منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلاقات البيداغوجية شروط التعليم الرقمي ومحاذير التنزيل ومعيقاته

ذ. إخلف وسعيد

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

يمكنكم قراءة وتنزيل المقال بصيغة (بدف pdf)

 ملخص

بما أن المدرسة المعاصرة قائمة في بنيتها على العلاقات البيداغوجية، فإن تجديد النظر والبناء في هذه الأخيرة باعتبارها فضاء للتواصل والحوار بين الأطراف المكونة لها ومجالا للتعاون والتكامل؛ يعد من أولويات الفعل البيداغوجي ومطلبا حضاريا على الفاعل التربوي التفكير فيه؛ قصد استئناف العمل خاصة في هذا الوقت بالذات الذي انفتحت فيه المدرسة على الثورة الرقمية، التي تعد من الوسائل الضرورية لمسايرة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها الواقع.

من بين الأمور والقضايا التي يجب إعادة النظر فيها ضمن العلاقات البيداغوجية؛ العلاقات التشاركية والتكاملية بين الفاعلين التربويين؛ المدرس والمتعلم، والاجتماعيين من الأسر، والفاعليين الاقتصاديين والسياسيين، وكل ما يحيط بالمدرسة من شريك أساسي مساهم في بلورة مدرسة المستقبل، كما أن انفتاح المدرسة على العصر الرقمي وظهور ما يسمى بالتعليم عن بعد، فرض النظر في طريقة تفعيل هذا النمط الجديد وذلك بصياغة الشروط المناسبة لتنزيله وتطبيقه على أرض الواقع من مثل، التكوين البيداغوجي وخلق الحوار والتواصل بين مختلف الشركاء والقيام بعملية دراسية وإحصائية لتزويد الأسر بما يناسب، والعالم القروي بما يحتاج من مستلزماته، دون إغفال المحاذير والمعيقات التي قد تعيق وتمنعه من تحقيق أهدافه.

الكلمات المفتاحية: العلاقات البيداغوجية – التعليم عن بعد – الأمن المعرفي – العصر الرقمي

المزيد من المشاركات
1 من 43

المقدمة

إن موضوع العلاقات البيداغوجية في المدارس المغربية نحو مقاربات جديدة، موضوع حي فرضته ظروف الواقع على الفاعل التربوي من جديد؛ لإعادة الاعتبار للمكونات الأساسية للعلاقات البيداغوجية في المدرسة المغربية، قصد استئناف الحوار وبناء التواصل الفعال بين مختلف الفاعلين والشركاء الأساسين للفعل البيداغوجي. صحيح أن موضوع العلاقة البيداغوجية عرف هو الآخر اهتزازا وتأثرا بفعل المتغيرات المتسارعة، حيث أصبحت النظريات التقليدية، والمقاربات الكلاسيكية تتراجع في أداء مهامها في النهوض بالمدرسة المغربية، وبدأ يدب إليها التجاوز والتآكل، العامل الذي يستوجب التفكير في التجديد والإصلاح دوما وباستمرار؛ لتجاوز الأعطاب التاريخية التي عاشتها المدرسة في هذا الشأن.

إن المحور الذي شكل لدي كثير الاهتمام ضمن موضوع العلاقات البيداغوجية هو محور العلاقات البيداغوجية والثورة الرقمي ضمن المحاور المسطرة في الندوة، إجابة على السؤال المحوري والمركزي الذي يتجلى في: ما الشروط الواجبة لاعتماد استراتيجية التعليم عن بعد؟ وما المعيقات والمحاذير المتوقعة وتأثيرها في العلاقات البيداغوجية؟ هذا المحور مركب من مجموعة من القضايا التربوية المهمة، حيث يحتاج إلى التفكيك وإعادة البناء ضمن منهجية معرفية، والعناصر المشكلة له تحتاج إلى خيوط ناظمة لها في سياق بيداغوجي، لأننا اليوم في حاجة إلى فهم مكونات الخطاب البيداغوجي، وفهم العلاقات البيداغوجية؛ لإعادة بناء فضاء جديد وتأسيس لمجال تتلاقى فيه هذه المكونات.

إن المجتمع الذي نعيش فيه اليوم هو مجتمع المعرفة والاتصال والتواصل، وتزاحم الأفكار والرؤى على كل المستويات الحياتية، بما فيها المجال البيداغوجي الذي حمل معه البيداغوجيون رهانا كبيرا للبحث سبل التجديد وخلق الإبداع؛ لتجاوز النظريات الكلاسيكية التي لم تعد مجدية أمام التطور الهائل للموارد والوسائل الرقمية.

