منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم التعامل بالنقود الرقمية والبتكوين في الفقه الإسلامي

حكم التعامل بالنقود الرقمية والبتكوين في الفقه الإسلامي/ الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

حكم التعامل بالنقود الرقمية

والبتكوين في الفقه الإسلامي.

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي.

مقدمة:

إن للنقود خصائص لابد من توافرها، وهي: القيمية، وتمتعها بالقبول العام، والمتانة المادية، وقابلية الانقسام والتجزئة، وسهولة الحمل والتداول، وسهولة التمييز، والتجانس. وهذا يعني أن النقود تتسم بالقبول العام عند جميع الأفراد، وأنها تمثل قوة شرائية عامة لجميع السلع والخدمات التي يحتاجها مالك النفود[1]. كما أن معیار ما يعد نقدًا وما لا يعد هو الثمنية. فإذا ثبتت الثمنية لأية عملة صارت نقدًا يجوز التعامل به.

ونلاحظ سرعة انتشار البتكوين، وسرعة التعامل بها، لكن يتم توليد هذه العملات الجديدة عن طريق عملية تنافسية لا مرکزية، تسمى التنقيب أو التعدين (Mining)، وهي عبارة عن عملية جعل الكمبيوتر يقوم بعمل حسابات رياضية لصالح شبكة البتكوين من أجل تأکید المعاملات وزيادة الأمان. فهذه العملة الإلكترونية ما زالت قيد التجربة والتطوير المستمر؛ فلم تستقر بعد، كما أنه لا توجد جهة محددة معلومة مسئولة عنها، ولا توجد إمكانية لتقنينها، مما يعمل على ضعف الوثوق بها دوما، وتحميل التعامل بها نوعا عن المجازفة والمخاطرة.

أولا: عيوب التعامل بالبتكوين.

للتعامل بالبتكوين العديد من العيوب، منها[2]:

* ضعف درجة قبولها؛ فلا يزال كثير من الناس يحجمون عن خوض تجربة التعامل بالبتكوين، ولا تزال مجهولة عندهم.

* ضعف الثقة بها بسبب عدم استقرار التعامل بها، وهي لا تزال قيد التجربة والتطوير المستمر، وبرنامج البتكوين نفسه لا يزال تحت التجرية، ولم تستقر بعدُ على صورتها النهائية.

* كونها نقودا رقمية لا وجودَ ماديا لها؛ مما يضيق نطاق التعامل بها ويحصره في فئات معينة من الناس، وبخاصة من محترفي تكنولوجيا المعلومات مما يجعلها عملة احتكارية تھدد مستقبل الاقتصاد العالمي.

* عدم إمكانية تقنين البتكوين وإخضاعها لنظام مراقب ومقنن؛ وذلك لأن أي تعديل لبروتوکول البتكوین لابد فيه من مشاركة جميع مستخدميه، وهذا أمر غير ممكن عملیا.

* عدم وجود جهة محددة مسئولة عن إصدار البتكوين أو تحويلها إلى عملات ورقية، وهذا يجعل الكثيرين يتخوفون من التعامل بها.

* کون البتكوين معرضة للفقد، في حال فقد المتعامل بها محفظته الإلكترونية؛ حيث ستبقى مجمدة إلى الأبد فيما يعرف بسلسلة “البلوکاج”.

* من الممكن استعمال البتكوين في نشاطات غير قانونية ومشبوهة، لأنه لا يوجد أي نوع من أنواع الرقابة عليها وعلى تعاملاتها.

ثانيا: معيار الثمنية ومدى تحققه في البتكوين.

من المتفق عليه أن الميزة الفاصلة بين ما يعد نقدا وما لا يعد هي الثمنية. والثمنية في النقود تعني أنها تكون معيارا للأشياء تقوَّمُ بها السلع والخدمات، وتصلح أداةً للدفع[3]. والثمنية عموما تثبت بأحد أمرين:

1- رواج النقد وتعارف الناس عليه وشيوع التعامل به.

2- الوضع واعتبار الشارع لها، كما في الذهب والفضة اللذين هما أصل الأثمان[4].

ولذلك ربط الشارع كثيرا من الأحكام بهما كالزكاة وقطع يد السارق والديات وغيرها[5]. وقد خصهما الله عز وجل بذلك؛ لما يتمتعان به من الصفات التي لا توجد في غیر هما مع ظهورها في الذهب بشكل أوضح. وهذا على مذهب الجمهور الذين يرون أن علة تحريم بيع أحد النقدين بجنسه متفاضلا، أو أحدهما بالآخر نسيئة ليست قاصرةً عليهما، بل تتعداهما إلى غيرهما من جنس الأثمان[6]. ومن ذلك قول الإمام مالك: (ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نَظِرَة)[7].

