منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منار الإسلام يحاور فضيلة الدكتور نور الدين قراط

0

تتشرف هيأة تحرير موقع “منار الإسلام” الالكتروني أن تستقبل فضيلتكم في نافذة: “حوارات مع العلماء والخبراء” التي يخصصها الموقع لإجراء سلسلة حوارات مع أهل العلم والخبرة في قضايا ملحة معاصرة. وقد اختارت هيأة التحرير أن تحاور فضيلتكم في القضية الأولوية والملحة  وهي:

“وباء كورونا وأثره في السلوك الفردي والأسري التعودي والتعبدي ومآلاته المستقبلية”.

 

السؤال الأول:

كيف ترون سيدي أثر وباء كورونا على السلوك التعوذي للإنسان الفرد عامة، وللمواطن المغربي خاصة، من خلال ما فرض على الجميع من الحجر المنزلي؟

مما لا شلك فيه أن ظهور هذا الوباء الخطير، وانتشاره في أنحاء المعمورة بهذا الشكل وبهذه السرعة، وما نتج عنه من أضرار  في الأرواح، وباقي المجالات الإنسانية، قد يحدث تغييرا في السلوك الإنساني، ليس على مستوى السلوك التعودي فقط،بل حتى على مستوى الفكري والرحي، وبخاصة أن العالم ولحد كتابة هذه السطور قد عجز عن معرفة ماهية هذه الجائحة، فضلا عن إيجاد دواء له، ومن هنا فلا مفر للإنسان إلا أن يعتبر ويتعظ، ويؤمن بأن هذه الشريعة الاسلامية، أوامرها مصالح كلها، ونواهيها مفاسد كلها، ولعل جل ما أمر به الطب المعاصر وما حذر منه، قواعده ووسائله أرشد إليها الاسلام، ومنها ما يسمى بالحجر المنزلي. ففي الحديث: إذَا سمِعْتُمْ بهذا الوباء في أَرْضٍ – يعني الطاعون- ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا.

المزيد من المشاركات
1 من 4

السؤال الثاني:

وكيف ترون أثر هذا الحجر المنزلي على السلوك التعبدي للأسر المغربية حالا ومآلا؟.

ليست هذه هي المرة الأولى من عمر الإنساية التي يحصل فيها مثل هذا الوباء ،بل سبق وأن نزلت بالأمة جوائح وكوارث من هذا النوع، ولم يترتب على ذلك انتقال الناس من عقائد نحو عقائد أخرى بالجملة لسبب أو لآخر،  يمكن أن يكون هناك من الناس من تدعوه مثل هذه الأزمات إلى التفكير وإعادة النظر فيما هو عليه من الاعتقاد والسلوك، سواء كان مسلما أو غير مسلم ،بل إن هناك من المسلمين من لا تغير منه الأزمات شيئا ،فيظل على الظلم والمعاصي وهكذا، ومن الناس من يكون عنده استعداد فطري ونفسي للرجوع للحق فتساعده الأزمات على ذلك، والقرآن صرح بذلك في كثير من الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ]الاعراف201[ ومنهم من لا تغير منه الأزمات والمصائب شيئا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ]الأنعام 36. [ وهكذا.

السؤال الثالث:

ما المقاصد الشرعية التي ينبغي الاستهداء بها في هذه الظرفية الاستثنائية في تقويم سلوك الأفراد والأسر؟.

إن المقاصد الشرعية المرتبطة بتقويم سلوك الفرد هي كثيرة ومتعددة ،يمكن إجمالها في النقاط الآتية:

أولا:

مقصد الحفاظ على النفس، لأنها غالية عند الله ،ولذلك وجب حفظها من التلف، سواء تعلق الأمر بالأفراد أو الجماعات، لأن العالم في نهاية المطاف مركب من أفراد الإنسان ، والقرآن قد تضمن ما يحفظ للنفس حرمتها ومنزلتها وكرامتها، وبناء عليه حرّم الاعتداء عليها أو على أي طرف من أطرافها إلا بحق ،والشرائع السماوية كلها قد اشتملت على ما يحفظ للنفس حرمتها. يقول أهل العلم: المحافظة على الأبدان قبل المحافظة على الأديان بالمفهوم الجزئي للدين، وهذا جدير بأن بجعلنا نفكر في هاته النفوس كل من موقعه.

ثانيا:

لابد من إعادة الاعتبار لمجال العلم والمعرفة، سواء تعلق الأمر بالعلوم الدينية أو الدنيوية ،إذ بهما ينصلح أمر هذه الأمة ويستقيم، ولذلك وجب على الجميع كل من موقعه ومسؤولياته، أن يعمل على ترسيخ ثقافة التعليم والتعلم والبحث الجاد .

