منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحوار بين الشراكة والقمار

د. أحمد زقاقي

0

 

معادلة رابح رابح، بعيدا عن المعادلة الصفرية، الشراكة في الأفكار لإيجاد حلول لمشاكل مشتركة، نص قديم بمضمون متجدد:

“المشاركة م من الخصمين في الجدل، كالمشاركة بين الشريكين في المال، ومن حكم الشريكين في المال أن يكون الربح بينهما، كذلك الغرض من الجدل أن يكون ما يظهر من الحق يشتركان فيه،  ومتى قصد أحدهما الانفراد بالحق أو غلبة صاحبه فقد أخرج صناعته عن حكم الشركة، وأدخلها في باب القمار الذي ينفرد به أحد المتقامرين بالربح والآخر بالخسران، وبان بهذا أن الغرض المطلوب من الجدل: بحث كل واحد من المتجادلين عن مطلوب نظري باستمداده من رأيه ورأي صاحبه ما يؤدي إليه” عيار النظر، أبومنصور البغدادي، ص 139. والتعقيب على هذا النص وعلى ما أصبحنا نلمسه من ارتفاع حدة الاستقطاب العرقي، بعد التطبيع من الكيان الصهيوني، وانتشار خطابات الكراهية، يقتضي رسم أمور:

1. إن المجادلة عما لا اختيار للإنسان فيه، يكون أحيانا كثيرة مضيعة للوقت فلم يختر أحدنا عرقه ولا انتماءه الجغرافي، ويكون الدفاع عنهما بالقدر الذي يعليان فيه من شأن الفكرة، ويدافعان عنها، فإن قيل: في ديارنا مسلمون بالوراثة، وهناك في ديار الغرب مسيحيون بالوراثة، كما في الشرق الأقصى بوذيون بالوراثة، قيل: إن من مقررات الدرس العقدي عدم جواز بناء العقائد على التقليد لمن تمكن من آلات النظر، ولقد كانت العجائز في البيوت والأطفال في الكتاتيب يرددون قول ابن عاشر:

أول واجب على من كُلِّف///مُمَكَّنا من نظر أن يعرف

المزيد من المشاركات
1 من 83

الله والرسل بالصفات ///مما عليه نصب الآيات

لأن المقلد تقليدا أعمى لن ينصر قضية، ولن ينشر فكرة، ولن يستفيد عبرة.

2. لذلك فُضِّل الإنسان بالفكر، لا بلونه ولا بجنسه ولا بعرقه، نعم قد يقع الاقتتال والاحتراب باسم الأفكار، إما لرد العدوان والمقاومة ضد محتل بغيض، أولاعتناق أفكار مزيفة، والمدافعون عنها منافقون، وهذه ظاهرة عابرة للأديان والقارات، والأجناس والأعراق والألوان، ولذلك جاء بُعْدُ العالمية في الإسلام متضمنا للرموز المقدسة للسابقين بعد التنبيه على مواطن التحريف والانحراف: موسى عيسى، عليهم وعلى نبينا افضل الصلاة وأزكى التسليم، متضمنا لضمان حرية العقيدة، وهذا الضمان هو الذي يُفسِّر تعددية لبنان الطائفية، رغم تحويل الاستعمار وأذنابه هذه التعددية من نعمة إلى نقمة، ومن عنصر غنى إلى عامل تفتيت وتقسيم.

3. لقد قيل عندما تغيب الفكرة يظهر الصنم، في حالتنا المغربية أصنام الوثنية السياسية، وعبادة القائد الملهم، وتسمية الشوارع باسم الأشخاص والقبائل لا الأفكار، وأصنام القومية العربية الشوفينية، والأمازيغية المتطرفة التي يخوض بعض كُبَرائها حربا ضد الإسلام لا ضد الاستبداد، فصاروا تُرْسا في آلته، وكَتِيبة في جيوش الثورات المضادة، ولذر الرماد في العيون لا باس من انتقاد سلوك سلطوي هنا أو هناك، استثناء يؤكد القاعدة. وهم بذلك لا يخدمون القضية الأمازيغية بل يشوهونها ولو بُعِث المختار السوسي ومحند حمو الزياني ومحند حمو الورايني وعيد الكريم الخطابي الريفي ومحمد شفيق رحمهم الله من قبورهم لرموهم بالحجارة.

4. إن الاستبداد يعمل ويسلك وفق المنطق الفرعوني(إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شِيَعا) يستخلص شيعا من الأعراب وشيعا من الأمازيع وشيعا من اليهود وشيعا من المسلمين وشيعا من المسحيين، المهم بل الأهم عنده هو الحفاظ على الكرسي والمصالح والولاءات والامتيازات، عبرخلط الأوراق، يوما ما تَمنَّع اليسار الاشتراكي فأذله باعتماد الخوصصة، واليوم يتمنع إسلاميو المشاركة على التطبيع فأذلهم بالتوقيع عليه، ليقول للناس :حتى الإسلاميون مطبِّعون.

5. اليوم نحن مدعوون للاختيار بين إقامة وطن يسع جميع أبنائه وبناته، بقلوب متسامحة، وأيدي متعاونة متساندة لرفع المغرب إلى مصاف الدول العظمى، المغرب ذي التاريخ العريق، والإسلام العظيم، الذي أنقذَ يهودَه من محاكم التفتيش الأوروبية، وخدمه الأمازيغ أكثر من العرب، أو تمزيق الوطن، وتفكيك وحدته، والرجوع به إلى القرون الوسطى الأوروبية.

6. كل المغاربة يعرفون حديث (من غشنا فليس منا) بل منهم من يظن خطأ أنه آية قرآنية، لكن القليل منهم سمع بحديث (ليس منا من دعا إلى عصبيةٍ ، وليس منا من قاتلَ عصبيةً ،وليس منّا مَن مات على عصبيةٍ)، وفي مضمار التنزيل والتطبيق تجد منهم من يتنزه عن الغش ولا يَسْلَم من العصبية، عصبية مَقِيته عنوانها الأبرز “خطاب الكراهية” : أدبيات الهجاء، وكلمات الإهانة، وأوصاف التحقير، ونعوت التكفير: التكفير السياسي والديني، والتشهير والتمييز والتحريض، وال ISLAMOPHOBIA ، وال ISLAMOSTOPHOBIA ، وال AMAZIGHOPHOBIA ، وال ARABOPHOBIA،

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

7. إن  حرب اللسان التي تجسدها “خطابات الكراهية”، لاسيما عندما ينخرط الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في لوك مفرداتها، والترويج لها  ستؤدي حتما إلى العنف والحرب الأهلية إن لم يتم تدارك الأمر قبل فوات الأوان، بإجراءات عملية مؤسسية فاعلة، أقلها تأسيس “مرصد وطني للكشف عن خطابات الكراهية”، يكون مستقلا، حتى لا يستغله طرف ضد طرف، ولا يعادي أي مكون من المكونات الوطنية، يشرف عليه علماء الدين والنفس والقانون والاجتماع، دون تمييز أو إقصاء، هدفه الأساس الحفاظ على تماسك اللحمة الوطنية. (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.