منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 العشر الأوائل من شهر ذي الحجة بين الخصائص والأعمال (خطبة)

 العشر الأوائل من شهر ذي الحجة بين الخصائص والأعمال (خطبة)/ للشيخ عبد الله بنطاهر

0

 العشر الأوائل من شهر ذي الحجة بين الخصائص والأعمال (خطبة)

بقلم: للشيخ عبد الله بنطاهر

 

الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء وعمت، وتوالت نعمه على عباده وتمت، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة زكت بها النفوس وصفت، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أقام ذكر الله تعالى حتى ارتفعت راية الإسلام وانتشرت، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الثواب على الأعمال التي تمت وصلحت.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

في هذا الأسبوع -بإذن الله- نستقبل الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وهي أيام مباركات خصها الله عز وجل بخصائص عظيمة، وميَّزها بمميزات متميزة، يحسن بنا استقبالها بحسن الإقبال، آملين من الله تعالى حسن القبول، نُقْبِل عليها بالأعمال الصالحة إذا هي أقبلت، فإذا كانت العشر الأواخر من رمضان أفضل أيام السنة بليالها لوجود ليلة القدر فيها؛ فإن العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل أيام السنة بنهارها لوجود يومي عرفة والأضحي فيها، ومن عادة المغاربة أنهم يبارك بعضهم لبعض أيام العيد بقولهم: (مبارك العواشر)، وإنما يقصدون بذلك العشر الأواخر من رمضان قبل عيد الفطر، أو العشر الأوائل من ذي الحجة قبل عيد الأضحى؛ فما هي خصائص العشر الأوائل من ذي الحجة؟ وما هي الأعمال المطلوبة فيها؟

● أما خصائصها؛ فمنها:

1) أن الله تبارك وتعالى أقسم بها في القرآن الكريم تشريفا لها وتعظيما لشأنها؛ قال سبحانه: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالعشر في الآية: العشر الأوَائل من شهر ذي الحجة.

2) أن العمل الصالح فيها خير منه في غيرها؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيﷺ قال: «ما من أيام العملُ الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام -يعني العشر الأول من شهر ذي الحجة- قالوا يا رسول الله ولا الجهادُ في سبِيل الله؟ قال: ولا الجهادُ في سبيل الله؛ إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».

3) أنها أيام يجتمع فيها من أمهات الطاعات ما لا يجتمع في غيرها من أيام السنة؛ ففي هذه العشر تجتمع الصلاة والصيام والحج والزكاة والذكر، ولا يَتَأَتَّى اجتماع هذه الطاعات إلا فيها؛ لأن الله تبارك وتعالى جعلها موسما للحج، ولا يصح في غيرها.

4) أن تاسعها يوم عرفة؛ قال النبيﷺ في حق الحجاج الواقفين في عرصاته: «إن الله تعالى يباهي بأهل عرفة أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعْثا غبْرا».

5) أن آخر آية من القرآن الكريم في التشريع نزلت في هذه الأيام العشر؛ روى البخاري ومسلم «أن رجلا من اليهود قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين؛ آية في كتابكم تقرؤونها؛ لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبيﷺ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة».

6) أن ختامها يوم عيد الأضحى وهو يوم الحج الأكبر؛ أخرج البخاري أن النبيﷺ قال: في يوم النحر: «هذا يوم الحج الأكبر»، وقالﷺ فيما روى أبو داود: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر».

● أما الأعمال المطلوبة في هذه الأيام؛ فمنها:

1) التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب، حتى تحقق لنا الأعمال الصالحة فيها المغفرة والرحمة؛ لأن الإصرار على المعاصي يمنع القبول، ويحول بين مرتكبها وبين المغفرة والرحمة.

2) أداء الحج والعمرة، وهو أفضل ما يعمل فيها لمن كتب له ذلك هذه السنة.

3) صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها وخصوصا يوم عرفة لغير الحاج؛ لقول النبيﷺ قال: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده»، ويوم عرفة بالنسبة للصيام هو اليوم التاسع في كل بلد حسب الاختلاف في رؤية الهلال، أما الحاج الواقف بعرفة فلا يشرع له صيام يوم عرفة.

4) الإكثار من ذكر الله تعالى تحميدا وتهليلا وتكبيرا وتلاوة للقرآن الكريم؛ لقوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}، وقد فسرت بأنها أيام العشر، ولما روى الإمام أحمد أن النبيﷺ قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».

5) كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات كالصلاة والصدقة وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، فإنها من الأعمال التي تضاعف في هذه الأيام.

6) تشرع في اليوم العاشر منها الأضحية، لمن استطاع إليها سبيلا، وهي سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فدى الله ولده بذبح عظيم.

7) أداء صلاة العيد وحضور الخطبة من أجل الاستفادة، ويوم العيد هو يوم شكر وعمل بر.

أيها الإخوة المؤمنون؛ لا ينبغي للمسلم أن يفوت فرصة هذه الأيام المباركة؛ فالتجار في الدنيا عادة لا يفوتون المواسم التجارية المربحة؛ بل يستعدون لها أتم استعداد بجلب البضائع الرائجة، وإحضار السلع المطلوبة، وهذه الأيام العشر هي موسمٌ رابح للتجارة الربانية؛ فأين تجار الآخرة ليغتنموا فرصة هذه الأيام؟ أين التجار مع الله تعالى لجلب البضائع الرائجة والسلع المطلوبة؟ وهي الأعمال الصالحة؛ من الصيام والصدقة والتوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله تعالى تحميدا وتهليلا وتكبيرا؛ أي: (الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العلمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد، فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ كثير من الناس يسألون في هذه الأيام عن حكم حلق الشعر وتقليم الأظفار في العشر الأوائل من ذي الحجة؛ هل هو حرام أو مكروه؟

فقد انتشرت “أديوهات” و”فيودهات”؛ بعض منهم يقول: ممنوع وحرام، والبعض الآخر يقول: حلال ومباح؛ فكان ذلك سببا في التشويش على الناس، وهذا نتيجة الابتعاد عن المذهب المالكي؛ فلو تمسكنا به لوجدنا فيه الحل المناسب؛ وحتى نعرف قيمة المذهب المالكي هنا نستعرض أقوال المذاهب الأخرى؛ لأن قيمة الشيء تعرف بمعرفة غيره.

فالحنابلة شددوا في المسألة فقالوا بأن تقليم الأظفار وحلق الأشعار لمن أراد أن يضحي حرام؛ ومن هنا تلقف البعض عندنا القضية فشوشوا بها الناس، واعتمدوا في ذلك على ما روى الإمام مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها زوجة النبيﷺ أنَّ النبيَّﷺ قال: «إذا رأيتم هلاَلَ ذي الحجة، وأرادَ أحَدُكم أَنْ يَضَحِّيَ فَلْيُمْسكْ عن شَعرِه وأظْفَارهِ».

والحنفية تساهلوا في الأمر فقالوا: لا بأس بحلق الشعر وتقليم الأظفار فذلك مباح ولا نعبد الله تعالى بالأوساخ؛ ودليلهم ما روى الإمام مالك والبخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها وهي زوجة النبيﷺ أيضا ذكرت لنا بأن النبيﷺ في الأيام العشر أرسل الهدي إلى مكة مع أبي بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة من الهجرة، ثم قالت: «وأقامﷺ بالمدينة، فما حُرُم عليه شيء كان له حِلاًّ»؛ أي فما حرم على نفسه شيئا كان حلالا له؛ ومن هنا قالت الحنفية: يدخل في ذلك جواز تقليم الأظفار وحلق الشعر.

أما مذهب إمامنا مالك رضي الله عنه فقد توسط فسلك مسلكا بين التشدد والتساهل؛ فقال بأن ترك الحلق وترك التقليم مندوب وليس بواجب، وهو مذهب الشافعية أيضا؛ فمن التزم بالترك فله أجره، ومن حلق وقلَّم فلا حرج؛ قال الشيخ خليل في مختصره: “و(ندب) ترك حلق وقلمٍ لِمُضَحٍّ عشرَ ذي الحجة”؛ والخطب هنا سهل، فمن أراد أن يضحي يستحب له أن يترك حلق شعره وتقليم أظفاره حتى يذبح أضحيته؛ اقتداء بما روته أمُّ المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها من سنة رسول اللهﷺ القولية، ومن خالف إنما ترك الأفضل والأولى؛ أخذا بما حكته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من سنة رسول اللهﷺ الفعليه؛ ولله الحمد والمنة.

ألا فاتقوا الله عباد الله؛ وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.