منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(تقرير مفصل) السنن الإلهية في القرآن الكريم: آثارها الاجتماعية وأبعادها المقاصدية

(تقرير مفصل) السنن الإلهية في القرآن الكريم: آثارها الاجتماعية وأبعادها المقاصدية/ أنيسة بنعيم سحتان

0
الفهرس إخفاء

 السنن الإلهية في القرآن الكريم : آثارها الاجتماعية وأبعادها المقاصدية

(تقرير مفصل)

أنيسة بنعيم سحتان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا ومولانا محمد سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين وحبيب رب العالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين ومن اهتدى بهداهم وسار على منهاجهم إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فقد نظم مركز مناهل للدراسات والأبحاث وإحياء التراث محاضرة علمية في موضوع :

السنن الإلهية في القرآن الكريم : آثارها الاجتماعية وأبعادها المقاصدية

أطرها:  فضيلة الأستاذ الدكتور رشيد كهوس ،

وذلك يوم الإثنين 9 رمضان 1443 ه الموافق ل 11 أبريل 2022 م

ابتداء من الساعة الرابعة عصرا مباشرة على الصفحة الرسمية على الفيسبوك، وعلى قناته على اليوتيوب.

 

استهلّ الأستاذ رشيد هذه المحاضرة بمقدمة أشار فيها إلى كون السنن الإلهية هي المنظومة السننية الحاكمة لصيرورة العمران البشري، الناظمة لحركة الحياة والأحياء والاستخلاف الإنساني، والوجود الكوني وسير المجتمعات عامة. كما أنها ناظمة لسلوك الإنسان وحركته في المجتمع وصيرورته في عالم الشهادة الدنيوي، وفاعليته في التاريخ خاصة، والتي تهدف إلى إصلاح الإنسان نفسا ومجتمعا وأمة وحضارة في المعاش وإسعاده في المعاد، وتحقيق شهوده العمراني على الأمة .

وأضاف فضيلته مؤكدا أن سنن الله تعالى هي منهاجه تعالى في تسيير الكون وعمارته، وحفظ نظام الحياة الإنسانية، وهي القواعد والأصول اللازمة التي رسمها الله سبحانه وتعالى لهداية الناس، وإصلاح دنياهم ودينهم وآخرهم على مقتضى حكمته وعدله ومشيئته المطلقة. فالعناية بالسنن الإلهية –حسب تعبيره- مجال ما يزال من الثغور الفكرية المفتوحة في الفكر الإسلامي، والتي تحتاج منا المرابطة عليها بالتفكير والتأصيل والتأسيس والوعي والاستيعاب والتنزيل، ذلك بأن تأسيس الوعي بكون القرآن المجيد يمثل خلاصة كلية كاملة شاملة لمنظومة سننية دينية وحضارية وكونية،  وهي من أهم ما يجب أن تهتم به الدراسات الشرعية والاجتماعية المعاصرة، لأن الارتقاء بنظرنا في آي القرآن الكريم إلى هذا المستوى من الوعي، سيمكن الأمة عامة من الاستفادة القصوى من هداياته العظيمة وبصائره اللطيفة. لأن القرآن الكريم منح العقل الإنساني مفاتح الحياة والكون والإنسان، فهذا هذا البناء الكبير والفضاء الواسع المملوء بالأسرار والرموز لا يمكن للإنسان أن يفهمه ويدرك كنهه والوعي بالنواميس التي تسيره وتنظم شؤونه إلا بفقه السنن الذي هو مفتاح الحياة .

وختم مقدمة محاضرته بسؤالين رئيسين وهما بمثابة مفتاح لهذه المحاضرة. قال متسائلا:

– ما هي منزلة السنن في القرآن الكريم ؟

– وما هي آثارها الاجتماعية وأبعادها المقاصدية ؟

ثم حدد ثلاثة منطلقات ينطلق منها في تأطير هذه المحاضر:

المنطلق الأول : الفتح القرآني السنني .

ومن هذا المنطلق بيّن الأستاذ رشيد أن القرآن الكريم تحدث إجمالا عن الأمم وعن السنن الالهية وعن آياته في السماوات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عن من أحاط بكل شيء علما، وأمرنا بالنظر والتفكر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا.