رغم هذا التطور الذي عرفه الانتشار الكبير للوسائل والموارد الرقمية في التعليم في زمن كورونا والترحيب الكبير الذي لقيه التعليم عن بعد، باعتباره نوعا استراتيجيا من أنواع التعليم اللائق المناسب للمرحلة والموافق للظرفية التاريخية التي تمر منها المدرسة المغربية جراء وباء كوفيد 19؛ فإن ذلك لا ينفي وجود حاجة ممارسة هذا النوع من التعليم وتنزيله مثل، حاجة العلاقات البيداغوجية والعصر الرقمي للشروط المستأنفة للفعل البيداغوجي والظروف الملائمة لتحسين العرض فيه، كما لا ينفي وجود معيقات تحد من الفعالية الحضارية والأداء الوظيفي لهذا التعليم، وما له من محاذير متوقعة وتأثيراته المتعددة التي يمكن أن تمس جوهر العلاقات البيداغوجية سلبا، فما هي هذه الشروط؟ وما معيقات التنزيل ومحاذير توظيف التعليم عن بعد؟

المحور الأول: مفهوم العلاقات البيداغوجية

  • المفهوم:

إن مفهوم العلاقات البيداغوجية فرض ذاته في السياق التربوي، وضمن نسق من العلوم البيداغوجية والتربوية، استطاع أن يؤسس لبراديغم جديد، كما أنه احتل مكانة ضمن الوضع التربوي والتعليمي من حيث ما يحمله من رؤية تجديدية[1]، حيث يتسع المعنى من خلال هذه الرؤية؛ ليفيد تصورا جديدا فرضته الثورة الرقمية، حيث «تتجلى القيمة المضافة لتكنولوجية المعلومات والتواصل في التعليم، في أن العلاقات الجديدة احتفظت بالعلاقات القديمة وأغنتها بإضافات جديدة: أصبح له نوع من الاستقلالية بفضل الأدوات المختلفة الموظفة، وبيئات التعلم الغنية والمحفزة التي تعمل على توسيع مجال الاكتشافات، وبهذا فالتكنولوجيا الحديثة، توفر قنوات ووسائل ودعامات جديدة توضع رهن إشارة المتعلم لخدمته، ولإغناء معارفه وتدبيرها، بالإضافة إلى إثارة التحفيز لديه وجعله يقبل على المعرفة بتلقائية.»[2].

رغم ما يحمله مفهوم العلاقات البيداغوجية من لبس وغموض وغياب تعريف جامع مانع لحده، ضمن مفاهيم بيداغوجية، إلا أن الخاصية الأساسية والسمة الكبرى التي تميزه، هي كونه ارتبط بما هو جديد وحديث على مستوى العلاقات القائمة في المجال البيداغوجي، مع ما يقوم به هذا المفهوم من دور فعال في التنشئة الاجتماعية والتربية وتجويد التعلمات والتحسين في الأداء، «فيكتسب الفرد مجموعة من الخبرات والتجارب والاتجاهات النفسية. وغالبا ما نقصد كل تعليم ذي طابع مجتمعي يحضر فيه الآخرون.»[3]، بالإضافة إلى ما له من دور في التحصيل الدراسي واكتساب المعرفة، وأداء دور في بناء العلاقات والتواصل بين المكونات الأساسية للمدرسة، والعناصر البيداغوجية على مستوى العموم بين المدرسة والمحيط الإجتماعي والإقتصادي والسياسي…، وعلى كل المكونات الديداكتيكية، خاصة بين المدرس والمتعلم والمعرفة، تلك أركان العلاقة البيداغوجية أو المكونات الأساسية للفعل الديداكتيكي، والتي تفسر التكامل المعرفي والشمولية الناجحة للعمليات التعليمية وفي تنزيل سليم للكفايات.

فمن هذه الناحية تتميز العلاقات البيداغوجية بكونها محط نسق براديغمي تتعاون فيه المهام وتتكامل خلاله المجهودات، من هنا وجب إعادة النظر في المفهوم وتصحيح الفهومات التي اتجهت نحو دراساته خاصة الرؤى الكلاسيكية، فلم يعد ينفع في الشيء التفكير في العلاقات البيداغوجية التي تتسم بالتحيز لركن من أركان المكون الديداكتيكي أو البيداغوجي؛ لأننا أمام واقع جديد اختلطت فيه التصورات، وكثرت المناهج التي تتجه نحو المدرسة كما تعددت وظائف المدرسة وخيوطها التواصلية، والسبب الذي أسهم في استدعائه هو الخطاب الرقمي ومشاركته ضمن العملية التعليمية التعلمية، ومنافسة دور المدرس. بالتالي فإن مفهوم العلاقات البيداغوجية يحيلنا على الدور المهم الذي يؤديه التعليم الرقمي حيث ينافس المدرس في مهامه ويشق الطريق في انفتاح المدرسة نحو الرقمنة، وعليه يمكن القول بأن المثلث الديداكتيكي يتحول إلى إضافة عنصر آخر هو الرقمنة، عندئذ نتحدث عن المربع الديداكتيكي الذي يتكون من المدرس والمتعلم والمادة الدراسية والرقمنة، وهذا الأخير الذي أصبح محط اهتمام بعد شيوع التعليم عن بعد.

