الأحاديث الصحيحة الصريحة، فعيَّن وُجودَهم في بعضها حوْل بيت المَقْدِسِ، وفي بعضها بالشام، وفي بعضها  بالمغرب، ولَمْ يربطْ وجودهم بمكان في أغلب الأحاديث، ولَمْ يُبيِّنْ أنهم سيكونون في زمان دون زمان، لتبقى هذه الطائفة موجودةً في أمته في كل زمان ومكان، باقيةً على أمره سائرةً على نهجه إلى قيام الساعة.

قال الرسول عليه الصلاة والسلام : (( لا تزال  طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوَأَهُم،3  حتى يقاتل آخرُهم الدجالَ)) 4 ، وأَخبَرَ في حديث آخر صحيح أن مَنْ يغزو الدجال هم أهل المغرب، ويعلم الله أي مغرب.

لقد تَكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الغرب والمغرب ونَوَّه بهم وأثنى عليهم ورَجَا منهم خيْرا للإسلام ، وأظهرَ صفاتِهم وحيَّى فيهم تمسُّكَهُمْ بالحق، بل زاره وفْدٌ منهم في حياته عليه الصلاة والسلام كما سنرى لاحقا بحول الله ، قال النبي الكريم والصادق المصدوق صلى الله عليه وآله سلم: ((لا يزال أهل الغرب ظاهرين ، على الحق حتى تقومَ الساعة ))4 ، وفي مُسند بَقِي بنِ مَخْلَد رحمه الله عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال أهل المغرب ظاهرين ، على الحق حتى تقومَ الساعة أو ياتي أمر الله )) 5، وذكره أبو عبد الله بن أحمد الهروي بلفظ: (( لا يزال أهل المغرب ظاهرين، على الحق حتى تقوم الساعة )) ، وفي رواية للدارقطني عن سعد بن أبي وقاص وردَ لفظ المغرب بميم قَبْلَ الغين: (( لا تزال طائفة مِنْ أمتي ظاهرين على الحق في المغرب حتى تقوم الساعة )) 6 .

ولقد وَرَدَ لفظُ الحديث في جل مخطوطات صحيح مسلم بالميم : (( لا يزال أهل المغرب))، وجَمَعَ الإمامُ التادِلِيُّ رحمه الله في مقدمة كتاب “التشوف إلى رجال التصوف” – الذي ترجم فيه للصالحين والعلماء والأولياء من أهل المغرب – جملةً من  الأحاديث التي ورَدَتْ بلفظ ” المغرب” 7.

وقد فَسَّرَ الشُّرَّاحُ “أهل الغرب” بعدة تفسيرات منها 8 : ” أنهمُ العربُ ، كما قال علي بن المديني رحمه الله ، وقال آخرون : المراد به الغرب من الأرض، وقيل همْ أهل الشام وما وراء ذلك ، وقال القاضي عياض رحمه الله : وقيل المراد بأهل الغرب أهلُ الشِّدَّةِ والجَلَدِ ، وغرْبُ كلِّ شيء حدُّه” 9.

قال القرطبي : “أول الغرب بالنسبة للمدينة النبوية هو الشام، وآخره حيث تنقطع أرض المغرب الأقصى، فما بينهما كله مغرب ” 10.

وقال صاحب كتاب جنى زهرة الآس: ” وأهل الغرب هم أهل المغرب الذي هو ضد الشرق على أصح التأويلات في الحديث وأوْضَحِ الدلالات ” 11 .

وقال القرطبي في المُفهِم : ” روايةُ أهل المغرب بالميم تدُلُّ على إِبطال التأويلات في هذا الحديث، قال: والمراد بالمغرب: جهةُ المغرب من المدينة إلى أقصى بلاد المغرب ، فيدخل فيه الشامُ وبيتُ المقدس فلا منافاةَ بيْن الروايات” 12 .

وقال الشهاب الخفاجي في شرح الشفا: ” وقد ورد المغرب بالميم وهو مؤيِّدٌ للتفسير به ” 13.

قال الحافظ في الفتح :”ووقع في بعض طرق الحديث: المغرب بفتح الميم وسكون المعجمة ، وهذا يرُدُّ تأويل الغربِ بالعَرَب “14 .

