منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أرضية للحوار السياسي بين القوى السياسية في المغرب مقدمة منهجية للحوار السياسي

ذ. محمد يتيم

0

نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى العدد الثاني

قراءة وتنزيل المقال pdf

مقدمة في ضرورة الحوار الوطني:

الحوار الوطني بين مختلف المكونات السياسية والثقافية هو شكل حضاري راق من أدوات تدبير الخلاف، وإغناء ذاتنا الحضارية وتمنيعها في مواجهة الأخطار المحدقة التي تواجهنا. إن الحوار الوطني الحضاري تفرضه عدة تحديات واقعية فضلا عن أنه تقليد متأصل في ديننا وحضارتنا.

تحديات واقعية في وجه أمتنا:

إن الأمة العربية اليوم توجد في لحظة تاريخية تتميز بكونها أمة مستهدفة عقديا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا. إنها مستهدفة في استقلالها السياسي والاقتصادي، لا فرق في ذلك بين يمينيّها ويساريّها وقوميّها وإسلاميّها، بين عروبيّها ووطنيّها ما داموا يؤمنون باستقلال الأمة وما داموا يرفضون استتباعها وإلحاقها بغيرها ثقافيا واقتصاديا.

المزيد من المشاركات
1 من 32

وقد كان التمزق في الجبهة الداخلية دوما ولا يزال هو المدخل الأسهل للقوى المعادية لطموح الأمة في الاستقلال الاقتصادي والسياسي. ويمكن أن نؤكد أن ما آل إليه الوضع العربي الإسلامي من بين أسبابه الجوهرية تفشي ظاهرة الاختلاف غير العقلاني وانشغال مكونات صف الأمة بالمناطحات الداخلية.

ولا شك أن استمرار هذا الوضع يصطف في المخطط الهادف إلهاء الأمة بالخلافات الفرعية وإشعال الفتنة والحروب الأهلية في اتجاه وضع جديد اصطلح عليه المفكر الإسلامي منير شفيق “سايس بيكو الثانية”، وهو مخطط يسعى إلى تفتيت دولة التجزئة القطرية التي نجمت عن “سايس بيكو” الأولى. ولا شك أن تعميق الشروخات بين الاتجاهات الثقافية والسياسية وإحياء النعرات العرقية والنزعات الانفصالية وإغراء الاتجاهات الوطنية والقومية والإسلامية بعضها ببعض يصب بعمق في تحقيق هذا الهدف.

الحوار في الثقافة والحضارة الإسلاميتين:

ليس الحوار ضرورة واقعية فحسب وإنما هو تقليد مترسخ في ثقافتنا وحضارتنا الإسلامية، إذ على عكس ما قد يتبادر إلى الذهن فإن المنظومة العقدية والتجربة التاريخية للحضارة الإسلامية، كلها تفسح مجالا واسعا لثقافة الاختلاف والحوار.

الحوار في القرآن الكريم:

المتأمل في القرآن الكريم والسنة النبوية وفي تراثنا الثقافي والحضاري سيلمس أصالة منهج الحوار في تلك الثقافة وذلك التراث.

ففي القرآن الكريم يحتل الحوار مكانة هامة كما تدل على ذلك البنية الحوارية للنص القرآني ويشهد بذلك العدد الهائل من الآيات المحتوية على أفعال الحوار الصريحة مثل (قال ـ قلنا ـ قالوا ـ قل ـ قيل ـ والتي تربو على 1500 آية).

ثم هناك دعوات صريحة للجدال الحسن، عند وقوع الاختلاف بين المسلمين وبين غيرهم، وآيات عديدة في ذلك نذكر منها قوله تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).

وكما هو واضح من هذه الآية، فهناك إشارة إلى الحذر من التصنيف أو إصدار الأحكام النهائية على المخالفين. فالضلال أو الهداية هما أمران يختص بهما العلم الإلهي بما يعنيه ذلك من سعي إلى الحوار مهما ظهر أن المسافة بعيدة بين الطرفين، وهذا الحرص على الحوار يبدو في نموذج آخر ويتمثل في دعوة الله لنبيه موسى عليه السلام هو وأخوه هارون بالذهاب إلى فرعون الذي يمثل قمة الطغيان الذي بلغ إلى حد ادعاء الألوهية. ومع أن الله أعلم بحالة فرعون وبمآله، نجد هذا التوجيه لنبيه وأخيه (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) القرآن الكريم سجل أيضا نماذج من الحوار دارت في الملإ الأعلى، حوار بين خالق الخلق جميعا وبين الملائكة كما تسجل لنا ذلك سورة البقرة في قصة آدم في قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة…) إلى قوله: (… وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).