ومما ينبغي تأكيدُه كذلك أن أي عملة لا يمكن أن تقوم بوظائف النقود الأساسية إلا إذا اجتمعت لها خصائص النقود المعتبرة شرعا وقانونا. وبهذا أيضا صارت النقود الورقية نقودا تجري عليها أحكام النقود، وهو ما يكاد يُجمع عليه المعاصرون وقررته المجامع الفقهية والهيئات العلمية[8].

وبالنسبة للبتكوين فإنها لا تحظى بالقبول العام فان البتكوين، وكذلك سهولة التداول لیست مطلقة؛ حيث يختص ذلك بفئات معينة من الناس، وليس كلهم. وأنه يكتنف التعامل بها نوعٌ من الشك في مدى قانونية أنشطتها ومعاملاتها التي لا تخضع سوى لرغبات المتعاملين بها، دون أي نوع من أنواع الرقابة. فضلا عن ارتفاعها وانخفاتها بصورة تدعو إلى القلق، وتقترب بها من المغامرة غير المحسوبة.

ولذلك كله يمكن القول بأن صفة الثمنية ليست متحققة في عملة البتكوين صورة يمكن معها الاطمئنان إلى التعامل بها أو اعتبارها نقودًا لها خصائص النقود وتؤدي وظائفها.

ثالثا: حكم التعامل بالتكوين في الفقه الإسلامي.

رأينا عيوب التعامل بالبتكوين وأهمها نفي صفة الثمنية عنها؛ وبذلك يتبين حكم التعامل بالبتكوين في الفقه الإسلامي من خلال مجموعة من الأسباب، منها:

1- البتكوين عملة تتسم بالمجهولية؛ حيث لا يعلم مصدرها ولا المسئول عنها، حتى بين المتعاملين بها لا يمكن الكشف عن صاحب المعاملة. وإنما یتم فقط التأكد من العنوان الإلكتروني الذي يتم من خلاله الدفع لمرة واحدة فقط.

2- تعاملات البتكوين تشوبها الشكوك من كونها عملیات مشبوهة تستخدم في عمليات غسيل الأموال وتجارة المخدرات والأسلحة والأعضاء البشرية؛ ولذلك فإنه لا توجد دولة صرحت بقبولها للبتكوين عملةً رسميةً معترفًا بها.

3- البتكوين لا تحظى بالقبول العام كنقد مقبول، ولم يجر بها عرف المتعاملين. وقد لاحظ الباحثون أن غالب استعمال البتكوين إنما يكون في أضيق الصور التي لا يمكن استعمال النقود الورقية فيها[9]. وهذا يؤكد أنها لا تحظى حتى الآن بالقبول العام.

4- البتكوين لا تتمتع بصفة الثمنية التي هي الميزة الفاصلة بين ما يعد نقدًا وما لا يعد،

وأصل سد الذرائع[10] يقتضي المنع من التعامل بها لذلك.

5- بروز عنصر الغرر والمخاطرة؛ حيث ترتفع قيمة البتكوین وتنخفض بشكل غير متوقع، وأغلب الذين يتعاملون بها الآن إنما يخاطرون طلبًا لارتفاع کبیر یوفر لهم الكثير من الأرباح، وقد يخسرون خسائر فادحة.

6- قیام عملية التنقيب عن البتكوين على المقامرة؛ فمن يستطيع الوصول إلى حل العمليات الرياضية قبل بقية المنقبين هو الذي يحصل على رسوم المعاملات التي يقوم المستخدمون بدفعها من أجل تسريع معالجة معاملاتهم، ويتمكن أيضاً من الحصول على عملات البتكوين المولَّدة حديثا. ولذلك فإنها تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر متخصصة عالية التكلفة في الطاقة والصيانة. أما من لا يسعفه جهازه فإنه يكون قد خسر ما بذل في سبيل ذلك.

7- إنَّ البتكوين عملة غير مغطاة بأصول ملموسة، ولها تأثيرا سلبي على النقود الرسمية وأنظمة البنوك المركزية بالدول؛ حيث تؤدي إلى انهيار قيم العملات الرسمية، وتؤثر على إجراءات الحكومات لحماية عملاتها المحلية الوطنية، وهذا يؤدي إلى فقدان البنوك المركزية لوظيفة من أهم وظائفها، وهي الرقابة والإشراف ورسم السياسات النقدية للدولة والتحكم في عملية عرض النقود الذي يتأثر بحسب قوة الاقتصاد في الدولة.

