منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في حوار خاص مع “منار الإسلام” الدكتور خالد زهري يفكك الخطابات التشاؤمية وعوامل الصدمة المرتبطة بانتشار كورونا

الدكتور خالد زهري

0

الدكتور خالد زَهْري أستاذ العقيدة والفكر بكلية أصول الدين التابعة لجامعة عبد الملك السعدي بتطوان. له العديد من المؤلفات والبحوث والدراسات المنشورة، فضلا عن مشاركاته المتعددة في ندوات ومؤتمرات وملتقيات وطنية ودولية. يتطرق في هذا الحوار إلى آثار الحجر المنزلي الذي ترتب على انتشار وباء كورونا (كوفيد 19) على السلوك التعودي والتعبدي للإنسان، مبرزا اختلاف تجليات هذا الاثر باختلاف الثقافة السائدة داخل الأسر، وكذا التركيبة النفسية لكل فرد. ومبينا أن الميراث النبوي غني برصيد هائل يجعل المحجور عليه في بيته مجتهدا في الارتقاء في منازل التقرب من الله، مشاركا في تحقيق غير ذلك من المقاصد الشرعية.

ويشير في ثنايا الحوار أيضا إلى ظهور بعض الخطابات التشاؤمية والتقاعسية، وبعض الأسئلة المرتبطة بالواقع العصيب التي تعود لعامل الصدمة التي اصابت العالم برمته، وجعلته يعجز أحيانا حتى عن ترتيب الأولويات. ويحذر في هذا السياق من الدعوات الخرافية من جهة، والدعوات الإلحادية من جهة أخرى، داعيا إلى التمسك بقيم التفاؤل وحسن الظن بالله. ولم يفوت الفرصة للتنبيه إلى أنه على الحكومات، خصوصا في الدول المقدمة، أن تتعظ مما جرى بأن تعيد لمفهوم “الإنسان” اعتباره ومحوريته، بدل السعي إلى تدميره.

السؤال الأول: كيف ترون – سيدي – أثر وباء كورونا على السلوك التعودي للإنسان الفرد عامة، وللمواطن المغربي خاصة، من خلال ما فرض على الجميع من الحجر المنزلي؟ وكيف ترون أثر الحجر المنزلي، على السلوك التعبدي للأسر المغربية، حالا ومآلا؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على النبي الكريم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين.

لا شك أن أثر الحجر المنزلي على الأسر، لن يكون متشابها ولا متحدا، بل سيختلف تمظهره بين الأسر، بل إنه سيختلف بين الأفراد داخل الأسرة الواحدة. وذلك راجع إلى الثقافة السائدة داخل كل أسرة، كما أنه راجع إلى التركيبة النفسية لدى كل فرد. فالأسرة المتدينة التي تعمر بيتها بذكر الله، وتلاوة كتابه، وحفظ ما تيسر منه، لن يكون الحجر المنزلي ذا تأثير سلبي عليها، بل ستكون؛ بالنسبة إليها؛ فرصة لتكثيف برنامجها اليومي الذي اعتادت – بالأصالة – أن لا تترك فيه فراغا، ولعلها كانت تعاني من ضيق الوقت لإتمام برنامجها اليومي قبل فرض الحجر الصحي عليها.

أما على مستوى الأفراد، فالذي يميل إلى المكث والاستقرار، سيكون حتما أقل ضغطا من ذلك الذي لا يقر له قرار، ولا يطيق المكوث في مكان واحد. وهذا ينطبق أيضا على المتدينين أنفسهم، فالذين يميل إلى العزلة في عباداته، سيكون أكثر حظا في الانتفاع من الحجر الصحي، من ذاك الذي لا يجد نفسه متقربا إلى الله تعالى إلا إذا كان مختلطا مع الناس.