وقال محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله وهو من الحفاظ المحدثين المجاهدين: ” وتَدْخلُ فيه أيضا مراكشَ وفاسَ وما والاهما ” 15، وكان اسمُ فاسَ ومراكشَ يطلقان على بلاد المغرب الأقصى.

وقال بعض العلماء” أن أهل مدينة فاس هم المعنيون بقوله صلى الله عليه وسلم… وذلك لما كانوا عليه من التمسك بالسنة والدين والمخالفة للضالين ، والتباعد عن الشياطين والمجرمين” 16 ، وإلى هذا الرأي مال صاحب كتاب المُعرِب.

ويقول المسعودي عن أهل المغرب : ” لديارهم في آخر الزمان نبأٌ عظيمٌ، وخطبٌ جسيمٌ من أمر يَظْهَرُ وأحوال تُبْهِرُ”17.

فهل المكان المقصود في الأحاديث هو ما يسمى اليوم بالمغرب؟ ، وهل يَجُوزُ أن نُقْصِرَ الخيرَ في قُطْرٍ دون قُطْرٍ ؟، نعَم جاء في أحاديثَ صحاحٍ تأكيدُ فضْلِ أهلِ اليمن وأهل الشام وغيرهما، لكن نرجو أن تكون هذه الطائفةُ الموعودةُ المقاتلةُ على الحق المنتصرةُ القائمةُ على جهادها أوْسَعَ دائرةً وأعْمَقَ أثرا مِنْ أنْ يَحْصُرَها قُطْر.

والحق الذي لا ريب فيه أن العبرة ليست بالبلاد مشرقا كان أو مغربا أو شاما أو يمنا أو غير ذلك ، ولكن المراد ” أهل البلد هل هم على الطريق السوي باتباع الكتاب والسنة وحسن العقيدة وحب آل البيت أم العكس؟”18، فالبلاد ” تفضُلُ برجالها ، وأفراد سادتها الذين يهتبلون بإصلاح شؤونها ، وتخليد مجدها ” 19 ، وتشتهر وينتشر صيتها برجالها القائمين على إصلاح شؤونها وحمايتها و يرتفع ذكرها بنهضتها وحضارتها وتقدمها العلمي والصناعي …….

قال الكتاني : ” وعلى كل حال فالمتعين عندي في حديث الطائفة بالمغرب هذا إنْ كان المصطفى قصد به المدح ، هو أن المراد به طائفة من المسلمين من المغرب أو الشام أو الحجاز لا تزال فيهم بقية الذب عن دينهم ، والتمسك به وإن انفردوا وخالفهم الغير، والمراد ببقاء ظهورهم على الحق إلى أن تقوم الساعة ظهور حجة ودليل في الغالب” 20.

هذا وإن مِنْ إكرام الله بهذه الأمة أنْ جَعَلَ البركةَ فيها وفي الصالحين منها إلى يوم الدين، فلَمْ يخْلُ زمان ولا مكان من الصالحين المصلحين الأولياء المُحِبِّين المحبوبين المقتفين لآثار مَنْ سَبَقَهُم بإحسانٍ، الدعاةِ الهداةِِ المهديين القائمين على دين الله تمسُّكا ودعوةً وتربيةً واجتهادا وجهادا ، الذين يقطعون أعمارهم في طلب مولاهم ، ويُتعِبون أجسادهم في الفرائض والنوافل ، إنهم رجالٌ تعلقوا بالله فآثروا الآخرةَ على الدنيا ، وأرادوا وجهَهُ الكريمَ وسَعَوْا في طَلَبِه بكل عمل مبرور وفِعْلٍ مشكور وقولٍ زكي غير مأزور ، قال يوسف بنُ يحيى التادِلِي رحمه الله: “وكانت طائفةٌ منهم  بأقصى المغرب- يقصد الصالحين الأموات- أُهْمِلتْ أخبارهم وجُهِلتْ آثارهم، حتى ظن مَنْ لا عِلْمَ له بِهِمْ أنه لَمْ يَكُنْ منهم بأقصى المغرب أحدٌ، وأنه استبْعَدَ أن يكون ذلك كذلك ، وقد جاء في الصحيح مِنْ فَضْلِ أهل المغرب ما لا يدفَعُهُ دافِعُ ولا يُنازِعُ في ثُبُوتِه مُنازعٌ “21.