ولعل من أفضل موارد السنن القصص القرآني، والتي ينبهنا الوحي القرآني ويلفت أنظارنا من خلالها إلى ما آلت إليه تلكم الأمم من تغير أحوالها إيجابا أو سلبا، حين اختارت لنفسها طريقة معينة لينبهنا كذلك على أن المجتمعات البشرية محكومة بنوع من السنن والنواميس المطردة الثابتة العامة التي تضبط حركتها وتطورها وتحدد مصيرها في النهاية .

ثم أكد فضيلته على أن المتتبع لسور القرآن الكريم وآياته الكريمة يلمس الحديث المستفيض عن السنن الإلهية، وذكر منها الأستاذ رشيد:

سنن الهداية والضلال ، والإيمان والكفر ، والخلق والأمر، والنصر والهزيمة ، واليسر والعسر، والرخاء والشدة، والابتلاء والتمحيص، والرحمة والعذاب ، والتغيير والبناء، والأسباب والمسببات ، والاختلاف والتنوع، والتمييز والتفاضل بين البشر، والتدافع بين الحق والباطل، والنعم وتغييرها، والرزق والأجل، وقيام الحضارات وانهيارها، وهلاك الأمم وإحياؤها، والجزاء من جنس العمل ، والاستبدال والتداول، والتدرج والاستدراج، والانذار والاعذار… وغيرها من السنن التي تحكم الحياة الإنسانية طبقا للمشيئة الإلهية .

ثم إن القرآن الكريم –حسب تعبيره- لا يقتصر على مجرد عرض السنن الإلهية وضرب الأمثلة التطبيقية لها من حياة الأمم الغابرة، بل إنه يدعو الناس في كثير من آياته إلى السير في الأرض والنظر فيها وتدبرها والأخذ بسنن النجاة والابتعاد عن سنن الهلاك، حتى يحقق كل فرد النجاح في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة .

وفي مقابل ذلك ليست دعوة القرآن الكريم إلى السير والنظر دعوة إلى غيبوبة وانحباس في الماضي، وإنما هي دعوة إلى استصحاب التجارب والمعارف والكشوف لتحقيق الاعتبار، والاعتبار يرشد إلى الصوابية في تقويم الحاضر وإصلاحه ويمنح القدرة على العبور إلى استشراف المستقبل، وامتلاك الرؤية على تصويب الخلل وتجنب الإصابات واكتشاف أفق جديد للنهضة العمرانية للأمة من خلال الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة.

إن نصوص الوحي المعصومة تحدثت عن مجتمع الأنبياء والعوامل النفسية والمادية المؤثرة فيه على شكل معادلات اجتماعية أشبه ما تكون بمعادلات العلوم المادية ، بل تجاوزت الحقائق اليقينية التي تترتب على المقدمات في العلوم المادية إلى الكلام عن العواقب والمآلات، التي سوف تنتهي إليها المجتمعات التي تتحكم فيها بعض العادات والممارسات المفضية إلى الهلاك .

ولقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة في فهمه للسنن الإلهية وتطبيقها، وكانت كل تصرفاته تطبيقا وامتثالا للسنن كما كان يرشد أصحابه إلى سنن الله فيمن سبقهم بالإيمان من أتباع الأنبياء والمرسلين ليحذوا حذوهم ويقتفوا آثارهم، ويحذرهم من السير على سنن المكذبين والظالمين والمنكرين ويبين لهم أسباب مرض الأمم السابقة وهلاكها حلول عقاب الله فيها، ويرشدهم إلى كل خير وصلاح في الدنيا والآخرة إذا ساروا على منهاج السنن،  لذلك كانت رسالة النبوة متميزة وكانت أكثر عمقا وأبعد أثرا في التغيير والاستجابة من الفلسفة القائمة على الاستقراء والعلم البشري المحدود من جانب الخاضع للكثير من العوامل والمؤثرات من جانب آخر، وذلك بأن خطاب الدين أو رسالة النبوة معصوم بمواصفات الخالق. بينما يجري الخطأ والصواب والنسبية على الخطاب الإنساني في إدراك الحق من جانب، وفهم حال المخاطبين من جانب آخر.

