منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حال ذوي الأبصار عند الشدة و الاضطرار

0

من تجليات ابتلاء الله لهذا الإنسان أن يعيش في الدنيا أوقاتا يصيبه فيها ما يسوؤه و يُحرم مما ينعم به. يحل الخوف مكان الأمن وتزيح الفاقة رداء البسط في العيش وتهجم الأسقام لتجتاح أرض العافية. فهل يدرك حينها العبد ضعفه و فقره وحاجته، فيكون ذلك سببا يدفعه دفعا للجوء إلى الخالق سبحانه و التضرع إليه و شكوى الحال إليه؟ أم يغتر بقوته عنادا واستكبارا، فينكر الغيب و تأخذه العزة بالإثم؟

أ)- الحقيقة الفطرية للإنسان:

يكشف لنا القرآن الكريم حقيقة الإنسان في حالتي الاضطرار والإنعام في مواضع كثيرة منها قوله تعالى:( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ)- سورة الزمر الآية8- و في قوله تعالى:( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ).- فصلت الآية 51-

هذا هو حال الإنسان الهلوع المنوع الذي يتذكر مولاه في الأوقات الحرجة فيدعوه بإخلاص، لكن إذا زال البأس و كُشف السوء و حلت النعمة كان من المعرضين الناسين. حال الإنسان الناكث للعهد القائل وقت الشدة و الحرج:( لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) – يونس الآية 22-، فإذا أحاطه المنعم بلطفه و أنجاه من مصيبته عاد إلى غيه و جحوده.

ب)- الأنبياء نموذج الكمال البشري:

في المقابل يعرض علينا كتاب الله تعالى نماذج الأنبياء و الأصفياء لنقتدي بهم و هم بشر يقضي عليهم الله ما يقضيه على سائر عباده من كرب و مرض و حزن …، يلجؤون إليه و يتضرعون و هم يعلمون أن لا أحد يجيب المضطر و يكشف السوء سواه، فإذا استجيب دعاؤهم و قضيت حاجتهم لم يبرحوا أعتاب بابه بل زاد شكرهم له و قوي اعتمادهم عليه.

قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾- الآية 76- وقال جل من قائل: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾- الآية 84- وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾- الآية 88-

ثم تُختتَم الآيات ببيان واضح و تصوير جلي لحالهم مع خالقهم في سائر الأوقات: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) – الآية 90-

هذا هو النموذج الراقي الذي يعرضه القرآن على الناس ليتأسوا بهم و يقتدوا بأفعالهم فينالوا رضى خالقهم و تطمئن قلوبهم بعد أن يدركوا أن لا شيء يجري في هذا الكون إلا بقدره و لا شيء يحدث إلا بعلمه كما قال سبحانه: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)- القمر الآية 49- 50.

و مع دوام اللجوء و الافتقار إلى الله، فهم لم يغفلوا الأخذ بالأسباب و لا تقاعسوا في استفراغ الجهد للاستفادة مما سخره الله في هذا الكون لخدمة الإنسان. فهذا نوح عليه السلام يصنع الفلك بأمر الله، و كذلك يفعل أيوب عليه السلام فيضرب برجله الأرض حتى ينبع ماء يغتسل و يشرب منه ليتعافى مما به من أسقام، بل يأمر الله مريم عليها السلام و هي في أشد حالات الضعف لتهز إليها بجذع النخلة، ليعلمها أن طعامها تسعى إليه بجهدها مع أنها موقنة أنه من عند الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب.

ج)- خريجو مدرسة النبوة وقت الكُرب:  

إن ما قصه علينا القرآن الكريم من أحوال الأنبياء و الأصفياء وقت المصائب و الشدائد، هو الطريق نفسه الذي سار عليه أتباعهم و هو السبيل عينه الذي سلكه الأولياء من بعدهم.

وإذا طالعنا سيرة خلفاء رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وجدناهم في النوازل والكرب يتضرعون إلى الله تعالى في خلواتهم. ويكفي أن نذكر في هذا المقام حال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة سنة 18هـ. فمع اتخاذه كافة التدابير الممكنة لإنهاء المجاعة واحتوائها، من خلال استنفار عماله في الأمصار والكتابة إليهم ليرسلوا إلى المدينة الطعام والميرة، ومع الإشراف بنفسه على إطعام الناس ومواساتهم، لم تحجبه و لم تشغله هذه الأسباب المادية الضرورية عن تضرعه إلى الله و سؤاله من فضله ليكشف ما نزل بالمسلمين من محنة في محرابه وخلوته.

فقد ورد أنه رضي الله عنه كان يتضرع إلى الله تعالى في كل ليلة ليرفع عنهم البلاء ويكشف بأس المسلمين وكربهم. ذكر ابن سعد في الطبقات ”ج3/ 190-191” من خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “كان عمر بن الخطاب أحدث في عام الرمادة أمرًا ما كان يفعله، لقد كان يصلي بالناس العشاء، ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب(أطراف المدينة)، فيطوف عليها، وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي”.

د)- معادن الناس تكشفها المصائب:

لا يحيد عن هذا المنهج القويم و الفهم السليم إلا من انطمس نور بصيرته و اغتر بقوته و حيلته،  فتلبّس قلبه بالجفاء و الإنكار يخدع نفسه فيوهمها أنه القادر على كل شيء، فرعونيته حجبت عنه حقيقته المتمثلة في كونه مخلوقا ضعيفا تهزمه أدق و أصغر مخلوقات الله حتى إذا جد الخطب و أدركه الغرق قال ”آمنت”.

فريق من الناس يصر بعناده أن يبقى شاذا يكابر نفسه أمام ما ألمّ بالبشرية اليوم من انتشار هذا الفيروس الذي أيقظ العالم من سباته. فتجده ساخرا مستهزئا بمن يمد يديه إلى القوي المتين خالق السموات و الأرض، يزعم لنفسه القدرة على تطويع كل المخلوقات و هزم كل الكائنات دون تدخل للغيب، هذا إن كان يعترف بوجود الغيب. شعوب العالم بل حتى بعض قادة العالم المتفوق تكنولوجيا و علميا أدركوا عجزهم و هرعوا إلى الدعاء و التضرع إلى جانب اتخاذهم الأسباب، هذه هي فطرة الإنسان التي خُلق عليها و لا يشذ عنها إلا الغافلون الذين لا يفيقون من رقدتهم إلا بعد فوات الأوان.

قال الحق سبحانه:( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) – يونس الآية 22.

والحمد لله رب العالمين

يحي زركيط: باحث في الدراسات الحديثية و قضايا العصر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.