أوصاف أهل المغرب المذكورين في الأحاديث

بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ مِنْ أبْرَزِ صفاتِهم : أنهم ” ظاهرون ” قال الإمام ابن حجر رحمه الله :  ” أي غالبون ومنتصرون، أو المرادُ بالظهور أنهم غير مُستترين بل مشهورون، والأولُ أولى” 22 ، فهم ظاهرون على غيرهم حسََّا ومعنىً، لأن الظَّهرَ في اللغة يدُلُّ على الإرتفاع مع البروز،  ثابتون على الحق متمسكون به يدْعُون إليه ، ويجاهدون من أجله، لا يضُرُّهم مَنْ خالَفَهُم ولا من حارَبَهُمْ وعاداهم حتى تقومَ الساعة وهم كذلك.

لقد ذَكَرَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الطائفةَ المنصورةَ، القائمةَ بأمر الله ، الثابتةَ على الحق، الصابرةَ والمقاتلةَ عليه، المنتصرةَ على أعداء الحق، والقاهرةَ لهم بأنها لا تبالي بمن خَذَلَها ولا بمن عاداها ولا بمن خالَفَها حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.

قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، على الحق لا يضرهم مَنْ خَذَلَهُم حتى يأتيَ أمر الله وهم كذلك )) 23، وفي صحيح مسلم: (( لا يزال أهل الغرب ظاهرين، على الحق حتى تقومَ الساعة )) ، قال الإمام النووي رحمه الله عند شَرْحِه لأحاديث الطائفة المنصورة مِنْ صحيح مسلم :” ويُحتَمَل أنَّ هذه الطائفةَ مفرقةٌ بين أنواع المؤمنين، منهم شجعانٌ مقاتلون، ومنهم فقهاءُ، ومنهم محدِّثون، ومنهم زُهَّادٌ، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواعٍ أخرى من الخير، ولا يَلْزَم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض، وفي هذا الحديث معجزةٌ ظاهرةٌ، فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث- أي الساعة- “24.

إنَّ أوصافَ الطائفةِ المنصورةِ تَحْمِل في طياتها البشارةَ بالنصرة والتمكين في الدنيا وتخليص الأمة مما تُعانِيه، والفوز في الآخرة، لِمَن تمَسّكَ بالحق وجَعَلَهُ منهجا في الأرض ودعا إليه ورَدَّ عنه إفك الأفاكين وتطاول المنافقين، وكشَفَ زيف المتمسِّحين به، اللابسين ثياب الزور المُدَّعين تمسكهم بالحق وهم بعيدين عنه.

إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المبعوثَ بالحق ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى علَّمَهُ شديد القُوَى، وصَفَ هذه الطائفة بأنها قائمةٌ على الحق، والحقُّ بادٍ للناس معروف، وإنْ حَاوَلَ الظالمون طَمْسَهُ ورَمْسَهُ ، ونقيضُه الباطل واضحٌ مكشوفٌ ، وإنْ حَاوَلَ المادحون والمنافقون إخفاءَهُ { فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تُصْرفون} 25.

طائفةٌ ماضيةٌ باقيةٌ ما بقي للأمة ذِكْرٌ، شامةٌ غَرَّاء، ونورٌ وضَّاءٌ في وجه أمةِ خير الأنبياء، الحقُّ شعارها والعدلٌ لواؤها، تنْصُرُ الدين، وتدافع عن المظلومين، وتطالب بحق المحرومين، وتندِّدُ بظلم الظالمين، وتُظهِرُ زيْفَ المزيفين، وتكْشِفُ كَذِبَ الكاذبين، رافضة لأساليبهمُ البعيدة عن الحق، القائمة على استغلال حقوق الخلق، تبنِي عملَها على شُعَبِ الإيمان التي حث عليها الرسول العدنان، تتمسكُ بأخلاق المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، تلهج  بالذكر لا تفتر، حب الله غايتها، والإخلاص روحُ عمَلِها، والإتقان سِمَتُها.