وفي كل الأحوال، فإن ميراثنا النبوي، وتراثنا الديني، غنيان؛ والحمد لله رب العالمين؛ برصيد هائل من الوسائل، التي تجعل المحجور عليه في بيته متعبدا في محرابه، مجتهدا في الارتقاء في منازل القربة في خلوته. ومن عيون هذا الرصيد المكنون، قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس من رجل يقع الطاعون، فيمكث في بيته، صابرا محتسبا، يعلم أنه لا يصيبه، إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد” (رواه أحمد والبخاري). ولا جرم أن هذا الحديث يندرج تحته كل من تحلى بالصبر والاحتساب والتوكل في زمن الأوبئة، سواء قضى بالوباء أو نجى منه، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني: “اقتضى منطوقه، أن من اتصف بالصفات المذكورة، يحصل له أجر الشهيد، وإن لم يمت” (فتح الباري: 194/10).

وإذا انضاف إلى الحجر الصحي عامل الخوف، فإنه يتخذ؛ عند المتدين؛ خمسة تجليات على الأقل:

التجلي الأول: أن يكون هذا الخوف الطارئ من مصاديق “المصيبة”، التي توجب الرجوع إلى الله تعالى، طمعا في الرحمة، ورغبا في الهداية، فقد قال الله تعالى: “ولنبونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون” (البقرة: 154 – 156).

التجلي الثاني: أن هذا الخوف الطارئ، يتحول إلى انكسار أمام رب العالمين، إشفاقا على النفس من أن يكون ذلك عقابا إلهيا، ووثوقا بأن الله تعالى يعفو، ويغفر، ويرحم، لأن من أسمائه الحسنى: “الرحمن”، و”الرحيم”، و”اللطيف”، و”الغفور”، و”الرؤوف”، و”العفو”، إلخ. فلا غرو أن يكون الانكسار من أرقى منازل القربة من الله تعالى. ونصطفي من الرصيد الأثري؛ في بيان ذلك؛ هذا الخطاب الإلهي إلى نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام: “ابغني عند للمنكسرة قلوبهم”.

التجلي الثالث: أن في هذا الحجر المتلبس بالخوف، تصفية للقلب، وتزكية للنفس، وترقية للروح. لأن الخوف، إذا ربطه الخائف بالقضاء والقدر، وتحقق بأسماء الله الحسنى، كاسمائه: “القابض”، و”الباسط”، و”الحكم”، و”الحكيم”، و”المانع”، و”الضار”، و”النافع”. ثم امتزج هذا الخوف بالرجاء المربوط هو الآخر بالله تعالى، صار هذا العبد متقلبا بين الخوف والرجاء، متلونا بينهما، وهو “مقام التلوين” عند الصوفية، وهو المعبر عنه في الحديث القدسي: “من رجا غير فضلي، وخاف غير عدلي، فليطلب ربا سواي” (رواه الحكيم الترمذي).

التجلي الرابع: أن هذا الوباء موقظ من الغفلة، وتراثنا الصوفي غني جدا بهذا التجلي، ومعجم التصوف وعنواناته زاخران بالمصطلحات المعبرة عنه، من قبيل: “إيقاظ الوسنان”، “تنبيه الغافلين”، “غرور النفس”، “الأكياس والمغترون”، إلخ. ومن الطرائف التي يمكن سوقها؛ في هذا المقام؛ ما نقله الخطيب البغدادي في “تاريخ بغداد” (3 / 276)، عن محمد بن سلام البصري الجمحي، أنه قال: “الإنسان في غفلة، حتى يوقظ بعلة”.

التجلي الخامس: أن يكون هذا الخوف مظنة للحذر الذي يجب أن يكون دثارا للمؤمن، وهو تجل واقعي،

قال عمرو بن العاص في “طاعون عمواس”: “الوباء كالنار، وأنتم وقودها. تفرقوا، حتى لا تجد النار ما يشعلها، فتنطفئ”. ويكفي مراجعة ما صنفه علماء الإسلام في “الحسبة”، للوقوف على مدى الحذر الشديد، الذي يجب على المسلم الالتزام به، تحقيقا لمقصد “حفظ النفس”، سواء في حالة الأوبئة أو في حالة السلامة منها، وهو الضرورية الأولى من الضروريات الخمس، التي تعد من أهم المقاصد العامة، التي جاءت مرعية في كل الشرائع.