ويتجاوز الأمر هذا المستوى من الحوار الاستخباري من جهة الملائكة للخالق سبحانه، إذ يسجل القرآن أشكالا من الحوار تتضمن أعلى أشكال الغطرسة والتكبر على الخالق والعناد والجحود كما يتجسد ذلك في الاعتراض الشيطاني على الذات الإلهية (قال: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك؟ قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين. قال: أنظرني إلى يوم يبعثون. قال: إنك من المنظرين. قال: فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين).

وفي نفس السياق سجل القرآن أشكالا متعددة من الاعتراض على عقيدة البعث والنشور كما في قوله تعالى: (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه. قال: من يحيي العظام وهي رميم). فهو اعتراض يبدو مدعما بحجة العقل. والقرآن يعرض هذا الاعتراض بكل أمانة قبل أن يرد عليه بمنطق عقلي بسيط (قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون. أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم).

الحوار في ظل الحضارة الإسلامية:

لقد ورث المسلمون في عهودهم الحضارية الزاهرة هذا النموذج المنفتح فكانت الساحة الثقافية الإسلامية مفتوحة على كل التيارات والاتجاهات كما تشهد لذلك الكتب التي أرخت لمقالات الإسلاميين وللملل والنحل وللفرق، وما ذلك إلا لعناية المسلمين بضبط هذا الثراء الفكري وتسجيله ونقله إلى الأجيال الأخرى مع أن الأمة الإسلامية هي أمة الوحدة والتوحيد.

ولئن كان البعض قد ينظر إلى ذلك الانفتاح على أساس أنه عامل ضعف فإنه في الحقيقة عامل قوة: فقد اندثرت في جو المناظرة كل التيارات التي لم تستطع أن تصمد في معركة الفكر والعقل والجدل والمناظرة، بينما بقيت التيارات التي امتلكت مقومات الصمود في معركة البقاء للأصلح.

وقد احتلت المناظرة شأنا كبيرا في سائر قطاعات المعرفة الإسلامية. فقد أقيمت مجالس للمحاورة عرفت بـ “المناظرات” كما وضعت تآليف على طريقة المناظرة في مختلف الميادين. وظهرت صنوف من الخطابات مثل “خطاب التهافت” و”خطاب التعارض” و”خطاب الرد” و”خطاب النقض” وما إليها.

بل حيثما وجدت مدارس واتجاهات في مجال من مجالات المعرفة الإسلامية، كانت المناظرة طريقة التعامل بين أهلها، وهذا شأن الفقه (باب الخلاف) والنحو (باب القياس) والأدب (النقائض). ولم تكن المناظرة وجه تفاعل التيارات التي تنتسب إلى قطاع علمي واحد فحسب، بل طبع أيضا التعامل بين أهل العلم من قطاعات مختلفة (المناظرة الشهيرة بين أبي سعيد السيرافي النحوي ومتى بن يونس الفيلسوف).

ويستدل الدكتور طه عبد الرحمان على أهمية المنهج الحواري الجدلي عند المسلمين بغنى معجم المناظرة في اللغة العربية، إذ نجد في هذه اللغة ثراء اصطلاحيا للإشارة إلى هذا الموضوع. فبالإضافة إلى لفظتي “المناظرة” و”المحاورة” نجد المخاطبة والمجادلة والمحاججة والمناقشة والمطارحة والمساجلة والمعارضة والمناقضة والمداولة والمداخلة… إلخ.

واقع الحوار في المغرب:

المتأمل في العلاقة بين مختلف القوى السياسية والتيارات الفكرية يلاحظ أنه لم تتبلور بعد في فضائنا الثقافي والسياسي ثقافة حوارية، فلا يزال المنطق المهيمن على العلاقة بين مختلف مكونات مجتمعنا هو منطق الإقصاء والتنافي. إذ لا يزال كل طرف ينظر إلى نفسه على أساس أنه هو المالك للحقيقة التي ليست من بعدها حقيقة.