طائفةٌ جادةٌ في نهجِها الحقوقي الداعي إلى محاربة الظلم والاستبداد والاستِفْرادِ، وإحقاقِ الحق وِفْقَ المُتعارفِ عليه دينيا ودنيويا، وفي خيارها الرباني الرامي إلى تربية الإنسان وإنقاذه من سيطرة نفسه وسلطتها، وتقريبه من أخيه الإنسان حسا ومعنى، ومن ربه عز وجل دنيا وآخرة .

شعارُها الصدق والوضوح والمسؤولية، والنزاهة والشفافية، قصْدُها نبيلٌ شريفٌ، أسلوبُها في الدعوة وغيرها لطيف عفيف، وخطابُها واضحٌ نظيفٌ، كتابُ الله دستورها، وسنةُ رسول الله منهاجها، تبْنِي مشروع الأمة، و تمضي لتحقيق موعود الله بحكمة، تعامُلُها مع الخلق لِينٌ ورحمةٌ، تُيسِّر وتُبشِّر، ولا تُعسِّر ولا تُكفِّر ولا تُنفِّر،  طريقها طريق الحكماء ، تحاولُ جمْعَ أمْرَ الأمةِ على كلمةٍ سواءٍ، ومشروع بنَّاء ، وميثاق يَجْمَعُ كلَّ الشرفاء و النزهاء والفضلاء والأمناء، ويُوَحِّدُ كل الفرقاء .

طائفة ملتاعةٌ بهموم المستضعفين المظلومين، مستنكرةٌ ما وصل إليه حال البلاد والعباد مِنِ انحرافٍ وخرابِ ذممٍ وفسادٍ.

تقولُ الحق وتصدع به، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تخاف في الله لومة لائم، لا تَلِينُ ولا تَضْعُفُ ، ولا تَجْبُنُ ولا تُراوغ ولا تُداهِنُ، تصبِر أمام أمواج البلاء، تثْبتُ على الحق ولا تخضع  للترويض، وتتحمَّل في سبيل ذلك أنواع الإيذاء.

للأعداء لا تنحنِي، وعن قصدها لا تنْثَنِي، للظالمين لا تركَنُ، وللمُغرين والمراودين لا تستجيب ولا تُذْعِن، رافضة للباطل وطُرُقِه، و للعنف ومسالكه، يدها غيرُ ملطخةٍ بمفاسد السياسة، ولسانُها نقي من كَذِبِ الساسة، تحاولُ كنْسَ الفساد وجمْعَ كلمةِ العباد، على الخير والهدى والرشاد، منهجُها وسطيةٌ واعتدالٌ بين متطلبات الروح ومبتغيات الجسد، بموافقةٍ حكيمةٍ بين أصول الشرع ومستجدات العصر، صدَّقَتْ بموعود الله تعالى للمؤمنين باستخلافهم في الأرض: { وَعَد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين مِنْ قبلهم وليمكنَنَّ لهم دينَهُمُ الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ، يعبدونني لا يشركون بي شيئا} 26 .

أيقنَتْ ببشائر المصطفى الكثيرة الغريرة، فقامت لذلك بثقَةٍ وهمِّة وعَزْمَةٍ ، تُجَدِّد الدين وترُدُّ إليه الحائرين التائهين برفق ولِينٍ، قال المصطفى عليه الصلاة والسلام : (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجددُ لها  دينها )) 27 .

طائفةٌ قائمةٌ بأمر الله، لا تخاف إلا الله، ولا ترجو إلا ما عنده و الفوز يوم لقياه، لا تُغريها مناصب، ولا تستهويها كراسي ولا مراتب ولا حقائب، لا تكترثُ بطنين الذُّباب، ولا بنَبْحِ الكلاب، ولا تنخدع بمَكْرِ الذئاب.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:” واللهِ لقد كنتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فنظرتُ إلى قلَّةِ الجيش وبكيتُ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عمر: لا تحزن فإن الله سيُعِز هذا الدين بقوم من المغرب )) 28 .