وعليه، يمكن القول إن العلاقات البيداغوجية هي نمط تربوي وبيداغوجي، يجمع بين أطراف العملية البيداغوجية والديداكتيكية التي تسهم في تأسيس لنموذج معرفي مدرسي يتسم بالحوار والتواصل والتكامل والتعاون والشمولية في الأداء الوظيفي والمسؤولية التربوية، والتفاعل بين الأطراف المكونة لهذه العلاقات.

  • السياق المعاصر للعلاقات البيداغوجية:

إن العلاقات الإنسانية القائمة في صلب الواقع المعاصر، تتسم بنوع من الأنانية والفردانية وحب الذات، في المقابل تتراجع قيم الحوار والتواصل ويتلاشى مفهوم الإيثار والفضائل الجميلة، التي تجود العلاقات الإنسانية بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولعل العوامل المؤدية إلى هذا كثيرة؛ منها ظهور الفكر النفعي والبراغماتي الذي يرى في الآخر سوى وسيلة لتحقيق الربح التجاري والاقتصادي، وانتشار فكر العنصرية الذي يترك في الآخرين الإحساس بالبغض والكراهية، كل هذا أسهم في تراجع الفكر التربوي في القيام بمهامه داخل المجتمع، فعلى مستوى العلاقات البيداغوجية يمكن القول إن هناك صراعا بين المدرسة والمجتمع من جهة، وبين الأطراف المركبة للمدرسة من جهة أخرى، فبين المدرس والمتعلم يمكن القول؛ إن هناك ما يمكن تسميته بصراع الأجيال بين المدرس التقليدي ومتعلم اليوم، وبالتالي تلاشت السلط؛ سلطة المدرسة والقيمة الاعتبارية للمدرس، وتراجعت سلطة الأبويين داخل البيت، فوقع شرخ في العلاقات.

إن الإنسان المعاصر يعيش التمرد على القيم، وعلى التعاقدات الاجتماعية والقوانين التربوية والضوابط البيداغوجية، وبالتالي فإن العلاقات البيداغوجية تعرف هشاشة وسيولة في الأنظمة التي تحكم المدرسة، ما جعل المدرسة تتراجع في الدور التثقيفي، وأن المتعلم لم يعد يثق فيها؛ لأنها لا تستجيب لمتطلباته الذاتية والسيكولوجية والاجتماعية، كل هذا يجعلنا نعيش نوعا من التسيب العلائقي؛ فالتفكير في التجديد ووضع استراتيجيات جديدة مقبولة وممكنة. والرهان الحقيقي والمدخل الأول هو العلاقات البيداغوجية القائمة على الحوار والتواصل والتكامل لتأسيس نقل ديداكتيكي ناجح وفعل بيداغوجي فعال.

المحور الثاني: العلاقات البيداغوجية والعصر الرقمي في المدرسة.

لكي نجيب على السؤال المطروح آنفا الذي مفاده، ما الشروط الواجبة لاعتماد استراتيجية التعليم عن بعد؟ وما المعيقات والمحاذير المتوقعة وتأثيرها في العلاقات البيداغوجية؟، يجدر بنا أن نبين أولا العلاقة الرابطة بين العلاقات البيداغوجية والعصر الرقمي في السياق المعاصر، هل هناك علاقة وطيدة يمكن أن تثمر آفاقا حضارية وبيداغوجية نحو التجديد والإبداع والتطور والرقي بالأداء الوظيفي للمدرسة، أم أن العلاقة تتجه نحو التنافر والتباعد. أعتقد أنه كما أشرت أن السياق المعاصر والوضع الحالي للمدرسة وكل مجالات الحياة التي يحيها الإنسان؛ أصبحت مرتبطة بالرقمنة كالاقتصاد والعلاقات السوسيولوجيا وكل الخطابات السياسية والفكرية والتربوية، تنحو نحو هذا الاتجاه، ونظرا لارتباط المدرسة بهذه المجالات وانفتاحها عليها، فإن ذلك يفرض عليها تجديد نفسها وتحيين مكوناتها لكيلا تكون معزولة أمام الواقع المتسارع نحو التحولات.