نتيجة لهذه التجليات، التي بسطتها على جهة المثال لا الحصر، يحصل للعبد ما يسميه الحكيم الترمذي ب “لذة الطاعة”، و”لذة العبادة”. وأعظم به من مقصد! لو استطاع المحجور عليه، أن يسلك ذاك المسلك للظفر به، لكان من الفائزين. إننا نجتاز؛ في هذه المرحلة؛ مرحلة اختبار لأنفسنا أمام الخالق سبحانة، وهو اختبار، لا يكفي فيه النجاح، لأنه مقصد يستوي فيه المتعبد والملحد، بل النجاح الذي يفضي إلى مقصد آخر، وهو “الفلاح”، ولهذا جاء في الدعاء النبوي: “اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيمانا في حسن خلق، ونجاحا يتبعه فلاح”. فالنجاح قد يكون نجاحا بحسب الظاهر، لكنه وبال على صاحبه بحسب الباطن، وقد يبدو حياة جديدة بحسب الظاهر، لكنه قتل للنفس بحسب الباطن، وهذا هو معنى قول الفضيل بن عياض في تفسير قول الله تعالى: “ولا تقتلوا أنفسكم” (النساء: 29): “لا تغفلوها عن ذكر الله! فإن من أغفلها عن ذكر الله تبارك وتعالى، فقد قتلها”.

 

السؤال الثاني: ما هي “المقاصد الشرعية”، التي ينبغي الاستهداء بها، في هذه الظرفية الاستثنائية؟ وهل يمكن الكلام على “فقه جديد”، يمكن اعتماده في تقويم سلوك الأفراد والأسر؟

 

يوجد قسط من الجواب عن هذا السؤال في جواب السؤال قبله، ولبيان مضامينه نحتاج إلي شيء من التفصيل، فنقول: هناك أمر يجب أن نستخضره، في هذه الظرفية الاستثنائية والعصيبة، التي نجتازها، وهو في غاية الأهمية، بل بمكن أن نعده المقصد الأعظم، من بين سائر المقاصد، وهو الارتباط بالله عز وجل. ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟ يكون ذلك بأن نغير نظرتنا للأشياء، ونضع مقاربات روحانية لبعض سلوكاتنا، فيتحول الحجر الصحي إلى “اعتكاف” و”خلوة”، خاصة أنه تصادف مع شهر رمضان المبارك، حيث يفضل الاعتكاف فيه سائر شهور السنة، ويصير التباعد الاجتماعي “عزلة”، ويصير تحقيق كتب التراث؛ مثلا؛ “خدمة”، أعني: خدمة أولياء الله تعالى، وهل هناك خدمة لهم أفضل من التعريف بهم وبتراثهم؟! ويصير الصمت “فكرا”، وهل هناك فكر أفضل من التفكير في أن يغيث الله عباده؟! أو أن يكون من أجل مراجعة حساباتنا مع أنفسنا، ومع غيرنا، بل من أجل أن نمتلك الشجاعة لمحاسبة أنفسنا حسابا عسيرا، فتكون فرصة لأن نحقق في أنفسنا ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم، قبل أن تحاسبوا!”؟! ويصير الدعاء في الصلوات وغيرها، بأن يرفع الله عن عباده هذا البلاء، “تضرعا”، فيكون مصداقا عظيما من مصاديق قوله تعالى: “أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء” (النمل: 64)، إلخ. وبذلك تتحول كل سكناتنا وحركاتنا إلى قربات نتقرب بها إلى الله تعالى، فلا ينقضي زمن جائحة كورونا، إلا وقد تحولنا إلى رجال صالحين، وصار كثير من هؤلاء الصالحين من أولياء الله حقا.

كما يمكن لهذه المفردات؛ السائدة في هذه المرحلة العصيبة؛ أن تكون سبيلا للتحقق بأسماء الله الحسنى كما ألمعت إلى ذلك أعلاه، وكذا للتحقق بالمعاني القرآنية، وتحقيق كتاب الله في أنفسنا. فيصير الحجر الصحي معنى من معاني قوله تعالى مثلا: “والله جعل لكم من بيوتكم سكنا” (النحل: 80).