ثالثا:

أهمية توحيد اللحمة الوطنية ،والوحدة الإسلامية بل والوحدة الإنسانية في مواجهة هذا الوباء، وها نحن قد رأينا كيف تسابق أهل الخير أفرادا وجماعات ومؤسسات إلى الالتزام بالقوانين المرتبطة بالوباء، والتضحية كذلك  بالغالي والنفيس من أجل الحفاظ على النفوس الإنسانية، وكذا إنجاح محاصرة الوباء، وفي نفس الوقت رأينا أقلية قليلة تسير عكس التيار العام ،بحيث لا تفكر إلا في نفسها فقط، وإن كان ذلك على حساب الآخرين.

رابعا:

الرضا بقضاء الله وقدره، وهذا ركن أساس في عقيدتنا، وكل شيء عنده بمقدار، وهو سبحانه خالق كل شيء، فالعالم كله بيده وتحت تصرفه، والإنسان المسلم ما عليه إلا أن يحكم شرع الله وعقله ليميز بين ما ينفعه فيعمل على جلبه، وما يضره فيعمل على درئه. ولا يجوز لنا تحت أي سبب، أو ظرف من الظروف أن لا نرضى بما قدر الله لنا، أو نترك الحبل على الغارب كما يقال، وإنما يجب أن نعمل بقاعدة ألأخذ بالأسباب. قال رجل للنبي – صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله أترك ناقتي وأتوكل أو أعقلها وأتوكل؟ قال: بل اعقلها وتوكل. ولذلك فإن الواجب علينا أن لا نستهين بالجوائح ، وأن لا نهول من شأنها بحيث لا نترك الأسباب المشروعة. كالتداوي، والأخذ بالاحتياطات المطلوبة ، ففي الحديث الشريف:”مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً”. وقوله: “صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً ، فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ ” .

خامسا :

التوبة الصادقة: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة قال الله –تعالى-:”كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ” [آل عمران:11]، وقال –تعالى-:”أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ” [الأنعام:6]، وقال –تعالى-:”أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ” [الأعراف:100]، وقال تعالى-:”وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” [لأعراف:96]، وفي دعوة نوح -عليه السلام- يقول –تعالى-:”فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً” [نوح: 10- 12]، وقال تعالى-: “وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ” [الطلاق2 3].

سادسا:

تفعيل دور التكافل الإجتماعي. لأن العمل الإجتماعي في الحضارة الإسلامية ساهم بشكل كبير في دعم وتطوير المؤسسات وكفالة الأيتام والأرامل وإغاثة الملهوفين…قال تعالى:(وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) [الْمَائِدَة: 2] وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ خِصَالَ الْبِرِّ فِي قَوْلِهِ: ( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ). [الْبَقَرَةِ 177] .

وهناك أمور أخرى كالصلاة والدعاء وغيرهما مما يؤثر إيجابا في تقويم سلوك الأمة….الخ

 

السؤال الرابع:

ما المحاذير الشرعية التي يتعين اتقاؤها في هذه الظرفية الخاصة من أجل مآل محمود؟

للإجابة عن هذا السؤال قلت سلفا واجب علينا أن لا نستهين بالوباء، وأن لا نهول من شأنه -أيضا-، وأن لا نترك الأسباب المشروعة. كالتداوي، والأخذ بالاحتياطات المطلوبة في مثل هذه النوازل، ففي الحديث الشريف:”مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً”. وقوله:” صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً ، فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ ” .

كما يجب أن نلتزم-أيضا-بالحجر الصحي، كإجراء وقائي، والوقاية خير من العلاج. ففي الحديث: إذَا سمِعْتُمْ بهذا الوباء في أَرْضٍ – يعني الطاعون- ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا.

كما يجب أيضا أن نلتجأ إلى الله سبحاته ونثق فيه ونعتمد عليه ، وفي الحديث الشريف: « اللَّهُمَّ ربَّ النَّاسِ ،أَذْهِب الْبَأسَ ، واشْفِ ،أَنْتَ الشَّافي لا شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ ،شِفاءً لا يُغَادِرُ سقَماً . ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [الْبَقَرَة 216].

 

شكر الله لكم فضيلة الأستاذ هذه الإنارات الطيبة وتقبل منكم راجين اللقاء بكم مرة أخرى بإذن الله

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.