وروى مسلمٌ عن نافع بن عتبة رضي الله عنه قال: ” كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قال: فأتَى النبيَّ قومٌ من قِبَلِ المغربِ عليهم ثيابُ الصوف، فوافقوه عند أكَمَة 29، فإنَّهم لقيامٌ ورسولُ الله قاعدٌ، قال: فقالتْ لي نفسي: إئتِهِم فَقُمْ بينهم وبينَه لا يغتالونه، ثم قلتُ لعلَّهُ نَجِيٌّ معهم 30، فأتيتُهم فقمتُ بينهم وبينه، قال: فحفظتُ منه أربعَ كلماتٍ أعُدُّهُن في يدي: قال: تغزون جزيرة العرب فيفتحُها الله، ثم فارس فيفتحُها الله ، ثم تغزون الروم فيفتحُها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله ” 31 ، فمفهومُ هذا الحديث المبارك يشير إلى عدة فوائد منها :

– أن مستوطني هذه البلدان – جزيرة العرب، فارس، الروم – سيكونون على غير هدى من الله، وعلى غير صراط الله المستقيم في كثير من أمور الدين.

– أن الغزوَ والنصرَ والفتحَ الذي ذُكِرَ في الحديث سيكون قُبيل الساعة، والدليل على ذلك أن خروج الدجالِ والقضاءَ عليه من العلامات الكبرى للساعة.

– أن هؤلاء الغزاةِ الفاتحين لم يمُرُّوا فيما مضى من التاريخ.

فبمثل هؤلاء الرجال الذين تَكَلَّمَ عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون النصر، ويندَحِرُ الباطل ويعلو صوتُ الحق وتُرفَعُ رايته، ويأتي العز والمجد، وتُخلَّصُ الأرض من أزماتها، ويُفتح العالم وتصل دعوة الله إلى أكبر عدد من الناس.

عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ شَيْخٌ فَرَأَوْهُ مُوَثِّرًا فِي جَهَازِهِ فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمَغْرِبَ وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( سَيَخْرُجُ نَاسٌ إِلَى الْمَغْرِبِ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وُجُوهُهُمْ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ)) 32 .

الحديث الشريف ربما يشير إلى الذين يفتحون المغرب ويبلغون دعوة الإسلام إلى أهله.

الكينونة مع هذه الطائفة

فعلى المؤمن أن ينظرَ ويتأملَ، وعن الخير وأهله فليبْحثْ، فمتى ظهَرَتْ له هذه الطائفة وعرف أوصافها فليلْتَحِقْ برَكْبِها وليلزم ِركَابها، وليَدْخُلْ بابها، وليصْحَبْ أصحابَها، ولا يلتفتْ إلى غيرها، قال الله عز وجل:{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} 33 ، وليُحبَّ أهلها محبة تُفضي إلى المعية والنصرة والولاء، عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحبَّ قوما ولمََّا يَلْحَقْ بهم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( المرء مع من أحبَّ ))34 .

ألا فلنكن مِنْ هؤلاء، وإنْ تخاذلْنا وتراجَعْنا، وآثرنا الحياةَ الطيبةَ والعيشَ الرغيدَ، فسوف يأتي الله بقوم أولي قوةٍ في الحق، وبأسٍ شديد، وعزمٍ أكيدٍ، يحققون بشرى رسول الله التي زفَّها للمؤمنين، قال الله عز وجل: { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالَكم }35، وقال الله جلَّ شأنُه : { يا أيها الذين آمنوا من يرتَدِدْ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} 36 .

ألا مِنْ رجال صادقين يغارُون على بلدانهم ويَنهَضون لإصلاح أوضاعها الفاسدة، ويحققون ما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُصْلِحون أحوال مجتمعهم ويُخلِّصونه منَ الأزمات الخانقة والأوضاع المنحطة، ويحررونه من العِدى المستأسدة، ويَحفظونهُ منَ الأخطار المحدقة، ويُطَهِّرونه من الفساد الأخلاقي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ويدافعون عن الدين برفق ولين، ورحمة وحِكْمة، مستغلين كل الطرق المشروعة بعيدا عن التجارب الفاشلة، والطرق والمناهج التي أظهر الواقع عدم صلاحيتها وعدم صدق أصحابها.

وهل من نساء صالحات يَلِدْنَ الصالحين أمثال: عقبة بن نافع ويوسف بن تاشفين وطارق بن زياد والحسن اليوسي وغيرهم ممَّن يفتخر بهم تاريخ المغرب يحققون بشرى الرسول لفتح الروم وفارس وغزو الدجال.