8- اعتماد البتكوين على الرقمنة والتشفير مما يجعلها غير متاحة للقطاع الأكبر من المتعاملين، ويجعلها معرضة لمشكلات التقنية وما قد تتعرض له من أخطاء تعرِّض عملات البتكوين للضياع[11].

9- فيها تعديًا على حق الدولة في الانفراد بإصدار النفود؛ ولذلك لم تعترف بها معظم دول العالم، إلا ما ذكر من ترخيص الاتحاد الأوربي لمؤسسة صرف أوربية لعملة البتكوين سنة 2012م، و اعتراف وزارة المالية الألمانية بها، وكذلك بعض الولايات الأمريكية سنه 2013م، ثم سويسرا سنة 2016م، ونحو هذه الاعترافات المحدودة جدا[12].

10- عدم إمكانية تقنين البتكوين واخضاعها لرقابة أو قوانين معينة، مما يجعلها مجالًا فسيحًا لكل ما هو غير قانوني، دون وجود مرجعية عند التنازع.

11- قيام احتمال تعرض البتكوين للضياع؛ حيث تكون محفوظة في محفظة إلكترونية، وبضياع هذه المحفظة لا يمكن إعادة ما بها من عملات البتكوين، وستظل مجمدة في سلسلة البلوكات التي تحتوي على جميع تعاملات البيتكوين، لا سيما مع عمليات الاختراق وهجمات القرصنة التي تتعرض لها الأجهزة المتصلة بشبكة الإنترنت.

رابع: ضوابط التعامل بالنقود الرقمية.

النقود الرقمية (أو الإلكترونية ) نقود افتراضية، لا جسم ماديًّا ملموسًا لها، وهي: قيم نقدية يتم تخزينها داخل أجهزة الحاسب الآلي لتستخدم في عمليات الشراء عن طريق الإنترنت، دون الحاجة إلى وجود حساب بنكي عند إجراء الصفقة.

وهناك مجموعة من الضوابط لابد منها لجواز التعامل بالنقود الرقمية، ومنها:

* أن يكون ذلك بإشراف البنوك المركزية وتنظيمها، وأن يتم توفير الضوابط الأمنية الكفيلة بمنع عمليات غسيل الأموال ونحوها،

* إلزام المؤسسات المصدرة لها بتغطيتها بنقود حقيقية وموجودات عينية، مع الاحتفاظ باحتياطي نقدي لدى البنك المركزي،

* ضرورة وجود تنسيق تشريعي دولي.

* البتكوين نوع مطور من النقود الرقمية (الإلكترونية”، لذا وجب ضبط  نظامه الجديد للدفع الخاص بالانترنت عن طريق التشفير للتحكم في إنشائه والتعامل به، فهي تعمل بنظام الند للند الذي يسمح لكل فرد بالتعامل مباشرة مع الأخرين؛ حيث تتم إدارتها بشكل كامل من قبل مستخدميها بدون أية سلطة مركزية أو وسطاء.

خامسا: استنتاجات، وتوصيات.

– للبتكوين بعض المزايا، لكن عيوبها كثيرة، وأشد خطرا.

– ترتكز البتكوين على خصائص الرياضيات، بدلا من الاعتماد على الخصائص المادية، كما في الذهب والفضة، أو الوثوق بالسلطات المصدرة، كما في العملات الورقية.

– الثمنية هي الميزة الفاصلة بين ما يعد نقدًا وما لا يعد، وهي ليست متحققةً في عملة البتكوين بصورة يمكن معها الاطمئنان إلى التعامل بها أو اعتبارها نقوداً لها خصائص النفود وتؤدي وظائفها.

– إن النقود هي كل ما يكون مقبولاً قبولاً عامًا كوسيط للتبادل ومقیاس للقيمة.

– النقود الرقمية (الإلكترونية) ليست نوعا جديدا من النقود، وإنّما مجرد واسطة لنقل وتحویل الأموال من حاسب آلي إلى آخر.

– لا يمكن القول بأن البتكوين تتسم بالقبول العام من جانب جميع الأفراد، ولا أنها تمثل قوة شرائية عامة لجميع السلع والخدمات التي يحتاجها مالكها، ومن ثَمَّ فهي مقياس للقيم وأداة للدفع ولكن ليس بشكل عام ولا مطلق، وإنما لبعض القيم وليس كلها.

