منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإعاقة واختبار الإنسانية المعاقة (1)

محمد الخواتري

0

 

الابتلاء قدر من أقدار الله عز وجل التي جعلها تمحيصا لعباده حتى يرى سبحانه وهو الحكيم الخبير أنشكر أم نكفر، يقول الحق عز وجل: “هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا” فجعل الله سبحانه علة الخلق وقصديته في الابتلاء، وجعل ما بين الحياة والموت مدمار هذا الابتلاء ومسرحه بكل أحداثه وتقلباته ومواقفه.

ومن صور الابتلاء أن ينال جسد الإنسان حال من أحوال النقص أو تعذر وظيفة عضوِ من أعضاء الجسم وبالتالي يتأثر سير الإنسان الطبيعي وتصبح لديه إعاقة عن ممارسة عاداته اليومية كبقية البشر، فالإعاقة بحسب تعريف منظمة الصحة العالمية هي: مصطلح يغطي العجز، والقيود على النشاط، ومقيدات المشاركة، أو هي عدم تمكن المرء من الحصول على الاكتفاء الذاتي وجعله في حاجة مستمرة إلى معونة الآخرين وإلى تربيىة خاصة تساعده على التغلب على إعاقته.

نرجع للتعليق على تعريف منظمة الصحة العالمية للإعاقة لاحقا، لنؤكد على كون الإنسان في طبيعته هو كائن ضعيف معرض بشكل مستمر لأنواع الأمراض والأعراض والحوادث وهو ما يجعل من مسألة إصابته بنقص جسدي معين، مسألة واردة بشكل كبير وفي أي وقت وحين والواقع خير شاهد على ذلك.

ما جعلني أكتب في موضوع الإعاقة ونظرة مجتمع لها هو عدة أسباب:

المزيد من المشاركات
1 من 15

منها أنني شخص من هذه الفئة التي شاء الله تعالى أن يبتليها بنقص في وظيفة الجسد، فمن طبيعة وضعي كشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة من الطبيعي أن يكون تهممي بهذه الفئة وما تعانيه حاضرا في همي اليومي وفيما أفكر به وأكتبه.

السبب الثاني هو العزوف الكبير والمستغرب للمثقف العربي والإسلامي عموما، والطليعة الإصلاحية ـ إن صح التعبير ـ على وجه الخصوص، عن الكتابة في قضية الإنسان في وضعية إعاقة برغم ما تعانيه هذه الشريحة من ظلم وتهميش يصل أحيانا حد إخراجها من دائرة الإنسانية.

فكم يحز في النفس وأنت تتابع الكم الهائل للمكتوبات في ساحة الفكر والثقافة، وفي شتى المواضيع والأغراض، بدء بالمحافظة على البيئة وانتهاء بالدعوة إلى الرفق بالحيوان، فلا تكاد تعثر على مقال أو حتى مبحث في مقال يعالج مشاكل ومآسي فئة اختصها الله لتكون محط نظره.

والسبب الثالث وهو الأبرز وعليه بنيت هذه المقالة، هو إنسانيتنا المفتقدة، وبشريتنا المغتالة بسلاح المادية وحب مظاهر وقانون الغاب الذي يحاكم من خلال الشخص في وضعية إعاقة وتصادر حقوقه، ويحال إلى أضيق السبل تحت مبرر أنه عاجز وأنه ليس له القدر على الفعل بل أحيانا يكون المبرر هو الربط بين الإعاقة والعجز العقلي فيصير الإنسان المعاق شخصا محجورا عليه يُقرر باسمه ولا يُقرر ويُتحدث باسمه ولا يَتحدث ويُتحكم به ولا يَتحكم.

إنسانية مفتقدة لا يعدو تعاملها مع الشخص المعاق حد الشفقة والإحسان المتعالي، إنسانية الصدر المليء بالبغضاء والشفاه المبتسمة ابتسامة الثلج بحسب تعبير نيتشه، فلا يعدو تعامل مجتماعتنا مع الأشخاص ذوي الاحتياجات نظرة الشفقة والدونية والإحسان في أحط صوره دون أن تعبأ لمشاعر هؤلاء الأشخاص الذين هم في النهاية بشر لهم وجدان وأحاسيس.

هي العنصرية التي تولد عنصرية مقابلة، فماذا ينتظر مني المجتمع وأنا شخص على كرسي متحرك، أو كفيف لا يرى، أو أصم،ن أو أبكم، وهو ضحية نظرات الاحتقار، وضحية فرامانات الولوج المجتمعي إلا أن يواجه العنصرية بالعنصرية والرفض بالرفض، كيف لإنسان أن يعيش عيشة سوية هادئة وهو ممنوع من المدارس والمعاهد والجامعات، ممنوع أن يشتغل، ممنوع أن يؤسس بيتا وأسرة ممنوع حتى من أحلامه، كل ذلك فقط لأنه من معاق،  فما الإعاقة؟

الإعاقة بمنظور الناظر بعين البصيرة هي اختصاص يختص به المولى الكريم من يشاء من خلقه ليكون محط نظره، فإن الله إذا أحب عبدا ابتلاه ونال منه وجعله تجليا آخر مختلف لقدرة الله ، الإعاقة في معناها لا يمكن أن تكون إعاقة جسد، فالشواهد تؤكد أن نماذج كثيرة في التاريخ الإنساني ممن ابتلوا في أجسادهم قد حققوا من الإنجازات والمعجزات ما لم يقدر عليه من له جسم كامل.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

يتجلى عوز الإنسانية في نفاقها حين تحاكم الشخص في وضعية إعاقة من خلال ما لا دخل له فيه وتحكم عليه بما يشبه النفي والإبعاد عن الحياة العامة، وخير مثال على ذلك هو تعريف منظمة الصحة العالمية للإعاقة فكيف لمنظمة بهذا الحجم أن تربط الإعاقة بالعجز وعدم القدرة على الاكتفاء الذاتي والحاجة الدائمة للآخرين، وهو لعمري خير شاهد على ما وصلت إليه البشرية من حال التردي القيمي وارتداد الفطرة وتبلد الذوق.

إننا بإزء قضية تحتاج إلى الاهتمام البالغ، وإلى التطارح الدائم، وذلك حتى يتسنى لنا الرجوع إلى الجادة في تعاملنا مع الأشخاص ذوي الاحتياجات من منطلق كونهم بشر مثلنا تميزوا بأن كانوا محط نظر الله، نحتاج إلى استرجاع هذه الشريحة إلى دائرة الإنسانية بعد أن استبعدت بعد نظرات الازدراء والتهميش التي طاردتها فطردتها.

مطلوب أن تتداعى  القوى الحية مجتمعيا إلى ميثاق أخلاقي يعيد الاعتبار للأشخاص في وضعية إعاقة حفظا لآدميتهم وصونا للحقوق والكرامة.

في الختام، فهذه فقرات قد تظهر فيها حرارة وتحمس الكاتب لقضية يعتبرها قضيته لأنه ينتمي لهذه الفئة، لكنها في واقع الأمر صرخة باسم شريحة مهمشة مجتمعيا، تملك من المؤهلات والمقدرات ما يجعلها عنصر إضافة للمجتمع بإصرارها وإبداعهقا وتحديها لكل العقبات.

هي مقالة لها ما بعدها، تصرخ في أذن المجتمع بأن الآوان د حان لاحتواء الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، آن الآوان لنتصالح مع إنسانيتنا وندرك جيدا أن النقص هو نقص القلوب  والعقول عن معاني التحرر من القيود المادية والمظاهر الخادعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.