فالمدرسة المعاصرة الناجحة هي التي تساير هذا التطور حيث تتأثر بتأثره وتحاول أن تؤثر فيه، بما تمتلك من وظائف التغيير والتجديد والنهوض بالمجتمع نهضة قوية، والمدرسة المغربية غير بعيدة عن هذا السياق، وإن المتتبع لشعارات الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015/2030، يدرك أن هناك ملامح الرغبة في مسايرة الواقع من خلال العلاقة القائمة بين المجتمع والمدرسة ومن المهام المنوطة للمدرسة في النهوض بالمجتمع، حيث جاء في الشعار الذي رفعه المجلس الأعلى للتربية والتكوين في الفصل الثالث « من أجل مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع»[4]، على أن التنزيل الأمثل هو إعادة فتح العلاقة القائمة بين المدرسة والمجتمع في إطار العلاقات البيداغوجية المبنية على التعاون والتكامل وتوطيد العلاقات، وفي الرافعة الثانية عشر التي تنص على «تطوير نموذج بيداغوجي قوامه التنوع والانفتاح والنجاعة والابتكار»[5]، دليل على وجود أرضية ومجال للتأسيس للعلاقات البيداغوجية بين المدرسة والمحيط المجتمعي، وفي الفصل الثاني رفع شعار «من أجل مدرسة الجودة للجميع»[6]، كل هذا يبين أنه لا يمكن تجويد الأداء بين المجتمع والمدرسة إلا في ظل هذا الانفتاح والتنوع والتواصل والحوار.

إن قيام العلاقات البيداغوجية مع الرقمنة لمن غايات المدرسة ودورها ووسائل تطويرها، وذلك يقتضي توفرها على الوسائط التعليمية والبيداغوجية قصد قيام هذه العلاقة حيث؛ «يتشكل النموذج البيداغوجي من غايات المدرسة ووظائفها، ومن المناهج والبرامج والتكوينات، ومن المقاربات البيداغوجية والوسائط التعليمية، ومن الايقاعات الزمنية للدراسة والتعلم، ومن التوجه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي، ومن نظام الامتحانات والتقييم»[7]. وللتذكير كما جاء في هذا النص أن العلاقات البيداغوجية تتعلق بكل ما من شأنه مس جوهرها، من الوسائط والبرامج والتوجيه والإرشادات وكل الأساليب البيداغوجية والتربوية؛ لتشكيل نموذج بيداغوجي متكامل.

وهذا النموذج البيداغوجي الذي يتسم بالتكامل في مناهجه وتكويناته ومقارباته المختلفة والمتنوعة يسعى إلى أن يضع الأسرة باعتبارها شريكا أولا مع المدرسة موضع اهتمام ويسعى إلى مد جسور التواصل معها وفق علاقات بيداغوجية جديدة حيث يكون «توثيق العلاقة مع الأسر، باعتبارها المصدر الأقرب لمعرفة حياة المتعلمين خارج المؤسسة التعليمية، وأثرها على مواظبتهم وانخراطهم، وتحسيس الأسر بدورها في تكميل عمل المدرسة والارتقاء بالعلاقة التربوية داخلها»[8]، حيث تحمل الدولة للأسر المسؤولية على تعليم أبنائهم والتعاون مع الدولة وفق مبدأ العلاقات البيداغوجية القائمة التي فرضتها ظروف الواقع، وهذا يدل على اتساع المدى في العلاقات البيداغوجية للمدرسة الأمر الذي يكسبها السمة الحضارية والخاصية المجتمعية وذلك باشراك الكل، لأن المدرسة رهان مجتمعي كما جاء في الرؤية الاستراتيجية أن العلاقات البيداغوجية تقوم على « تقوية الروابط المباشرة والتواصل المنتظم مع الأسر، ومن خلال ممثلي الآباء والأمهات والأولياء، وإشراكهم في الفعل الثقافي والتدبيري، وتعزيز الشراكات المؤسساتية، والاستفادة من مختلف الخبرات الخارجية التي توفرها المؤسسات الاجتماعية، كالأسرة والجمعيات المدنية والحقوقية، والمؤسسات الإنتاجية والمقاولات، والمؤسسات الإعلامية والثقافية والتأطيرية…، قصد إشراكها في بلورة مشاريع المؤسسة، وإسهام المدرسة في مد الجسور مع المحيط الخارجي، التي تتشكل من الفضاءات المرتبطة بمحيط المدرسة، والتي ترتادها أعداد كبيرة من التلاميذ والطلبة: الداخليات والأحياء الجامعية؛ المجمعات الرياضية؛ فضاءات البحث؛ مقاهي الأنترنت؛ شبكات التواصل الاجتماعي؛ المواقع الإلكترونية…، وذلك، من أجل ضمان حسن استعمال، هذه الفضاءات، والإسهام في تحصينها من السلوكات اللا مدنية، وتنمية قيم المواطنة، وتشجيع التواصل الثقافي والرياضي والفني… »[9].