ومن ثم يمكن اعتبار السنن أحد المفاهيم المركزية التي أسس عليها القرآن الكريم نظرته للوجود والكون والحياة والانسان والاستخلاف.

وفي آخر هذا المنطلق أكد الدكتور رشيد  أن السنن الإلهية تمثل فتحا قرآنيا غير مسبوق حيث كانت البشرية قبل نزول القرآن الكريم تتخبط خبط عشواء في تفسيرات أسطورية خرافية للظواهر الكونية والاجتماعية والأحداث التاريخية وطبائع النفس البشرية، فظلت في تضارب وتناقض وعبثية حتى نزل القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فجاء بتصور سنني هدائي كلي شمولي واضح عن الله تعالى، وعن الإنسان وعن الوجود وعن سير المجتمعات وعن حركة التاريخ البشري ، هذا التصور الذي يتجلى في السنن الإلهية التي تحكم حركة الحياة والأحياء، فانتقلت البشرية من التفسيرات الخرافية إلى النواميس والقواعد التي تحكم الكون الإنسان نفسا ومجتمعا وتاريخا وعمرانا .

المنطلق الثاني: الآثار الاجتماعية للسنن.

  • وذكر فيه ستة آثار، وهي:

 – الأثر الأول : الوقاية من السقوط الاجتماعي

حيث تحدث فيه عن كون الاستفادة من السنن الالهية لها آثار اجتماعية عديدة، فهي تقدم للناس معرفة نظرية وعملية حتى لا يقع فيما وقعت فيه المجتمعات قبلهم من المحاذير والمثلات أو تنقذهم إذا هم وقعوا فيها، أو على أقل تقدير تكسبهم صلابة موقف من يدرك السنن، “فمثل الذي يعلم السنن كمثل الذي يمشي في مفازة على خريطة وبوصلة ، مثل الذي يجهل السنن كمن يضرب في تيه الأرض مكبا على وجهه دون معرفة أو دليل” حسب تعبير الدكتور كهوس.

وفضلا عن ذلك فإن السنن الالهية تكشف لنا عن أسباب الخلل وتزيل الستار عن أسباب الدمار وتثير في الإنسان فطرة الخير والفضيلة والصلاح،  وتدعوه إل الاستقامة ومراجعة مواقفه ووقفاته، والعمل على ضبط حركته ومن جهة تكشف هذه السنن عن تجربة تاريخية كاملة تجد فيها الشعوب والجماعات ما ينير طريقها ويفتح بصيرتها للوقوف على نتائج اختيارها،  ولن يتأتى للأمة المسلمة والمجتمعات المسلمة استئناف النهوض ومعاودة استثمار طاقتها الروحية والمادية ما لم تفتش عن نفسها من جديد في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتحسن التعامل مع معارف الوحي وتقوي مواقعها بها، فتنظر إلى الواقع من خلال سنن الوحي ، وتكتشف من خلالها الحلول وكيفيات التنزيل ووضع البرامج والخطط، وتستوعب التجربة التاريخية وتدرك حركتها وسننها الاجتماعية، وتصبح قادرة على مغالبة قدر بقدر من خلال الوعي بالأسباب والمسببات، والعلل والمعلولات، والنتائج والمقدمات، وتستفيد من خلاصة التجارب التي كان محلها التاريخ والفعل البشري، فتكون بدايتها هي نهاية الآخرين .

 – الأثر الثاني: السنن الإلهية توجه المجتمعات الأمن والاستقرار

وفي هذا الأثر أشار الأستاذ إلى أن نصوص الوحي حين توجِّه البشرية إلى فهم السنن الإلهية والتكيف معها والعمل بمقتضاها وتسخيرها،  إنما تمثل العناية الإلهية بالإنسان ورحمة الله عز وجل التي تأخذ بيد الإنسان فردا ومجتمعا وأمة إلى بر الأمان، ليواجه الظروف والعوامل البيئية الاجتماعية فيتفاعل معها تفاعلا مفيدا مثمرا يحقق من خلاله حريته وكرامته وسيادته على الأرض، ويؤدي وظيفته الاجتماعية في عمارة المجتمع بالخير والحق والصلاح والعدل .

