منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

محنة/منحة “ريان” وإشكالية الشرور في العالم

محنة/منحة "ريان" وإشكالية الشرور في العالم/ للدكتور أحمد الزقاقي

0

محنة/منحة “ريان” وإشكالية الشرور في العالم

للدكتور أحمد الزقاقي

طفل لم يتجاوز سنه الخمس سنوات،سقط في حفرة عميقة،أصيب من جراء ذلك برضوض وكسور، ومشكلات في التنفس، وفي الأخير، وبعد جهود مضنية لإنقاذه انتقل إلى رحمة الله، بعد أن سارت بذِكْر حادثة موته المأساوية الرُّكْبان، ورقت لها قلوب الملايين من البشر وذرفت عيونهم، إذ تعلق الأمر بالبراءة والطفولة؟ فكيف يجيز العقل وقوع هذا الشر الذي قلب حياة أسرة صغيرة رأسا على عقب؟ هل ثمة تفسير كاف، وجواب شاف:

1. حضارات قديمة كالفرعونية واليونانية والفارسية لما لم تستطع حل لغز وجود الخير والشر في العالم لجأت إلى الاعتقاد بوجود إلهين واحد للخير والآخر للشر،كما أن تيارات الإلحاد القديمة والجديدة تذرعت بوجود الشرور في العالم لإنكار الخالق،وقد سبق لدافيد هيوم أن تساءل كيف يجيز إله يوصف بالعدل والقدرة المطلقة والخير العميم وقوع كم هائل من الشرور العظيمة، فهل يقصد الرب إيقاف الشر لكنه لا يقدر؟ إذا فهو عاجز، أم هو قادر ولكنه لا يريد؟، وقريبا من هذا اعتقد «جون ليزي» أن وجود الشر لا ينسجم مع الصفات الإلهية كالعلم المطلق والقدرة المطلقة وإرادة الخير المحض، ولخص مسألة الشرور في ثلاث قضايا اعتبرها متناقضة: الأولى الله قادر، والثانية الله خير مطلق، الثالثة مع ذلك فالشر موجود، فإذا صدقت اثنتان من هذه القضايا فالثالثة كاذبة.

2. ذرائع تلك النزعة الإنكارية تحمل في طياتها تصورا “تبسيطيا” يحلُم أصحابه بعالم ينتفي فيه الشر ،ويسود الخير،بينما التدافع والتنازع بين قوى الخير وقوى الشر حقيقة قرآنية وكونية وعقلية ونفسية،حتى قال الشاعر قديما :

لكل شيء آفة من جنسه /// حتى الحديد سطا عليه المبرد

والشر هو الذي يكشف عن الخير،وما أجمل عبارة العارف بالله جلال الدين الرومي :”إن الأشياء الخفية تجعلها أضدادها مرئية”،ولذلك فإن الخير المحض والشر المحض لا يكونان واضحين في كثير من وقائع العالم،إذ يكاد الخير والشر يمتزجان ويختلطان،وفي واقعة ريان:من شر عزلة مُطبِقة تعاني منها أسرة وقرية،إلى خير “شهرة” أصبحت معها تلك الاسرة والقرية حديث العام والخاص، وخير تغطية إعلامية واسعة لم تسلم من شر “الارتزاق الإعلامي” وإرادة “صناعة البوز”، ومن شر شح المياه في المنطقة وتركها عرضة للعطش إلى خير “انفضاح” ذلك الشح والتهميش،ومن شر فقر وعوز إلى خير تقاطر المساعدات المادية والعينية وإن كانت ممزوجة بشر ” المَنِّ والأذى”،ومن شر العداوات والحسابات الضيقة التي أوقع السياسيون فيها شعبين متجاورين إلى خير “العطف الإنساني” الذي وحدهما، ومن..ومن..إلى.. إلى.