ثقافة الإقصاء والتنافي صبغت تاريخنا المعاصر والعلاقة التي حكمت المعارضة في المغرب بالحكم، وهي لم تكن تسير في اتجاه واحد أي من جهة الحكم في اتجاه المعارضة، بل كانت تسير في الاتجاه الآخر أي من جهة المعارضة في اتجاه الحكم، ومن جهة مكونات المجتمع السياسي أي الأحزاب. فقد هيمنت ثقافة الحزب الوحيد في الفكر والسلوك السياسيين للفاعلين السياسيين آنذاك، وحكم منطق الإلغاء والإقصاء الحكم المهيمن آنذاك في علاقته بالأحزاب التي لم تكن تشاركه نفس الإطار التنظيمي والخط السياسي.

وانتقلت هذه الثقافة من مجال العلاقة بين الأحزاب السياسية والنظام وعلاقة الأحزاب السياسية فيما بينها، إلى داخل الأحزاب السياسية ذاتها، مما جعل الطريق الوحيد للتعبير عن الاختلاف هو الانقسام وتأسيس حركات سياسية ونقابية جديدة.

وقد كانت ثقافة الإقصاء تتخذ في بعض الأحيان طابع العنف مما جعل تاريخنا السياسي يحبل بظاهرة التصفيات والاغتيالات السياسية، وفي أحسن الأحوال جعل لغة الخطاب السياسي مطبوعة بالعنف اللفظي وهو ما يفسر سيادة خطاب “التعميل” و”التخوين” و”التفسيق” و”التكفير” في أدبيات مختلف الفرقاء السياسيين.

ورغم أن تاريخنا السياسي المعاصر يشهد على محاولات للتقريب بين بعض العائلات السياسية وسعيها للالتقاء على برامج للعمل السياسي (محاولات لتفعيل الكتلة في بداية السبعينات، ونفس الشيء في التسعينات، ظهور أحزاب الوفاق كرد فعل على أحزاب الكتلة) إلا أن الملاحظ، فضلا على أن هذه المحاولات لم تؤد إلى إنتاج تحالفات سياسية حقيقية على أساس برامج سياسية وأرضية فكرية صلبة، أنها كانت محكومة بجهود زعامات وشخصيات سياسية (علال الفاسي، عبد الرحيم بوعبيد، امحمد بوستة)، كما أنها كانت محكومة بحاجات ظرفية (المواجهة السياسية مع النظام) فضلا عن أنها كانت محكومة بمنطق “الحزب الوحيد” في المحصلة ما دامت لم تنفتح إلا على رفاق الحزب الوحيد الذي آل أمره إلى انقسامات متتالية، بل لقد ظل منطق التعالي والإقصاء حاضرا من خلال احتكار صفة “الوطنية” ورفض التحاق مكونات سياسية أخرى لا تنتمي إلى نفس العائلة “التاريخية”.

ولهذا السبب وغيره لم تلق دعوات وازنة نادت بالحاجة إلى قيام “كتلة تاريخية” أي صدى، بل سرعان ما خبا صوت بعض الرموز الفكرية والتاريخية، وأفسح المجال لأصوات أخرى تركز على الحاجة إلى “الفرز” وتؤجج نار الصراعات السياسية والفكرية والمذهبية داخل نفس الإطار الحزبي، وهو ما يفسر تفشي ظاهرة الانقسام الحزبي، والاحتراب الداخلي، ناهيك عن الاحتراب مع التوجهات السياسية والإيديولوجية المخالفة.

ولم تسلم مكونات الحركة الإسلامية نفسها من هذا الداء العضال، حيث وجدنا أن بعض اتجاهاتها إنما بنت نفسها أحيانا من خلال الاقتيات على الخيبة الشخصية والحركية والسياسية في الحركات المخالفة، وكانت الدعوة إلى الحوار لا تتم إلا في إطار تلميع صورة الذات الحركية وبيان أنها “منفتحة”، وإلا في إطار “إقامة الحجة” على الآخرين الذين يرفضون الاجتماع على أرضية مشتركة، في حين لم يكن المقصود من “الأرضية المشتركة” إلا الالتقاء حول أرضية هذا الفصيل أو ذاك، في حين أن أولى فضائل الحوار ومزاياه وأهدافه ومنطلقاته وجب أن تكون أولا وقبل كل شيء الاستماع إلى الطرف الآخر لا السعي إلى احتوائه واستيعابه، والسعي الجاد إلى إيجاد القواسم التي تجمع وتقرب، لا تأكيد ما يباعد ويميز هذا الطرف عن الآخر.

