منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأدب مع المخالف دأب صالحي هذه الأمة

عمر أدواي

0

كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل تربية وجهاد. قادوا الأمة في ساحات الوغى، فكانوا منها وكانت منهم. فما كفّر أحدهم غيره، ولا ضلله، ولا بدعه فيما خالفه فيه إذا كان له دليل. لأن الجميع ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما إذا كان اجتهادا في الرأي، فإما أن يكون موافقا له، أو مخالفا له. فإن كان مخالفا له قدّره وأكبر شخصه، ولم ينكر عليه، وذلك إذا كان له أصل بنى عليه اجتهاده. وإن لم يكن له أصل وكان للآخر. رد عليه بمثل عبارة –يرحم الله فلانا لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم… أو يغفر الله لفلان لقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم… أو فلان جانب الصواب- كما كانت أمنا عائشة رضي الله عنها، وغيرها يردون على الصحابة بمثل هذه العبارات. ثم كان علماؤنا من السلف الصالح ينحون مثلهم وهم في التربية والعلم والجهاد، لا يخالفون سنتهم. ذلكم أن العلم والتربية والجهاد مجتمعين غير مفصولين هو السنة الحق. فمن فرق شيئا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجتمعا، لا اعتبار لقوله. ثم كان بعد هؤلاء أئمة وعلماء كبار يتبعون مذهبا ما في الفقه. أخذوه عن شيوخهم المجتهدين والمعتبرين، وكان أئمة المذاهب تلك، مجاهدون ربانيون لا يختلف اثنان في ذلك. كما كانوا أهل محبة وصفاء فيما بينهم. غير أن لكل مذهب أصوله في استنباط الحكم الشرعي، فإذا لم يكن الدليل قطعي الدلالة كان ذلك سببا في اختلافهم، وذلك لعدة اعتبارات محلها كتب أصول الفقه. لكن الذي يعنينا هو عملهم بالقاعدة التي تحدثنا عنها: (لا إنكار في مسائل الخلاف). ولازال الأمر هكذا حتى ابتليت الأمة بالتعصب، ونصرة مذهب دون مذهب ((لاعتبارات سياسية)) في غالب الأحيان. لكن كان من أئمة المذاهب علماء منصفون، هم أهل قومة وجهاد وورع خبِروا الأمر وفطِنوا له، فكانت الأمة معهم.

ومازال أمر المسلمين كذلك في مسائل خلافية فرعية متعددة، عملا بأقوال سلفهم وأئمتهم. حتى ظهر من ينكر عليهم ذلك بدعوى البدعة، ومخالفة السنة. ولست أدري السبب الذي أسكت السلف عن وصف غيرهم بالبدعة ومخالفة السنة، أمثال: الإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، والإمام ابن قدامة من الحنابلة. والإمام النووي، والعلامة السيوطي، والحافظ ابن حجر من الشافعية. والإمام ابن عابدين، والحافظ الملا القاري من الأحناف وكذلك العلامة الحطاب، والشيخ خليل، وابن الحاج صاحب المدخل، والعلامة القرافي من المالكية. وغيرهم كثير. ومعهم جمع غفير من المعاصرين. كابن عثيمين، وعبد الرحمان الجبرين، والأمين الشنقيطي، وعطية سالم، وآخرون ممن أفضنا الحديث عن أقوالهم في المسألة. رحم الله الجميع. أم أنّ السلف لاغيرة عندهم على الدين، أم أنهم يجاملون بعضهم على حساب دينهم. حاشا لله.

ولله در الإمام مالك رحمه الله وهو من هو. وكذا غيره من أهل العلم الورعين إذ يقول: فيما روى عنه ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا اقتدي به يقول في شيء هذا حلال وهذا حرام وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون نكره كذا ونرى هذا حسنا، فينبغي هذا ولا نرى هذا) ورواه عنه عتيق بن يعقوب وزاد ولا يقولون حلال ولا حرام، أما سمعت قول الله تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آ لله أذن لكم أم على الله تفترون[1]، الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله. انتهى كلامه[2].

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله وقال فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك، فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله.

ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكما حكم به، فقال: “هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر. فقال: لا تقل هكذا ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب”[3].

المزيد من المشاركات
1 من 45

انظر إلى ورعهم وخوفهم، فكان من جاء بعدهم من أهل العلم يقول بما يفضي إليه اجتهاده، مراعيا لقول المخالف، عملا بقاعدة “لا إنكار في مسائل الخلاف”.

إنّ منْ ينكر على المسلمين أمورا جرى بها العمل عندهم قرونا، بحجة البدعة-وهي مبنية على اجتهاد من السلف رحمهم الله، ولها أصلها وحجتها عندهم. -علِمها من علِمها وجهِلها من جهِلها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا-لم يسعفوا أنفسهم لِتَطّلع في هدوء على أقوال السلف الذين يعدون الحجة عندهم -على الأقل -. فينظروا أدبهم مع المخالف، ومنهجهم في الاِستنباط. فمن الأمانة العلمية مراعاة الأقوال كلِّها، وللمرء اختيار رأي ما، لا ينكِر معه رأي غيره المنبني على دليل من كتاب أوسنة أو إجماع أو قياس أو غيرها، وتلك هي مرونة الشريعة الغراء وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الأخيار، وسائر الأئمة الصلحاء.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1]– سورة النحل الآية 59.

[2]– إعلام الموقعين لابن القيم ج1ص39 دار الجيل – بيروت، 1973تحقيق، : طه عبد الرءوف سعد.

[3]– المصدر نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.