– عدم جواز التعامل بالبتكوين أخذًا أو إعطاءً أو تنقيبًا؛ لاعتمادها على المخاطرة الشديدة والغرر والمقامرة. ولما تتسبب فيه من أضرار بالغة بالعملات الرسمية واقتصاديات الدول وسياساتها المالية، ولما يشوب معاملاتها من التجارة في المحرمات، ولخلوها عن أية تنظيمات أو تقنينات أو ضوابط أو قيود، ويجهلِ مصدرها وعدم وجود أي غطاء ملموس لها، وهو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة في الأموال التي تتغيَّی إبعاد الضرر عن المال، ومنع أكله بالباطل والاعتداء عليه، ومنع إضاعته، وتحقيق الأمن له وقطع مادة النزاع فيه، ورواجه وتداوله، وثباته، وإقامة العدل فيه[13]. وهذا ما صدرت بشأنه عدة فتاوى رسمية من رئاسة الشئون الدينية التركية. ودار الافتاء الفلسطينية، ودار الإفتاء المصرية[14]، وقال به بعض الفقهاء المعاصرين المختصين بقضايا المعاملات المالية، وخبراء الاقتصاد الإسلامي.

– آن الأوان للمجامع الفقهية بإصدار قرارات مجمعية للحكم الشرعي للتعامل بالبتكوین، وضوابط التعامل بالنقود الرقمية.


[1] – السياسة النقدية والمصرفية في الإسلام. للدكتور عدنان خالد التركماني. الصفحة: 50.

[2] – البتكوين عملة إلكترونية مشفرة قد تسبب أزمة اقتصادية عالمية جديدة للدکتور عبد الفتاح محمد أحمد صلاح، (مجلة الاقتصاد الإسلامي العالمية ، العدد: 13، فبراير 2015م). الصفحة: 36.

[3] – المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي للدكتور شبیر، الصفحة: 161.

[4] – المنتقی شرح الموطأ، للإمام الباجي ج:4 / ص:258. والمغنی لابن قدامة ج:4 / ص:74.

[5]– أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي وتطبيقاته المعاصرة للدكتور عباس أحمد الباز. الصفحة: 144.

[6]– المدونة ج: 3 / ص: 5. مجموع الفتاوى لأبن تيمية. ج: 19 / ص: 251-252.

أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي وتطبيقاته المعاصرة. الصفحة: 146- 151 .

[7]– المدونة الكبري. ج: 3 / ص: 5.

[8]– المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي للدكتور شبیر. الصفحة: 166- 167.

والمعاملات المالية المعاصرة للدكتور وهبة الزحیلی الصفحة: 154 – 155.

[9] – الأحكام الفقهية للعملات الإلكترونية (Bitcoin)، للدكتور عبد الله بن محمد العقيل. الصفحة: 20.

[10] – سد الذرائع: يقصد به منع الوسائل التي تفضي إلى المحرمات، وإن كانت تلك الوسائل في نفسها مباحة وجائزة. وهو أصل متفق عليه بين الفقهاء، نص عليه المالكية والحنابلة في كتبهم واعتبروه أصلا من أصولهم، أما الحنفية والشافعية فلم يذكروه ضمن أصولهم، لكنهم يقرون بمضمونه.

يُـنظر:  شرح تنقيح الفصول للإمام القرافي. الصفحة: 448. وأعلام الموقعين.ج:3/ص:110.

والتيسير في المعاملات المالية “دراسة نظرية تطبيقية مقارنة بين الفقه الحنفي و الفقه الحنبلي”، للدكتور هشام العربي. الصفحة: 165.

[11] – يُنظَر: الأحكام الفقهية المتعلقة بالعملات الإلكترونية (Bitcoin) الصفحة: 21-22.

[12] – الأحكام الفقهية المتعلقة بالعملات الإلكترونية (Bitcoin) للدكتور عبد الله العقيل. الصفحة: 18.

[13] – مقاصد الشريعة في المعاملات المالية للدكتورة  سلمى بنت محمد صالح هوساوي ، (بحث نشر بمجلة البحوث والدراسات الشرعية، العدد: 25). الصفحة: 271-273.

[14] – منشورة بواسطة المركز الإعلامي لدار الإفتاء المصرية، بتاريخ 1/1/2018م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.