أية أرضية للحوار؟

من الواضح أنه من السهل بالنسبة لنا نحن معشر الإسلاميين حينما نتحدث عن الحوار، خاصة بيننا وبين الأطراف الأخرى التي لا تنطلق من المرجعية الإسلامية أو تنطلق في تأويلها تأويلا مخالفا يؤدي إلى احتوائها وجعلها ناطقة بمرجعيات الغرب شرقه وغربه، والمرجعيات الأممية سواء منها ما تلاقى أو ما تعارض مع هويتنا، من السهل أن نعلن أن أي حوار سياسي وثقافي ينبغي أن يكون على أرضية الإسلام.

حوار التعارف وحوار البناء المشترك:

والواقع أنه ينبغي أن نميز بين حوار التعارف وبين حوار التشارك من أجل بناء المستقبل السياسي والاجتماعي والثقافي للبلاد.

ومن المعلوم أنه لا يمكن الحديث عن المستوى الثاني أي الحوار الذي يؤدي إلى الدخول في عمل سياسي أو اجتماعي استراتيجي مشترك إلا بعد أن نكون قد دخلنا في حوار أولي يؤدي إلى أن يطرح كل واحد منا ما عنده من أفكار وأطروحات ومشاريع، وقبل ذلك إلى أن تزول بين المتحاورين كل العوائق النفسية التي تجعل كل طرف من الأطراف يكوّن آراء ومواقف مسبقة.

في هذا السياق يعلمنا الإسلام أن نتحلى بأقصى درجات التسليم الجدلي للمخالفين، وذلك تطبيق عملي لقواعد منهج الجدل المحددة في قوله تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن). وفي قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم).

ويبلغ هذا التسليم الجدلي إضافة إلى الدفع في الجدل بالتي هي أحسن وبذل أقصى درجات التحمل والصبر على المخالفين، إلى حد افتراض “الضلال” في الأطروحة الإسلامية وفي نقيضها سواء كما في قوله تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون) وكما في قوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين).

يتأكد هذا في هذه اللحظة التاريخية والحضارية التي تمر منها الأمة أي هذه الظرفية التي لا زلنا نعاني فيها من آثار الهزيمة الحضارية التي حلت بالأمة نتيجة تراكمات تاريخية متتالية أفضت إلى أن تنشأ فيها القابلية للاستعمار، ومن ثم أدت إلى دخول الاستعمار وما ترتب عنه من اختراقات لم تقف عند حد الهزيمة السياسية أو العسكرية، بل تعدت ذلك إلى هزيمة نفسية واختراق ثقافي وفكري.

وهنا وجب أن نشير إلى الفرق بين حالة الاستقواء الحضاري التي كانت الأمة فيها في أوج قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، وبين حالة الوهن والتبعية الحضاريين اللذين توجد عليهما اليوم.

لقد كانت المبادرة في يد الأمة وهي التي كانت تضع جدول أعمال البشرية آنذاك وكانت تصوغ مفردات النظام العالمي. كانت العلاقة فيما بينها وبين الأمم الأخرى علاقة غالب بمغلوب والعكس هو الصحيح اليوم تماما. ورغم ذلك حرصت الحضارة الإسلامية على الحوار مع المخالفين وازدهر أدب الحوار والمناظرة سواء على المستوى العلمي أو على المستوى السياسي.

ولا شك أننا اليوم في ضوء حالة التمزق والاختراق التي تحياها الأمة والتي جعلت بعضنا مدافعا أمينا عن قيم الغرب ومصالحه بوعي أو بدون وعي، أحوج ما نكون إلى هذا الحوار المحتضن وذلك يعني أنه قبل أن نفتح حوارا سياسيا، وجب أن نفتح حوارا للتعارف وإزالة الحواجز النفسية التي لا يمكن بحضورها أن يقع استماع متبادل.

ومن المعلوم أنه دون هذا الاستماع لا يمكن أن نعرف حتى مواطن الخلل، إذ كثيرا ما نلحظ أن الفرقاء السياسيين وأصحاب الإيديولوجية يتوهمون خلافات غير موجودة أو يضخمون خلافات ثانوية، أو ينطلقون من التسليم بوجود اتفاق حول قضايا توجد حولها خلافات عميقة.