وهذا الترابط يسهم في البناء التشاركي الفعال الذي يلتزم فيه كل عنصر بدوره في التعاون لما لذلك من أهمية في «عملية الارتقاء بعلاقات التعامل السيكولوجي والاجتماعي والإداري بشكل بنوي دينامي وإنساني وظيفي داخل المؤسسة التعليمية، باحترام المتعلمين ورجال التربية والإدارة والتدبير ورجال الإشراف والآباء وأمهات التلاميذ وأوليائهم، واللجوء إلى سياسة المرونة والحوار الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان، وتطبيق مبدأ الحافزية والمساواة، واحترام الكفاءات، وتحقيق الجودة الكيفية (الإبداعية) والكمية (المردودية).»[10]

إن انفتاح المؤسسة على هذه العلاقات البيداغوجية والتواصل المجتمعي، جعل من ذلك اتساع المهام وتعدد الحوارات مع مختلف الفاعلين والشركاء، العامل الذي يفرض بقوة اتساع مدى استعمال الموارد الرقمية تسهيلا للتعاون والتشارك؛ لأنه لم يعد ممكنا أن يجد الإنسان الوقت الكثير لعقد الاجتماعات الكثيرة التي تستغرق الأوقات، يكفي أن يراسل المدير التربوي مراسلة التعاون والتشارك مديرا أكاديميا أو إقليميا أو مؤسسة تعليمية، كما يسمح له أيضا أن يتواصل مع الآباء الأمهات ومكاتب الجمعيات… مثلا قصد تسهيل الخدمة وعقد حوارات ولقاءات عن بعد حول البرامج الخاصة بالمدرسة كل فترة دراسية.

وبالتالي فإن أي تجديد وتغيير في المدرسة يقتضي توفر العامل الأساس هو العنصر الرقمي الذي يعد أساسا في البيداغوجيات المعاصرة، وأن أي مقاربة جديدة في المدرسة يجب أن تنطلق منه؛ لأنها الوسيلة الأكثر قربا للمتعلم تتيح له الفرص وتسهل له المهام للولوج إلى المعرفة والبرامج التوجيهية في العملية التعليمية التعلمية. لذلك فإن التعليم عن بعد يشكل محطة كبرى من المحطات التعليمية المعاصرة؛ خاصة بعد ظهور جائحة كورونا، التي أسست لمفاهيم جديدة ونظريات متعددة أسهمت في إغناء النقاش في الشأن التربوي خاصة، وأن التفكير في هذا النوع من التعليم وتدبير استراتيجياته يتطلب صياغة مجموعة من التدابير والشروط والضوابط؛ لمأسسته ضمن أنواع التعليم المعتمد، وأن التفكير في إخراجه إلى الوجود وتعميم نموذجه يقتضي التخطيط والتدبير. هذا الذي يدفعنا إلى طرح سؤال مهم يسعفنا فيما إذا كانت الوزارة الوصية على التعليم قد تستمر في اعتماد التعليم عن بعد بوصفه استراتيجية من استراتيجيات المدرسة في الانفتاح على الرقمنة وهذا السؤال هو: ما الشروط الواجبة لاعتماد استراتيجية التعليم عن بعد؟

المحور الثالث: شروط استراتيجية التعليم عن بعد

إن أنماط المدرسة تتغير تبعا لتغيرات الواقع ومتطلباته الاقتصادية والاجتماعية، كما أن انفتاحها على المجتمع جعل منها المحطة التي تستجيب لكل الظروف ومنه تنوع الاستراتيجيات الجديدة التي تقتضي العمل وفق قواعد الدولة والمدرسة، يعد التعليم عن بعد إحدى هذه الاستراتيجيات وهو حاجة ملحة ومطلب ضروري.

فهو خيار استراتيجي فرضته طبيعة الظروف لا بديل عنه، رغم غياب الموارد والاستعداد له من الجانب اللوجيستيكي، وإن العمل به بدءا من مرحلة أزمة كورونا يعد استمرارا في الاداء البيداغوجي، وسبلا من سبل الخروج من نفق الأزمة، وهو التحول في مسار التعليم، وبالتالي هذا النوع من التعليم المستجد على الشأن التربوي والبيداغوجي، سيصبح واقعا يمارس في كل ربوع العالم، كلما توفرت مجموعة من الشروط والمستلزمات التي تمكن القيام والعمل به.

