منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاقتصاد الرقمي يسابق الزمن

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي / الاقتصاد الرقمي يسابق الزمن

0

الاقتصاد الرقمي يسابق الزمن

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

 

مقدمة:

يمر الاقتصاد العالمي بتحول رقمي سريع، فهو ناتج عن مليارات الاتصالات اليومية عبر الإنترنت بين الأشخاص والشركات والأجهزة والبيانات والعمليات. وهو يقوم على الترابط بين الأشخاص والمنظمات والآلات الناتج عن الإنترنت وإنترنت الأشياء IoT، وتكنولوجيا الهاتف المحمول.

ويتسم الاقتصاد الرقمي بتكنولوجيات كانت غير معروفة وقت ظهوره كمفهوم، ومنها النفاذ إلى الحزمة العريضة الثابتة بسرعة كبيرة جدا، والحزمة العريضة النقالة، والهواتف الذكية وتطبيقاتها، والمواقع الشبكية التفاعلية، والشبكات الاجتماعية، والمنصات التشاركية، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء.

المزيد من المشاركات
1 من 20

أولا: مفهوم الاقتصاد الرقمي

الاقتصاد الرقمي هو الاقتصاد الذي يعتمد على تقنيات الحوسبة الرقمية.

ويسمى أيضا؛ اقتصاد الإنترنت أو الاقتصاد الجديد أو اقتصاد الويب، لكن الاقتصاد الرقمي يتشابك مع الاقتصاد التقليدي، على نحو متزايد، ما يجعل التحديد الواضح أكثر صعوبة[1]. في السنوات الأخيرة، تم تعريف الاقتصاد الرقمي على أنه فرع من علم الاقتصاد يدرس السلع غير الملموسة ذات التكلفة الحدية الصفرية عبر الشبكة.

وقيل: هو الاقتصاد الذي يدور حول الحصول على المعلومات والمشاركة فيها، بهدف تحسين نوعية الحياة في كافة المجالات، من خلال الإفادة من خدمات المعلومات التكنولوجية المتطورة.

وقد أدخل دون تابسكوت -مدير الأعمال والاستراتيجي الكندي- مفهوم الاقتصاد الرقمي في عام 1995. وكان الإنترنت، وقتئذ، لا يزال في بدايات نشأته كشبكة عالمية، حيث صدر أول متصغح تجاري لشبكة الإنترنت في أكتوبر 1994. وكانت المواقع الشبكية تنشر المحتويات فقط ولا تعالج المعاملات. والأشخاص ينفذون إلى الإنترنت عن طريق الاتصال بالهاتف.

ثانيا: تطور الاقتصاد الرقمي

تطور الاقتصاد الرقمي والسوق الرقمية بشكل سريع؛ ففي سنة 2016، -على سبيل المثال- مثّل الاقتصاد الرقمي 15.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (11.5 تريليون دولار) و 18.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة، و10 في المائة في الاقتصادات النامية، في المتوسط. ووجد أن الاقتصاد الرقمي نما مرتان ونصف أسرع من الناتج المحلي الإجمالي العالمي على مدار 15 سنة الماضية، وتضاعف حجمه تقريبا منذ عام 2000. لكن تم إنتاج معظم القيمة في الاقتصاد الرقمي في عدد قليل من الاقتصادات فقط: الولايات المتحدة 35 في المائة، والصين 13 في المائة، واليابان 8 في المائة، وشكل الاتحاد الأوروبي مع آيسلندا والنرويج 25 في المائة أخرى[2].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 30

ويعتمد النموذج الاقتصادي الجديد على “تأثير شبكات التواصل الاجتماعي”، ويحدث عندما تزداد قيمة المنتج أو الخدمة للمستخدم بشكل كبير مع عدد المستخدمين الآخرين الذين يستخدمون نفس المنتج أو الخدمة. والسوق الرقمية هي سوق يمكن وصفها بأنها سوق متعددة الجوانب. والفكرة التي طورها جان تيرول، الحائز جائزة نوبل، تستند إلى فكرة أن المنصات ذات وجهين، تسمح هذه الميزة بتوضيح سبب قدرة هذه الأنظمة الأساسية على اقتراح محتواها بحرية، مع العملاء من جهة ومطوري البرامج أو المعلنين من جهة أخرى. في السوق حيث تتفاعل مجموعات متعددة من الأشخاص من خلال منصات كوسطاء، تؤثر قرارات كل مجموعة في نتيجة المجموعة الأخرى من الأشخاص من خلال عوامل خارجية إيجابية أو سلبية[3].