ورغم أنه لا يجوز ولا ينبغي أن نغيّب سؤال المرجعيات في أي حوار سياسي، الذي هو سؤال جوهري وأساسي أنه يحسم الأرضية التي يفترض أن تكون مشتركة بين مختلف مكونات الأمة، ولأن تحرير الإجابة على هذا السؤال أساسي في الإجابة على سؤال آخر هو السؤال المرتبط بهوية الأمة وما هو فيها ثابت وجوهري وما هو متغير، وما هو أصيل وما هو طارئ دخيل، وذلك لسبب بسيط هو أن حسم هذا النوع من الأسئلة يجعل باقي الخلافات خلافات تنوع لا خلافات تضاد، وخلافات تغني شخصية المجتمع وتعمقها ولا تؤدي إلى تمزيقها وإفقارها، وهي الحالة التي يمس فيها الخلاف الأسس التي يقوم عليها المجتمع، مما ينتقل بالخلاف من خلاف تنوع وإغناء إلى حرب أهلية طاحنة تدميرية…

أقول رغم ذلك كله، فإنه وبالنظر إلى الحالة الراهنة وإلى سيادة ثقافة الإقصاء والتنافي وادعاء امتلاك الحقيقة كل الحقيقة، فإنه قد يكون من الأولى بعد تجاوز مرحلة الحوار التعارف الاتفاق على جدول عمل لحوار يتناول قضايا تفصيلية يمكن أن يبلور فيها الجميع مواقف مشتركة. وقد تكون القضايا الكبرى مثل قضية فلسطين وقضايا التطبيع وبعض القضايا التي ترهن مستقبل الأمة مثل قضية تربية الأجيال والإصلاح الثقافي وقضايا البيئة والعلاقة مع الغرب، قضايا للتدريب على الحوار ولتجسير الهوة بين الأطراف، والتدريب على بناء المواقف المشتركة.

ومن دون شك فإنه خلال هذه القضايا الفرعية ستبرز اختلافات في وجهات النظر ترتبط باختلاف الزاوية المرجعية في التناول، ولكن ذلك لن يمنع من الاتفاق في المواقف العملية اتجاه ما يعرض من تحديات قد تفرض على الجميع حدا أدنى من التعايش والقبول بالطرف الآخر.

الاعتراف بالآخر شرط لكل حوار:

ومن دون شك فإن الشرط الأساسي لقيام كل حوار هو الاعتراف بوجود الآخر وحقه في الوجود مهما كان مخالفا.

وفي كثير من الأحيان نجد أن بعض الأطراف تشتكي من الظلم أو من الإقصاء في الوقت الذي هي نفسها غير مستعدة للنظر إلى ذاتها كحقيقة نسبية، وإلى وجود الطرف الآخر كحقيقة موضوعية لا يمكن القفز عليها مهما يكن تقييمها السياسي لها وحكمها عليها.

وعند الانطلاق من هذا الشرط والتسليم به، فإنه لا تصبح آنذاك أية حدود للحوار ولا أية ممنوعات ما دام ذلك سيتم ضمن مجموعة من الآداب والأخلاق المعروفة في ديننا وحضارتنا، أي ما دام ذلك سيتم في إطار من احترام الآخر واجتناب التشكيك في النيات والتجريح في الأشخاص والنيل من الأعراض.

وعندما نتحدث هنا عن عدم وجود حدود للحوار السياسي فلأننا ننطلق من أن الحوار في ظل الحضارة الإسلامية لم يقتصر على القضايا السياسية التفصيلية أي ما يمكن تسميته بقضايا السياسة الشرعية، بل إنه مس أيضا الدين، ليس فقط في ظل الدائرة العقدية الواحدة بل بين دوائر عقدية مختلفة (انظر ما قلناه في البداية عن أصالة أدب المناظرة في الحضارة الإسلامية) وهل هناك ما هو أشد دلالة على أصالة نهج الحوار في الحضارة الإسلامية من كون الكتاب المؤسس لهذه الحضارة أي القرآن الكريم أثبت مشاهد من الحوار في الملأ الأعلى بين الله وملائكته، بل بين رب العزة وبين الشيطان الذي تمرد على أمر ربه؟!

فلننظر ونعتبر!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.