وكما تكلمنا على مصطلح “المقاصد”، ينبغي أن نثير مصطلحا آخر، في هذه المرحلة، وهو “الفقه”. لاسيما أن طبيعة هذا الوباء، والأحداث التي لابسته، جعلتنا أمام خمسة انواع من الفقه؛ على الأقل؛ وهي: “فقه الواقع”، و”فقه الحديث”، و”فقه التاريخ”، و”فقه الطب”، و”فقه السياسة”. وهي برمتها صالحة للاشتغال في هذه المرحلة.

 

السؤال الثالث: بالتزامن مع انتشار الوباء، أثيرت أسئلة وجودية، ترتبط بالدين وإشكالية الشرور في العالم. أي موقع سيحتله الدين في الفضاءين العام والخاص بعد كورونا؟

تزامن انتشار وباء كورونا مع ظهور أسئلة دينية كثيرة، وأهم هذه الأسئلة، حامت حول مصير الإنسان في هذا الكون: هل وصل الإنسان إلى زمنه الأخير؟ هل نعيش آخر الزمان، الذي تكلمت عليه كل الأديان؟ هل تحقق الوعيد الإلهي بمعاقبة هذا الإنسان الذي طغى وتجبر، وأشر وبطر، واستغنى فكفر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، التي لا أخفيكم، أنها كانت سخيفة جدا في أغلبها، إن لم نقل: في جميعها. لقد مر المسلمون، منذ عصر الصحابة (طاعون عمواس مثلا)، بأوبئة أخطر من وباء كورونا، لكن كثيرا من حاملي الخطاب الديني الوعظي المعاصر، المبني أساسا على أحاديث الفتن، دون وضعها في سياقها، لم يتساءلوا: لماذا لم يتعامل الصحابة، ثم التابعون، ثم من تبعهم بإحسان من السلف بهذا الخطاب التشاؤمي والتقاعسي في الآن نفسه. وإذا كانت هذه الأسئلة ارتبطت ارتباطا سطحيا بنوع من النصوص الدينية، وهي المتعلقة بأشراط الساعة وأخبار آخر الزمان، فإن أسئلة أخرى ارتبطت بالواقع العصيب، وهي أسئلة، لا شك أن مصدرها الصدمة التي اصابت العالم برمته، فأربكته، واوقعته في حيرة، جعلته يعجز عن تطبيق أسهل قاعدة منطقية، وهي “قاعدة ترتيب الأولويات”، او ما يسمى عند الفقهاء ب “فقه الموازنات”، فرأينا كثيرا من الحكومات تقدم ما يستحق التأخير، وتؤخر ما يستحق التقديم – خاصة في المجتمعات، التي تصنف نفسها بأنها متحضرة، ومتقدمة، ومتطورة! – كأن يقدم تشغيل مصنع صغير على مصلحة حفظ هذا الإنسان، الذي أكرمه الله، وجعله خير وأفضل مخلوقاته، ومن هذه الأسئلة سؤال قد يبدو ساذجا في ظاهره، لكنه في غاية العمق، بالنظر والتأمل في ملابساته ومآلاته وفي المرحلة العصيبة التي نجتازها، بل يمكن القول: إنه أعمق الأسئلة وأعقدها في هذه المرحلة، إنه سؤال تكونه هذه الأسئلة الفرعية الثلاثة: لماذا عجز العالم كله عن إيقاف فيروس كورونا؟ لما وقف أمامه، لا يبدئ ولا بعيد، تاركا له الساحة مستباحة، ليحصد الأرواح بعشرات الآلاف يوميا بدون هوادة؟ لماذا لا يميز هذا الوباء بين دين، أو عرق، أو جنسية؟

