منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

راشد وقطرة الندى (قصة قصيرة للأطفال)

حسناء ادويشي

0

 

      

وقف راشد الولد الذي يمتلئ حيوية ونشاطا، أمام باب المنزل يلهث بعدما أخذ منه التعب مأخذا، فقد قضى قرابة ساعة وهو يمارس الرياضة في الحديقة المجاورة لمنزله صحبة مدربه وبعض أصدقائه. ضغط على جرس الباب، وهو يتوقع  سماع كلام الخالة فائزة كالعادة من داخل المطبخ مصاحبا لصوت فتح الباب:

–  راشد! اترك حذاءك الرياضي في باب المنزل، والبس النعل  الخاص بالمنزل، وأسرع لأخذ حمامك.

– حاضر خالتي فائزة، سأفعل.

توجه راشد صوب المغسل،  بعدما فعل ما أمرت به الخالة، ثم غسل يديه، وتوجه نحو جرة الماء الطينية، فملأ كوب ماء، وجلس فوق الكرسي الخشبي، ثم سمى الله وبدأ يشرب الماء شربات ثلاث، وبقي في الكوب بعض الماء، فوقف وهمَّ بمحاولة إفراغه في حوض المغسل، لكن دهشته كانت كبيرة، حينما سمع أصوات صراخ وأنين تخرج من الكأس، ففزع وتوقف عن سكب الماء، فالصراخ والأنين كانا قويين:

– الصوت الأول: لا لا أرجوك لا تقتلنا..

–  الصوت الثاني: نتوسل إليك نحن سبب الحياة فلا لا تقتلنا..

– الصوت الثالث: سنضيع وسط الماء العادم ونموت..

–  الصوت الرابع: رجاء لا تجعل مسالك الصرف الصحي نهاية مشوارنا..

أصيب راشد بالدهشة والذهول، وبدأ ينظر في قعر الكأس، حيث تراءت أمام عينيه، قطرات الماء وقد تفككت وأصبحث تتكلم وتصرخ وتئن وتشكو وترجو، فصرخ سائلا:

– يا إلهي! ما هذا، من أنتن؟.                                         

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

– أجابت الأولى: أنا قطرة الندى.

– والثانية: أنا رذاذ.

– والثالثة: أنا عذب.

– والرابعة: أنا غدير.

وتوالت التعريفات بالأسماء: وأنا زلال..، وأنا غمام،..وأنا عين..، وأنا.. سلسبيل…وهذه لؤلؤة والأخرى فرات والأخرى بحر…

فتَسَمّر راشد في مكانه، وانبرى يسأل من  أنتن وما حكايتكن؟

– بأصوات مختلطة وفي وقت واحد حاولت قطرات الماء الإجابة: نحن قط.. نح..ماء..ماء..،

كان الكلام سريعا ومتقطعا، فلم يفهم راشد شيئا.

– راشد: رجاء أريد جوابا واحدا واضحا، فأنا لم أفهم شيئا.

– قطرة الندى: أنا قطرة الندى، وهؤلاء أخواتي لقد عرفنك بأسمائهن.

– راشد: ولماذا تصرخن وتشتكين؟

– قطرة الندى: لأنك أردت أن تفرغنا في مجاري المياه؛ حينما حاولت سكب مابقي من ماء الكأس في حوض المغسل، وفي ذلك موت لنا بالتلوث والنفايات، فسعادتنا في إحياء البشر، والكائنات، ألم تسمع قوله تعالى؟ “وجعلنا من الماء كل شيء حي”؟ فلماذا ترغب في وأدنا ونحن اللواتي نسعى إلى إرواء عروقك، و إطفاء ظمئك؟

– آسف، يا قطرة الندى، لم أعرف أن هذا التصرف يؤذيكن.

– قطرة الندى: قبلنا أسفك، فلا تكرر هذا التصرف الذي يعتبر إسرافا في الماء، ألم تسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم:” لاتسرف في الماء ولو كنت على نهر جار”؟

أخذ راشد كأس الماء وجلس مرة أخرى على الكرسي، و هو بعد لا يدري هل هو في حلم أم حقيقة، حتى سمع صوت خالته فائزة: ألن تدخل إلى الحمام يا راشد؟

– فأجابها: سأدخل حالا يا خالة.