  1. التكوين أول مرحلة من مراحل التعليم عن بعد: لا يمكن أن نلج باب التعليم عن بعد إلا بعد استيفاء شرط التكوين الذي يعد المرحلة الأولى، وهذا يقتضي من الدولة والوزارة الوصية على التعليم؛ إيجاد فرص وأوقات التكوين على مستوى ربوع الوطن، حيث لا يزال استعمال الأنترنيت ضعيفا خاصة على مستوى المدرسة، وتزويد المناطق النائية بالشبكة الجيدة ذات الصبيب الكافي من الأنترنيت، حتى يتمكن المتعلم من المتابعة الجيدة، والتكوين يقتضي تقريب المراكز للمدرسين قصد التسريع في اكتساب المعارف الخاصة بالتكنولوجيا، رغم أن الدولة قامت فيما مضى بمجهودات التكوين في MOS.

إلا أن التعليم الاليكتروني لا يزال في حاجة إلى المزيد من التكوين؛ لأننا لاحظنا خلال الممارسات التعليمية والمهنية في المدارس والمؤسسات وجود تحديات ومشاكل، « ومن بين المشاكل المطروحة في هذه التجربة نجد غياب التجهيزات والأدوات الرقمية لدى العديد من المستهدفين من هذه العملية، وكذا ضعف التكوين في هذا المجال لا سيما للأساتذة الذي يسهرون على عملية التدريس عن بعد»[11]، بالإضافة إلى الأمية الوظيفية، حيث أغلب المدرسين في المدارس يمارسون مهمة التدريس بطرق تقليدية دون توظيف تيكنولوجي داخل القسم، وأن أغلبهم يجهلون حتى طريقة الدخول لمنظومة مسار ومسك النقط أثناء المراقبة المستمرة وفي مراكز التصحيح في الامتحانات البكالوريا، فضلا عن توظيف وسائل التيكنولوجية داخل الفصل الدراسي، مثل الاشتغال بالعاكس الضوئي data show، أو نظام العرض ppt.

وهذه معضلة من المعضلات التي سيجدها التعليم عن بعد في ترسيخه باعتباره استراتيجية من استراتيجيات التعلم، وهنا يجب التمييز بين نوعين من التكوين هما:

أ – التكوين الإلزامي: هو النوع الأول الذي يخص الفاعلين البيداغوجيين والتربويين، من الإداريين وهيئة التدريس، داخل مراكز التكوين، ويسهر عليه مختصون في التكنولوجية.

ب – تكوين ذاتي: يخص آباء وأولياء التلاميذ، ويكون بتحملهم مسؤولية أبنائهم داخل بيوت ذوي الأسر، ويتحول خلاله الآباء من الآباء التقليدين إلى آباء ممارسين للأنترنيت داخل المنازل، وهذا يتطلب جهودا من الآباء في توفير الشبكة والهواتف الذكية والمسطحات Tablette، لكل إبن مع فضاء وبيت مستقل، وهذا عائق مالي ومادي وتحدي من تحديات الآباء.

ويأتي دور التكوين في فهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي، والتحرر من العقلية التدريسية الكلاسيكية التي تزيد من حدة صراع الأجيال؛ فالمدرس أو الأب الناجح هو الذي يتمكن من معرفة هذه الآليات ويقترب من الواقع ويفهمه ويتدبر آليات الاشتغال ويتزود بالحكمة والفهم، ويحاول أن يفهم المتعلم بعقل المتعلم نفسه.