إن بلد المغرب رضيَ الإسلامَ وقَبِِلَهُ واعتز به منذ أنْ فتَحَهُ الصالحون رضي الله عنهم، ففتح سكانُه قلوبَهم له وتمسكوا به ودافعوا عنه، ورفضوا غيره من المِلَلِ والنِّحَلِ الباطلة حتى سَمَتْ أرواحُهم وصلُحت أحوالُهم به، وقاموا لنشره ونصره وتبليغه لمَنْ يجهله، ففتحوا بلاد الأندلس وبنوا فيها حضارة عظيمة لا تزال شاهدة إلى الآن، ووصلوا إلى جنوب فرنسا وغيرها من بلدان أوربا ، وفتحوا عدة مناطق من إفريقيا كانت لا تعرف شيئا عن الإسلام.

فلا يتحقق لنا عز إلا بالإسلام، ولا يتم صلاح ولا إصلاح ولا أمن ولا ازدهار إلا به، وعلى أيدي رجال صادقين صالحين مصلحين ، يأخذون من كتاب الله ويسيرون على هدي المصطفى، ويتبعون من سبقهم بإحسان.

اللهم اجعلنا ممن يحقق بشرى رسول الله ومن هذه الطائفة الثابتة على الحق العاملة من أجله .


1 سورة الجن الآيتين 26 و 27

2 رواه مسلم عن ثوبان في كتاب الفتن و أشراط الساعة

3  ناوأهم : عاداهم

4 رواه أبو داود في كتاب الجهاد  والحاكم عن عمران بن حصين

4 رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص

5 البيان المُعرب عن معاني بعض ما ورد في أهل اليمن والمغرب ص 64

6 سلوة الأنفاس للكتاني (1. 78)

7  للأسف الشديد عمد الدكتور علي عمر محقق كتاب : ( التشوف إلى رجال التصوف) إلى الأحاديث التي أوردها المؤلف  بلفظ “المغرب” بالميم فأزال حرف الميم رغم ورودها كذلك في المخطوطات الأصلية وكما أقر هو بنفسه، وهذا يقدح في الأمانة العلمية التي ينبغي أن يتحلى بها الكُتاب والمؤلفون والمحققون، وهذا قد يكون تحريفا بقصد أو بغير قصد لما عناه رسول الله . انظر الكتاب بتحقيقه ص 13 و14 طبعة المكتبة الثقافية الدينية القاهرة 1428ه 2008م وقارِنْه بالطبعات الأخرى.

8 انظر كتاب البيان المُعرب عن معاني بعض ما ورد في أهل اليمن والمغرب لمحمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني ص 61 . 62. 63 .64

9 انظر صحيح مسلم بشرح النووي ( 13. 58)

10 انظر البيان المُعرب لمحمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني ص 63

11 سلوة الأنفاس 1. 78

12 سلوة الأنفاس 1. 78

13 نقلا عن البيان المُعرب عن معاني بعض ما ورد في أهل اليمن والمغرب ص 64

14 فتح الباري (13. 365 )

15 سلوة الأنفاس 1. 78

16 البيان المُعرب عن معاني بعض ما ورد في أهل اليمن والمغرب ص 65

17 مروج الذهب ج1ص194.

18 البيان المُعرب ص 21

19 نفس المصدر ص 22

20 البيان المُعرب ص 67

21 التشوف إلى رجال التصوف يوسف بن يحيى التادلي ص 13

22 فتح الباري ج 13 ص  360  الطبعة الأولى دار السلام ودار الفيحاء 1418 / 1997

23 رواه  مسلم كتاب الإمارة عن ثوبان

24 صحيح مسلم بشرح النووي 13. 57 كتاب الإمارة باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين

25 سورة  يونس الآية: 32

26 سورة النور الآية:   53

27  رواه  أبوا داود في كتاب الملاحم  والحاكم  بسند صحيح عن أبي هريرة

28 الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى لأحمد بن خالد الناصري (1 .130 )

29 الأكَمَة: المكان المرتفع

30 أي يكلمهم سرّا

31  رواه  مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة

32 رواه أحمد في مسند المكيين باب حديث رجل عن النبي

33 سورة التوبة الآية: 120

34 رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب ، باب المرء مع من أحب

35 أواخر سورة محمد

36 سورة المائدة الآية: 56

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.