ولا تجمع الشركات الرقمية متعددة الجنسيات عائدات من جانب المستخدم لكن من جانب المعلن، وذلك بفضل بيع الإعلانات عبر الإنترنت.

ثالثا: المهارات الرقميّة وتعزيز النمو الاقتصادي

هناك تقاطع واضح بين حقّ الوصول إلى الإنترنت وانتشار البنية التحتية المناسبة لخدمات اتصالات البيانات ذات النطاق العريض (البينة الرقميّة) ومسار النمو الاقتصادي. بالفعل، أتاحت لنا تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إنشاء روابط  خلاقة بين البشر والآلات والإنترنت من خلال إدخال اتجاهات الأعمال الريادية الرقميّة الجديدة، ويظهر تجسد هذه الاتجاهات عبر إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي. ويسمح هذان الإتجاهان للآلات بتنفيذ إجراءات تشبه التي يقوم بها الإنسان مثل التعلم، والأداء، والفهم والتفاعل معنا نحن البشر وآلات أخرى ضمن عمليّة أتمتة مستمرّة.

وتجسد هذه التكنولوجيات الإمكانيات المنبثقة عن القوة الشبكية للاقتصاد الرقمي وقدرته على إعادة تعربف التعاون والقيادة، ورفع الإنتاجية البشرية، وبدء القضاء على العديد من الصناعات وتحدي قوة الشركات القائمة. وأصبح ذلك حقيقة في معظم البلدان المتقدمة والناشئة، مما يؤثر في إمكانات النمو والتنمية فيها.

وقد أسهم التبني الواسع لتقنيات المعلومات والاتصالات والانخفاض السريع في الأسعار وزيادة أداء هذه التقنيات، في تطوير أنشطة جديدة في كل من القطاعين الخاص والعام. تسمح هذه التقنيات الجديدة بالوصول إلى السوق وخفض التكاليف، فهي توفر نافذة من الفرص لتطوير منتجات وخدمات جديدة لم تكن مطلوبة من قبل.

رابعا: الاقتصاد الرقمي والسياسات العامة

يتبوأ الاقتصاد الرقمي مركز الصدارة في نقاشات السياسة العامة في العديد من البلدان، وبشكل أساسي المتقدمة منها. ولم ينشأ هذا الاهتمام عن النمو الهائل في التكنولوجيات فحسب، بنفاذ ما يقارب نصف سكان العالم إلى الإنترنت و80% من مواطني البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي إلى الحزمة العريضة الثابتة و/أو النقالة، بل لأن هذه التكنولوجيات تجتاح عالم الاقتصاد، من البيع بالتجزئة عن طريق التجارة الإلكترونية، إلى النقل، مثل المركبات الذاتية التشغيل، والتعليم كالعدد الكبير من الدروس المفتوحة المتاحة على الإنترنت، والصحة حيث الملفات الإلكترونية وشخصنة الطب، والتفاعلات الاجتماعية والعلاقات الشخصية.

وتعد الخطط الرقمية الوطنية، لعدد من الدول، حاسمة لتحقيق النمو والاقتصادي والاجتماعي اللازم لبلوغ أهداف التنمية المستدامة. وهذه الخطط هي أهم أشكال الدعم الاستراتيجي والسياسي من أجل تمكين الاقتصاد الرقمي من بلوغ كامل قدراته. ويتحقق ذلك برفع حصة سلع وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجموع القيمة المضافة والتجارة على المستوى العالمي؛ وإعادة توجيه رأس المال المجازف وغيره من أدوات التمويل لدعم القطاع الرئيسي في الاقتصاد الرقمي (أي قطاع تكنولوجيات المعلومات والاتصالات)؛ وتعميم النفاذ للحزمة العريضة وتحسين نوعيتها؛ وزيادة استخدام قطاع الأعمال والأفراد والحكومات لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أجل استحداث خدمات ومنتجات ونماذج أعمال تحفز النمو الاقتصادي والفوائد الاجتماعية.

