منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاجتهاد مفهومه وحكمه

الدكتور عبد الصمد الرضى

0

 الاجتهاد في اللغة:

لفظ الاجتهاد مأخوذ من مادة (ج، ه، د). والجَهد والجُهد الطاقة تقول: اجهَدْ جهدك. وقيل: الجَهد المشقة، والجُهد الطاقة. و الجَهد ما جهد الإنسانَ من مرض أو أمر شاق فهو مجهود. وقيل المبالغة والغاية. وبالضم الوسع والطاقة. وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير. وجهَد يجهَد جهدًا، واجتهد كلاهما جهَّد. وجهَّد الرجلَ امتحنه عن الخير وغيره. وعند الأزهري: الجهد بلوغك غاية الأمر الذي لا تألو على الجهد فيه، تقول جهدت جهدي، واجتهدت رأيي ونفسي حتى بلغت مجهودي. و جهدت فلانا إذا بلغت مشقته وأجهدته على أن يفعل كذا وكذا. وفي التنزيل)الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُم( [1] دلالة على هذا المعنى، وقال الفراء: الجهد في هذه الآية الطاقة؛ تقول: هذا جهدي أي طاقتي، وقرئ )وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جَهْدَهُمْ(.

والجُهد في العمل بضم الجيم الوسع والطاقة. والجَهد بفتحها المبالغة والغاية. ومنه قوله سبحانه وتعالى: )جَهد أيمانهم( [2] أي بالغوا في اليمين واجتهدوا فيها. وفي الحديث: “أعوذ بالله من جهد البلاء”. قيل: “إنها الحالة الشاقة التي تأتي على الرجل يختار عليها الموت. ويقال: جهد البلاء كثرة العيال وقلة الشيء.

والاجتهاد و التجاهد بذل الوسع والمجهود، وفي حديث معاذ: “اجتهد رأيي”[3]، و قيل: الاجتهاد بذل الوسع في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد والطاقة، والمراد به رد القضية التي تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة ولم يرد الرأي الذي رآه من قبل نفسه من غير حمل على كتاب أو سنة.

الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين:

المزيد من المشاركات
1 من 67

وأما في اصطلاح الأصوليين فقد وردت عبارات كثيرة تعبر عنه، نختار منها:

أولا: أنه مخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه.

  • فقولنا: “استفراغ الوسع” كالجنس للمعنى اللغوي والأصولي، وما وراءه خواص مميزة للاجتهاد بالمعنى الأصولي.
  • وقولنا: “في طلب الظن” احتراز عن الأحكام القطعية.
  • وقولنا: “بشيء من الأحكام الشرعية” يخرج عنه الاجتهاد في المعقولات والمحسوسات وغيره.
  • وقولنا: “بحيث يحس من النفس العجز عن المزيد فيه” يخرج عنه اجتهاد المقصر في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه، فإنه لا يعد في اصطلاح الأصوليين اجتهادا معتبرا”[4].

وتابع هذا التعريف آخرون مثل ابن بدران من الحنابلة حيث عرفه بـ “استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه”.[5]

ثانيا: قول ابن حزم “وإنما الاجتهاد إجهاد النفس واستفراغ الوسع في طلب حكم النازلة في القرآن والسنة، فمن طلب القرآن وتقرأ آياته وطلب في السنن وتقرأ الأحاديث في طلب ما نزل به، فقد اجتهد. فإن وجدها منصوصة فقد أصاب، فله أجران؛ أجر الطلب وأجر الإصابة. وإن طلبها في القرآن والسنة فلم يفهم موضعا منهما، ولا وقف عليه، وفاتت إدراكه، فقد اجتهد فأخطأ فله أجر. ولا شك أنها هنالك، إلا أنه قد يجدها من وفقه الله لها، ولا يجدها من لم يوفقه الله تعالى لها، كما فهم جابر وسعد وغيرهما آية الكلالة ولم يفهمها عمر. ومحال أن يغيب حكم الله تعالى عن جميع المسلمين وبالله تعالى التوفيق”[6]، فابن حزم يحصر مجال الاجتهاد في طلب حكم النازلة من الكتاب والسنة، انسجاما مع مذهبه.

ثالثا: ومن التعاريف ما ذكره الإمام البيضاوي من أنه: “استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية”[7] والشوكاني حين يقول: “فالمجتهد هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي”[8] فيشمل القطعي والظني من الأحكام .