لا يسعنا إلا أن نعترف؛ في هذا السياق؛ أن الأديان، لطالما تفرقت، ولطالما تباعدت، ولطالما تحاربت، لكنها اتفقت في زمان كورونا لما وجد العدو المشترك، وهو الوباء القاتل للإنسان، والمهدد لوجودها، وبذلك تكون الأديان، قد عادت؛ من حيث يدري أتباعها أو من حيث لا يدرون؛ إلى القضية الجوهرية، التي من أجلها جاءت الأديان، وهو “الإنسان”. أليس حريا بهذه الأديان، أن تقف الموقف نفسه، عندما ترى شعوبا بأكملها تموت جوعا، أو تباد ظلما وعدوانا؟! لماذا خصوا الموت، الذي تجلبه كورونا إلى الإنسان، بالمواجهة والتحدي، دون الموت الذي تجلبه الرأسمالية المتوحشة في العالم، التي تقتل شعوبا، من أجل أن تعيش حفنة من الأغنياء في رغد العيش؟! ولماذا خصوا الموت الذي تجلبه كورونا بالمواجهة والتحدي، دون الموت الذي تنشره الآليات العسكرية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني؟! لا شك أن تخصيص موت كورونا بالمواجهة، دون الموت الذي يجلبه غيرها، ترجيح بدون مرجح، وهو من المستحيلات العقلية، التي يتنزه عنها العقلاء.

 

السؤال الرابع: ما هي المحاذير الشرعية، التي يتعين اتقاؤها في هذه الظرفية الخاصة؟

 

أعظم المحاذير الشرعية؛ والعقلية أيضا؛ التي يجب اتقاؤها في هذه المرحلة العصيبة، تتمثل في اتجاهين:

الاتجاه الأول: الدعوات الضالة التي تجد لها – عادة – مرتعا خصبا في مثل هذه الأزمات، وتجد لها التربة المناسبة للظهور. ذلك، أنه عندما تكثر الأزمات، ويحل البلاء، وتطلع برأسها الفتن، وتعجز الأمم المتخلفة عن مواجهتها بالعقل، باتخاذ الأسباب العلمية، وبالأخذ بمقتضيات العقل في تدبيرها، وتكون فارغة من الرصيد الروحي، الذي يؤهلها للتوجه إلى الله تعالى بالذكر والتضرع، تشيع الخرافة، وتتمكن الأسطورة، ويصير الجهل هو القائد لأفكار الناس، وهو المتحكم في أحلامهم وتطلعاتهم، من قبيل ما دار في الشهر الماضي (مارس 2020)، في مواقع التواصل الاجتماعي، من دعوى مصدرها الهند وباكستان، وهي دعوى وجود شعرة رقيقة في القرآن، حدث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم امرأة رأته في رؤية منامية، وأمرها بنشر الخبر، وأن الاغتسال بها يقي ويشفي من وباء كورونا.

ولا شك أن توزيع هذه الخزعبلات، ومشاركة هذه الترهات،، مع اعتقاد صحتها، أو إيهام إمكانية وقوعها، سيسهم في توسيع دائرة الجهل والتخلف في مجتمعاتنا الإسلامية، أكثر مما هما شائعان ومنتشران فيه. ومن قبيلها أيضا، ادعاء النبوة والمهدوية، كما حصل في مصر، في شهر مارس الماضي أيضا، حيث ادعى أحمق معتوه سخيف، أنه المهدي، وأنه المسيح الموعود، وأنه نبي مرسل من الله تعالى.

الاتجاه الثاني: الدعوات الإلحادية، التي أتوقع ارتفاع حدتها، بعد انتهاء جائحة كورونا. ولا غرو أن نقرر أن حجة الملاحدة، لن تكون صعبة الاستشراف، بل يسهل التكهن بها، دون أن تكون بين أيدينا أدوات الدراسات المستقبلية، وهي زعمهم الآتي: لقد تم القضاء على هذا الوباء بالأدوية واللقاحات، التي تعب في اكتشافها العلماء والأطباء، ولو عولنا على أدعية المتدينين، وعلى تضرع الأىمة ورجال الدين، لبقيت كورونا تحصد المزيد من الأرواح! لا شك أن هذه المقولة الإلحادية ضعيفة، لما تتضمنه من مغالطات منطقية، كمغالطة التعميم الزائف، لأن العلماء والأطباء، ليسوا كلهم من ذوي النزعة المادية، إذ فيهم الملحد، وفيهم المؤمن، وفيهم المتدين المنفتح، وفيهم المتدين المتعصب، فلا معنى لربط هذا الاكتشاف بزمرة منهم، قد تكون هي الأقل عددا، وهي زمرة الملاحدة، كما أن تنصيب المتدينين هدفا لطعونهم، يندرج تحت مغالطة رجل القش، لأنهم جعلوا منهم خصما، يرسلون إليه نبالهم، مع اعتقادهم أنهم هدف وهمي، لأن هدفهم الحقيقي هو تحقيق مآربهم الإباحية. وعليه، فإن المهمة ستكون شاقة جدا أمام المثقف المؤمن، سواء كان مسلما أو غير مسلم.