خامسا: تحديّات الاقتصاد الرقمي

– يعتبر قياس المساهمة الاقتصادية الاقتصاد الرقمي من أهم التحديات التي تواجه دول العالم بسب صعوبة حصر وقياس الأبعاد الاقتصادية المختلفة الاقتصاد الرقمي.

– الإحصاءات غالبا ما تكون غير منتظمة، وعلى سبيل المثال؛ تشير إلى تقديرات لحجم الاقتصاد الرقمي على المستوى العالمي، والذي يقدر من قبل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بنحو 5.15 في المائة من إجمالي الناتج الإجمالي العالمي في عام 2019، لكنها غير منضبطة.

– عادة ما يتم الاحتساب استنادا الاتصالات وتقنية المعلومات في الناتج المحلي الإجمالي.

– على مستوى الدول العربية، تشير التقديرات المتاحة من واقع إحصاءات مساهمة قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في الناتج المحلي الإجمالي إلى تباين مستوى مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي للدول بسبب تدبدبه المستمر، وصعوبة الرقابة.

– قد تفوت الفرصة في معرفة الكثير من الإجراءات عبر التجارة الإلكترونية، والتي كان من اليسير معرفتها في الاقتصاد التقليدي.

– لا يمكن التوصل إلى المواقع العديدة التي تجري بها العملية التجارية على الإنترنت، وتنقسم التجارة الإلكترونية إلى ثلاثة  أنواع  من المعاملات على أساس طبيعة المتعاملين[4].

خاتمة:

يؤثر التحول الرقمي للاقتصاد في المفاهيم التقليدية حول كيفية هيكلة العمليات التجارية، وكيفية حصول المستهلكين على السلع. في هذا الاقتصاد الجديد، توفر الشبكات الرقمية والبنية التحتية للاتصالات منصة عالمية يقوم الأفراد والمنظمات من خلالها بوضع الاستراتيجيات والتفاعل والتواصل والتعاون والبحث عن المعلومات.

وفي مطلع سنة 2021، ومع التقدم السريع في تطبيقات التكنولوجيا لم تعد التكنولوجيا الرقمية الواجهة الأمامية اللامعة للمؤسسة، فقد تم دمجها في كل جانب من جوانب شركات والمعاملات المالية بشكل عام، ومن ذلك مثلا؛ ظهور وسيط تداول العملات الأجنبية عبر الإنترنت، تسمى “شركة وساطة” تقوم بتنظيم المعاملات بين المشتري والبائع، وتجارة العملات FOREX Broker، والتجارة الألكترونية، والعملات المشفرة، وغيرها.

لذا نؤكد –من هذا المنبر- على ضرورة ضبط القوانين المنظمة، للاقتصاد الرقمي بكل فروعه ومجالاته ومؤسساته؛ لحماية المواطن، والمؤسسات، واقتصاد الدولة، خاصة وأن جميع المواقع المنتجة للاقتصاد الرقمي هي مواقع فرضية لا تمثل الموقع الجغرافي للمنتج والمستهلك.


 

[1] – مقدمة في الاقتصاد الرقمي، د.جعفر حسن جاسم. الصفحة: 11.

[2] –  المصدر: مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. نيويورك. لعام: 2019.

[3]الاقتصاد الرقمي، د.محمود أحمد عياد صلاح.(الناشر: العلم والإيمان للنشر والتوزيع). الصفحة: 97.

[4] – دور البنوك في التجارة الإلكترونية، أياد عبد الله شعبان. مجلة اتحاد المصارف العربية، لبنان، العدد 285، السنة: 2004. الصفحة: 49 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.