  1. التواصل والحوار: أثناء ترسيخ التعليم عن بعد ينبغي فتح حوار جاد مع مختلف الفاعلين والشركاء وفق مقاربة تشاركية يكون من خلالها، إيجاد أرضية مناسبة ومناخ حملات تحسيسية لإنجاح هذا الورش، وتوفير و« وضع آليات للتواصل والتحسيس مع مختلف الفاعلين والمتدخلين لإدماجهم في المقاربة التشاركية، وإقناعهم بأهمية التعاقد حول البرامج والنتائج»[12]، خاصة مع المدرسين والآباء، لأنه لاحظنا أن هذا الإجراء أنزل من السماء كالصاعقة وجاء فجأة حيث لم يسبقه أي إعلان وتخطيط، نظرا لسوء التدبير والارتجالية الذي يتخبط فيه قطاع التعليم ببلادنا، الأمر الذي قد يحظى بالرفض من قبل أكثر المدرسين في الأيام المقبلة، نظرا لما يتطلبه من استنزاف مادي لتوفير الوسائل؛ مثل الأجهزة وربط محلات السكن بشبكة عالية من الأنترنيت، وهذا لا ينتهي عند هذا الحد؛ بل إن الآباء هم أكثر ضررا، لاسيما الآباء المقهورين اقتصاديا واجتماعيا، فالحوار هو فضاء لبحث سبل الصياغة التي يمكن أن يكون بهذا هذا النوع من التعليم.
  2. الاحصاء والدراسة الاستباقية للمشروع؛ لأن أي مشروع خال من الدراسة فمصيره إلى الفشل، والإحصاء يشمل كل ما هو مادي مثل إحصاء المتعلمين الذين في حاجة إلى آليات التواصل كالهواتف النقالة والمسطحات، وإحصاء المناطق التي تحتاج إلى شبكة الأنترنيت.
  3. إنشاء مواقع متميزة ومنصات عالية الجودة؛ لهذا الغرض وضرورة إيجاد قانون إدارة ومتابعة لنظام الفصول الافتراضية، وتحديد أوقات مناسبة للعمل، لكيلا يعيش المدرس والمتعلم تحت ضغط العمل بسبب المكوث كثيرا أمام هذه الأجهزة، وما قد يترتب عليها من الأضرار الناتجة عن كثرة الاستعمال، والتشويش على الآباء والأسر داخل المنازل؛ لذلك فالتعليم عن بعد في حاجة إلى ضوابط العمل، فكل هذه الأمور تؤثر على العامل السيكولوجي للمتعلمين.

المحور الرابع: المعيقات والمحاذير المتوقعة عن التعليم عن بعد على العلاقات البيداغوجية.

إن أي ظاهرة جديدة على المجتمع في أي مجال من مجالاته، يتوقع منها النجاح أو الخسران بقدر الاستعداد لها من حيث التدبير ودراسة استراتيجياتها ومآلاتها، فالتعليم عن بعد وتوظيف العنصر الرقمي في المدرسة المغربية رغم توفر الشروط اللازمة لتنزيله على أرض الواقع، فإن ذلك لا يخلو من معيقات ومحاذير يمكن أن تؤثر على العلاقات البيداغوجية وبين مكونات هذه العلاقات، وبالتالي الانحراف عن مقاصده التي هي التواصل والحوار والتكامل في أداء الفعل البيداغوجي الجيد والممكن. إن المعيقات والمحاذير التي يمكن أن تترتب على التعليم عن بعد وعن الموارد الرقمية في المدرسة المغربية غير محدودة حيث يمكن إجمالها كالآتي:

1‑ عائق سوسيولوجي، الذي يكمن في الفقر وهو العامل الذي يجرنا نحو طرح السؤال التالي، هل يستطيع أبناء الأسر الفقيرة والمعوزة متابعة الدراسة الرقمية وتوفير الوسائل الضرورية للمتابعة والتحصيل الدراسي؟ أم أن هذا سيزيد من إعادة نمط الإنتاج القائم في صلب المجتمع وإعادة صناعة التعليم الطبقي من جديد ينعدم فيه الإنصاف وتكافؤ الفرص؟

2‑ يتجلى العائق المعرفي في غياب التفاعل الايجابي بين المدرس والمتعلم في التعليم الرقمي مقارنة مع التعليم الصفي الحضوري، الذي يحضر فيه البعد القيمي للتعلم، وبالتالي فإن ذلك يغيب الهدف الأساس للفعل التربوي، الذي هو فلسفة القيم والعلاقات الاجتماعية والسلوك.

3‑ إن التعليم عن بعد، تعليم جديد وحديث، وهذه الحداثة التي يتسم بها، تتطلب من المدرسة المغربية الوقت والموارد لإنجاحه، حيث يتجلى الوقت في الإحصاء والدراسة للمشروع؛ لمعرفة طرق تنزيله خاصة مع أبناء المناطق النائية وأبناء المغرب العميق الذين لا يتوفرون بعد عن الحجر الدراسة فضلا عن الهواتف النقالة الذكية والأنترنيت، التي تمكنهم من متابعة الدراسة عن بعد. بالرغم من التدريس عبر الهاتف أثبت فشله باعتراف الخبراء الدوليين، خاصة وأن الدولة وعدت بهذا في الرؤية الاستراتيجية التي ينتظر المجتمع تنزيلها وضمن مسار الإصلاح، ومما جاء في الرؤية الاستراتيجية؛ «توفير الموارد المالية اللازمة وإرساء تخطيط للميزانية المخصصة للإصلاح، مع مواكبتها بمساطر مبسطة وبمراقبة منتظمة لطرق صرفها، ضمن قانون إطار، وعبر صندوق خاص لدعم أوراش الإصلاح»[13].