وإذا بقطرة الندى توجه الكلام إلى راشد مرة أخرى: إذا دخلت إلى الحمام، فتذكر شعار: لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار.

– راشد: لن أسرف في الماء، وبالمقابل أسأترككن؛ فانتظرن عودتي.

– القطرات بصوت واحد: سننتظرك.

دخل راشد إلى الحمام، ولكنه هذه المرة لم يتأخر كعادته، فخرج مسرعا، وأخذ الكأس مرة أخرى، وخرج يحمله في يده إلى حديقة منزله، فسمع همهمات من القطرات.

– راشد: ما بكن؟ هل آذيتكن؟

– قطرة الندى: نحن فقط نسبح بحمد ربنا.

كيف ذلك؟!- راشد: سبحان الله

– قطرة الندى: نحن نسبح الله على نعمه، كما تسبح كل المخلوقات، وكيف لا وقد جعلنا الله سبب الحياة، كل قطرة منا تجد كل السعادة إذا سرت في عروق إنسان تحييه، و أو  في جذور شجرة أونبات ترويه، أو حيوان تطفي جذوة عطشه، كما نسعد أكثر حينما ننقذ شجرة أو غابة أو كائنا ما كان، من ألسنة النيران، لذلك وجدتنا نصرخ حينما أردت أن تجعل نهايتنا مجاري المياه، فكيف يكون مصيرنا الفناء دون أن نقدم مهمتنا في الحياة؟

كان راشد يسمع كلام قطرة الندى باستغراب شديد، ويسائل نفسه، كيف أن قطرات الماء تأسف إن هي تخلفت عن أداء مهمتها في الحياة، وتبكي إن تلوثت لأن في ذلك فناءها، ونحن لا نقتصد في استعمال الماء، و لا نقدر مهماتنا التي خلقنا من أجلها كما تقدر هذه القطرات المهمة الجليلة التي خلقت من أجلها، وعلى رأسها خدمة الإنسان؟

تقدم راشد خطوات حتى وصل قرب شجرة المشمش، وتذكر أن عليه أن يعود إلى البيت فهو لم ينجز تمارينه المدرسية كلها، لكنه احتار في الكأس الذي بين يديه وكيف يتصرف مع القطرات.

-راشد: يا قطرة الندى، كما لديكن مهمات ومشاغل، فأنا تلميذ، وعندي، التزامات مدرسية، فأريد أن أعود إلى البيت، فكيف أحتفظ بكن.

– قطرة الندى: أحسن طريقة للاحتفاظ بنا وإحيائنا، أن تجعلنا ريا لهذه الشجرة، فيبدو أنها عطشى إلى الماء، فلعلك لم تسقها مدة طويلة؟

– راشد: ولكن سأفتقدك يا قطرة الندى أنت وأخواتك، وأنا قد ألفتكن، واستمتعت بالحديث معكن؟

– قطرة الندى: للماء دورته في الحياة، فلعل الشجرة حين ترتوي بنا، يأتي علينا يوم نصبح شرابا في ثمارها الحلوة، نغذي جسم الإنسان أو الحيوان، ثم تستمر هذه الدوره فنصير غيثا يسقيها أو قطرة ندى تعلو وُرَيقاتها في فجر أحد الأيام بعدما يأتي بها نسيم هواء صباح ندي.

– راشد: ولكن أنا أرغب في لقائكن مرة أخرى، فما السبيل إلى ذلك؟

– قطرة الندى: قد نلتقي مرة أخرى، شرط أن تصاحب الطبيعة، وتشعر بنا، ستجدنا في كل مكان، في النهر وفوق أوراق الشجر وبين الزهور وحتى في البحر، فكل قطرة ماء هي أنا أو إحدى أخواتي.

التفت راشد إلى جهة شجرة المشمش فسمع القطرات يتهامسن، فبادر قائلا:

– ما بالكن؟ هل تشتكين من شيء؟ آه لعله التسبيح( وهو يبتسم)

– قطرات الماء: بل نريد أن تسرع بسقي هذه الشجرة بما بقي من ماء، ولا تنساها من الري بانتظام ففي ذلك حياتها وحياتك أيضا.

صب راشد قطرات الماء في جانب الشجرة التي امتصتها بسرعة، ثم تابع مسيره نحو باب المنزل وهو في غاية النشوة والفرح.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.