 

السؤال الخامس: هل يمكن أن نتصور مآلا محمودا لهذه الظرفية الخاصة التي نعيشها؟

 

ديننا؛ والحمد لله؛ دين يزرع التفاؤل، ويحث على إحسان الظن بالله وبالناس،. وفي المقابل ينهانا هذا الدين عن اليأس، يقول الله تعالى: “ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (يوسف: 87)، وجاء في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء” (رواه أحمد). ومن أجمل ما يزخر به تراثنا الصوفي “القصائد المنفرجات”، وهي كثيرة جدا، تذكر الناس بأن الفرج سيأتي بعد الشدة، والأمل بعد الهم والغم، والفرحة بعد الحزن، ولعل اشهرها منفجرة أبي فضل يوسف بن محمد ابن النحوي (ت. 513 ه)، والتي مطلعها:

اشتدي أزمة تنفرجي * قد آذن ليلك بالبلج

وظلام الليل له سرج * حتى يغشاه أبو السرج

وسحاب الخير لها مطر * فإذا جاء الإبان تجي.

يجب أن لا تغيب عنا هذه القيم، ونحن نعيش في براثن هذا الوباء. يجب أن نتفاءل، وان نظن بالله خيرا، بأن نتحقق بأسمائه الحسنى: “الحفيظ”، و”الواسع”، و”البر”، و”التواب”، و”النافع”، إلخ، وبأن نعتقد أن الله تعالى يخفي وراء هذا الابتلاء خيرا كثيرا، وأنه سبحانه سيغفر به كثيرا من ذنوبنا، وأنه سيدخلنا إلى مرحلة نجتاز بها المصائب والويلات، التي جثمت بكلكلها على صدور المسلمين دهرا طويلا.

أملنا أيضا أن يكون مآل ذلك: أن تعتبر الحكومات، خاصة في الدول المتقدمة، مما جرى، بأن تعيد لمفهوم “الإنسان” اعتباره ومحوريته في هذا الكون، وأن تنصب إلى تحقيق سعادته، بأن تغير مسار التطور، ليسير في وجه تطوير الصناعات الطبية والغذائية والمعرفية، أكثر من انشغالها بصناعة وسائل التدمير والتخريب، وأن يكون مقصدها الأكبر هو “الإنسان”، بتحقيق آدميته، وحفظ كرامته، وتسخير الكون من أجله.

وقانا الله وإياكم من تداعيات الفتن، التي ترافق وباء كورونا، وتعصف بالعقول والأجسام، وحفظنا الله وإياكم من كل سوء ظاهر وباطن. والله غالب على أمره. ونسأله تعالى، بجاه اسمه الرحمان، وجاه اسمه اللطيف، وجاه اسمه الرحيم، وجاه أنبيائه ورسله عليهم أفضل الصلاة وازكى السلام، وجاه آل بيته الطيبين الطاهرين، وجاه صحابته أجمعين، وجاه الصالحين من عباده المخلصين، أن يرفع عن البشرية جمعاء هذا الوباء الخبيث، إنه لطيف بعباده، رؤوف بهم.

ولكم مني جزيل الشكر وعظيم الثناء، على هذه الأسئلة العميقة، التي تفضلتهم بمحاورتي بشأنها، راجيا من الله تعالى أن أكون قد وفقت في الإجابة عنها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.