3. إن الحياة ميدان امتحان عسير لتحقيق الأجود والأحسن بمعيار الصواب الديني والصلاحية التقنية، {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا }، وهو ابتلاء قد يكون بالشر وقد يكون بالخير {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}.و(رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عجبا واستكبار –ابن عطاء الله السكندري- )،وبالابتلاء تتميز المبادئ من الشعارات، والحقائق من الزيوف {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم }.

4. يتعين التفريق بين الإرادة الإلهية التكوينية والإرادة الإلهية التشريعية، فمن الأولى قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ }، وهذه هي التي ينطبق عليها «لا ينفع الحذر مع القدر»، فالمطلوب إزاءها الصبر والرضا، أما الإرادة التشريعية فمبنية على الأمر والنهي، والتقدير والتدبير، وتحديد المصالح والمفاسد، وهذه هي التي ينصرف إليها معنى الآية في قوله تعالى: {ولياخذوا حِذرهم وأسلحتهم }، ويدخل في ذلك اتخاذ الأسباب المتصلة بالتدابير الاحترازية التماسا للعافية في الأبدان حتى تحصل العافية في الأديان، واحترام قواعد السلامة العامة،واجتناب كل ما من شأنه أن يؤذي الناس في طرقاتهم كالحُفَر والآبار المهجورة كتلك التي سقط فيها ريان رحمه الله.

وليس لأحد أن يتحجج بالإرادة الإلهية التكوينية ولا بالقضاء والقدر ليركن إلى الاستسلام والكسل والتواكل والدَّعة والعجز وأحيانا إلى الخرافة،وقد رَامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع دابر التفكير الخرافي لما بلغه أن أناسا قالوا إن الشمس والقمر انكسفا لِمَوتِ ابنه إبراهيم فوقف يخاطب الصحابة قائلا:”الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته،ولكنهما آيتان من آيات الله”.

5. واقتضت رحمة الله وحكمته تقدير أعواض على الابتلاءات،ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إذا مات ولد العبد، قال الله عز وجل لملائكته: “أقبضتم ولد عبدي؟” فيقولون: نعم؛ فيقول وهو أعلم: “أقبضتم ثمرة فؤاده؟” فيقولون: نعم.فيقول:”ماذا قال عبدي؟” فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله عز وجل: “ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد”. وفي مسند الإمام أحمد،كان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”أتحبه؟” فقال: يا رسول الله, أحبك الله كما أحبه؛ فتفقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “ما فعل ابن فلان؟” فقالوا: يا رسول الله مات, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه:”أما تحب أن تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عليه ينتظرك؟” فقال رجل: يا رسول الله, أله خاصة أم لكلنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “بل لكلكم “)،ولذلك لا يُعرض الصابرون على الحساب يوم القيامة (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).

6. وتتطور وتتجد صور وأشكال الشرور في العالم ،لاسيما مع الطفرة المعلوماتية،والثورة الرقمية،وخلف منافعها وخيرها يربض “وحش رقمي” له شروره وجرائمه الإلكترونية، وهو جزء من ما سماه عالم الاجتماع البولندي «زيجمونت باومان» «الشر السائل» الذي «لا تدركه الأبصار بل يتوارى عن الأنظار» بتعبير “باومان”، أما «أبطال» الشر السائل فيسعون إلى « تجريد الإنسانية من أحلامها ومشروعاتها البديلة وقوى الرفض والممانعة»، ويسستثمرون في الخوف «فلا سوق للأخبار السارة لأنه ليس هناك من يهتمون بها.

7. ومن أعظم ما يعين على تفسير مسألة وجود الشرور في العالم هو أن يُفتح للإنسان باب الفهم فيها كما قال الحكيم ابن عطاء الله السكندري: «ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، متى فتح باب الفهم في المنع – عاد المنع عين العطاء، متى أعطاك أشهدك بِرَّه، ومتى منعك أشهدك قهره، فهو في كل ذلك مُتَعرِّف إليك ومُقْبل بوجود لطفه عليك، إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه»، و”من لم يقبل على الله بلطائف الإحسان سيق إليه بسلاسل الامتحان”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.