4 ‑ ضعف وغياب الأمن المعرفي في الوسائل التكنولوجية الموظفة في التعليم عن بعد مما سيساهم في تهديد أعراض المدرسين والمتعلمين خاصة في التوظيف المفرط للأنترنيت والفضح والكشف عن أسرار المهنة التي كانت تعد خطا أحمرا في مختلف الوظائف والإدارات، من حقوق المدرس والمتعلم على السواء، وهذا العامل يفرض على المسؤولين وضع الضوابط وتقنين الظاهرة.

5 ‑ انتشار العنف بكل أشكاله، خاصة العنف الرمزي والتهديد بنشر الصور والفيديوهات الخاصة بالبيت أو المدرسة، وانتشار الغش في الامتحانات والمراقبة المستمرة، وهذا يهدد الأمن بمختلف أنواعه، كما يهدد العلاقات البيداغوجية بين أقطاب العمل البيداغوجي، وسيؤدي إلى توتر العلاقة بين المدرس والمتعلم أو بين المدرسة والأسرة. ويمكن الإشارة هنا إلى أن الأمن مقوم أساسي من مقومات المدرسة الحديثة و«لابد في هذا المضمار من الإشارة إلى أن المجال الآمن ليس فقط محفزا على العمل التعليمي بقدر ما هو مجال تربوي واجتماعي ونفسي يقوي الوشائج الاجتماعية بين المتعلمين ويدعم العلاقات الايجابية بين المكونين للوسط المدرسي، إضافة إلى أنه يؤدي دورا تربويا وأخلاقيا بالنسبة للمتعلمين ما دام يربي على الاحترام المتبادل وقبول الآخر والالتزام بالسلوك المدني، علما أن الأمن لا يستقيم إلا في إطار النظام والانضباط»[14].


[1] ‑ يمكن وصف مفهوم العلاقات البيداغوجية، بأوصاف البعد العلائقي الذي يؤديه الفعل التربوي، هذا البعد الذي تتجدد آلياته وتتطور وسائل لتجويد التعلمات وتحسين أدوار وأهداف المدرسة، والتجدد هو السمة التي يجب أن تكون عليه هذه العلاقات خاصة مع العصر الرقمي، الذي نحتاج فيه إلى وضع شروطه لتحسين هذه العلاقات، وبالتالي فإن الأشكال التقليدية تتراجع من حيث الوظيفة والدور الذي يجود العلاقات، مثل مفهوم السلطة البيداغوجية والتربوية، (انظر مقال، مرشد، محمد. السلطة البيداغوجية دراسة في تمثلات المدرس للسلطة وعلاقتها بتدبير المشاكل السلوكية للتلاميذ، مجلة كراسات تربوية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، العدد الثاني، فبراير 2016، ص 31).

[2] ‑ الأنصاري، خالد. تكنولوجيا المعلومات والاتصال ودورها في التعليم والتعلم، مجلة كراسات تربوية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، العدد الثاني، فبراير 2016، ص 174.

[3] ‑ حمداوي، جميل. سوسيولوجيا التربية، منشورات حمداوي الثقافية، تطوان، ط 1، 2018م، ص 54.

[4] ‑ الرؤية الاستراتيجية 2015‑ 2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية، ص 51.

[5] ‑ المرجع نفسه، ص 30.

[6] ‑ المرجع نفسه، ص 23.

[7] ‑ المرجع نفسه، ص 30.

[8] ‑ المرجع نفسه، ص 34.

[9] ‑ المرجع السابق، ص 56.

[10] ‑ حمداوي، جميل. سوسيولوجيا التربية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، ط 1، 2018م، ص 270.

[11] ‑ اكو، الحسين. وخضار، عبد الرحيم. جائحة كورونا وسؤال التحول الرقمي بالمغرب، مؤلف جماعي جائحة كورونا والمجتمع المغربي فعالية التدخل وسؤال المآلات، المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، المغرب، الإصدار الأول، يونيو 2020، ص 72.

[12] ‑ الرؤية الاستراتيجية،2015‑ 2030، ص 47.

[13] ‑ الرؤية الاستراتيجية2015‑ 2030، ص 71.

[14] ‑ الأشهب، محمد. جدلية المدرسة والمجتمع: قراءة في العوائق الاجتماعية للإصلاح التربوي المجلة المدرسة المغربية، مجلة فكرية تصدر مرتين في السنة بدعم من المجلس الأعلى للتعليم، المغرب، العدد 6، فبراير 2014، ملف العدد ” المدرسة: الأدوار والوظائف”، ص 36‑ 37

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.