رابعا: ومن التعاريف ما ذكره الإمام الغزالي: “والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب”[9].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 12

تحليل هذه التعاريف:

من خلال ما سبق من تعاريف يتجلى أن الاختلاف بينها ضئيل جدا يمكن حصره في ما يلي:

  • منها ما تحدث عن مجرد العلم بالحكم الشرعي، ومنها ما تحدث عن استنباط الحكم الشرعي.
  • منها ما حصر ذلك في قراءة نصوص السنة والكتاب كابن حزم، ومنها ما وسع مجال ذلك من استعمال أدوات النظر والاستنباط كغيره.
  • ومنها ما خصه بالفقيه دون غيره ؛قال الشوكاني: “وقد زاد بعض الأصوليين في هذا الحد لفظ الفقيه فقال: “بذل الفقيه الوسع.”[10]

كل التعاريف حصرته في فرد ولم تتحدث عن اجتهاد جماعي البتة، في حين أن الاجتهاد الجماعي المبني على التشاور والمذاكرة الجماعية كان سلوكا عمليا لدى الخلفاء الراشدين، خاصة فيما يتعلق السياسة الشرعية.

حكم الاجتهاد

أما حكم الاجتهاد فقد ذهب عدد غفير من العلماء إلى أنه فرض على الكفاية، وأنه يصبح عينيا إذا خيف فوات المسألة على غير الوجه الشرعي.

والحق أن الأوضاع الحالية التي تعيشها الأمة لا تجعل من الاجتهاد فرضا كفائيا فحسب، بل ضرورة ملحة لا تبرأ ذمم المسلمين إلا بالتصدي لها كل بحسب وسعه وطاقته، إذ الاجتهاد بذل الوسع لمعرفة أو استنباط أو تطبيق الحكم الشرعي على الوجه الذي يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويحقق المصالح العليا للأمة الإسلامية، ويُنهضها من كبوتها الحضارية.

كيف لا يكون الاجتهاد ضرورة حتمية والعالم اليوم موار بالحوادث والمستجدات، ورحم الزمان ولود للتغيرات والتطورات التي تفرزها يد الإنسان، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو المالي أو الصحي أو الاجتماعي. حركة معقدة وسريعة تستدعي النبهاء من المجتهدين فرادى وجماعات، لإيجاد حلول للواقعات، والإعداد للمتوقعات.

إن الاجتهاد الرشيد فرض عام كفائي في حق أهل العلم، عيني في حق من لزمته النازلة بحسب الوسع والمستطاع، إن في معرفة الأحكام، أو استنباطها، أو انتقائها، أو تنزيلها على الواقع.

إنه لا يتأتى للتشريع الرباني الكامل، والشريعة السماوية الخاتمة أن تتحلى بصفة الاستمرارية والديمومة، ولا أن تكون صالحة لكل الأمكنة والأزمنة والأحوال، إذا لم يتجند أبناؤها لإيجاد الحلول السليمة التي تتطلبها مستجدات الحياة السريعة، وإذا لم تسد روح فكرية حرة، وتنتشر حيوية علمية عميقة، والله المستعان

أما أنواع الاجتهاد، فتتغير بحسب الاعتبار الذي ننظر من خلاله إليها. فهناك الاجتهاد الفردي والاجتهاد الجماعي، إذ استحضرنا القائمين به، ممن توفرت فيهم المؤهلات. وهناك اجتهاد انتقائي ترجيحي و آخر إنشائي تأسيسي، إذا اعتبرنا كيفية إنجازه. واجتهاد تخصصي تجزيئي، وآخر عام كلي، إذا روعي مجال إعماله.

فالاجتهاد إذن هو بذل الوسع من قبل فرد أو جماعة ممن توفرت فيهم شروط مؤهلة لاستنباط أو انتقاء أو تنزيل الأحكام الشرعية في الأحوال التي تتطلب ذلك.

 

مقتطف من كتاب:
“الاجتهاد في السياسة الشرعية قواعد وضوابط”
للدكتور عبد الصمد الرضى
رابط تحميل الكتاب:
https://www.islamanar.com/ijtihad-in-legitimate-politics/

[1] سورة التوبة الآية 79.


[2] سورة المائدة الآية 53.

[3] لسان العرب مادة (ج ه د)

[4] إحكام الأحكام للآمدي ج: 4 ص: 169.

[5] المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص189.

[6] الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج2 ص 419.

[7] الإبهاج في شرح المنهاج الإسنوي ج3 ص 169.

[8] إرشاد الفحول الإمام الشوكاني ص371.

[9] المستصفى الغزالي ج2 ص 350 .

[10] إرشاد الفحول ص371.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.