ذلك بأن سنن الله تعالى لا تتغير ولا تتبدل ولا تحابي أحد ، وأن الذي يدركها هو القادر على التغيير والتجديد ومغالبة الأقدار ببعضها، وأن الذي لا يدركها يصبح مسخَّرا بدل أن يكون مسخِّرا لها، الأمر الذي يؤكد لنا أن دراسة المجتمعات في مواقعها وتاريخها وثقافتها ومعادلاتها الاجتماعية هو الذي يوضح لنا كيفيات وآليات التعامل معها،  ومواصفات خطابها والفقه الذي يمكننا من تدرج من الأخذ بيدها إلى تقويم سلوكها بشرع الله كما يقول الأستاذ رشيد .

 – الأثر الثالث: السنن الإلهية منطلقا للنهوض الحضاري

وأكد فيه على أن الوعي بالسنن الإلهية وتسخيرها والسير على هداها هو المدخل الرئيس والمنطلق الصحيح لنهضة المجتمعات، إذ بدون معرفة بسنن الاجتماع وسنن الكون لا يمكن لحركات النهوض والتغيير أن تستأنف عملا إصلاحيا سديدا، بل ستقذف جهودها إلى صحراء العدم ، فلا ريب إذن أن يؤذي عدم التعامل مع سنن الله بشكل صحيح وإغفالها وعدم إدراك كنهها والتقصير المعرفي بها إلى استنزاف الكثير من الطاقات المسلمين ومساعيهم، وتعثر خطواتهم في طريق البناء والرقي والصيرورة الاستخلافية والشهود الحضاري .

ومن ثم فإن نظام الاجتماع البشري وما يحدث فيه فهو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل على من يطلب السعادة في هذا الاجتماع، أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليه أعماله ويبني عليها سيرته، وما يأخذ به نفسه، فإن غفل عن ذلك غافل فلا ينتظرن إلا الشقاء.

إننا بهذه السنن الإلهية التي تحكم المسيرة البشرية نكون قادرين على التعامل الصحيح وتحديد الأبعاد والمداخل الصحيحة، لذلك التعامل والمجالات المؤثرة في البناء والتغيير الاجتماعي، والتجديد الحضاري والتحويل الثقافي من خلال الاهتداء إلى السنن الإلهية التي تشكل أقدار السقوط والنهوض للأمم والمجتمعات والحضارات-يضيف الدكتور رشيد.

 – الأثر الرابع : التقصير في السنن مؤذن بانهيار المجتمعات

وبيّن فيه أنه لئن وظيفة الانسان في الحياة أن يلتزم بشرع الله تعالى، ويقوم بإعمار الأرض وفق منهاج القرآن ، فإن القرآن الكريم يحدثنا أن هلاك المجتمعات الماضية لم يكن أبدا بسبب القصور العمراني، وإنما بسبب التقصير في جانب العبودية لله تعالى والانحراف عن منهاجه السنني ، ففي حديث ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها » فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: « بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن » ، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت ».

للغثاء سمتان أساسيتان : خفة الوزن وعدم الترابط ويترتب عليهما نتيجة مخيفة، وهي فقد الاتجاه الحر والتبعية للآخرين وفي موازن عديدة يعد فقد الاتجاه فقدا للوجود ذاته، وإخباره صلى الله عليه وسلم عن فشو الأمراض المعدية الغربية والأوبئة العامة بسبب ظهور الفاحشة في حديث آخر، يكفي ليوقن الناس أن سنن الله تعالى قاهرة ماضية في حياتهم، وأنهم ليسوا ناجين منها مهما خيل لهم أنهم ناجون، ومهما ظنوا أنهم قادرون وأنهم عالمون إلا أن ينسجموا مع السنن ويعملوا بمقتضاها ويتلافوا الاصطدام بها .

إن سبب تراجع المسلمين وتخلفهم وفقدانهم نور العلم والبصيرة، وملكة التدبر والتأمل في الكتاب والفقه في الدين ومعرفة أصوله وأسراره، وغياب الوعي السنني وظهور الجهل والتقليد الأعمى، فنشأت فيهم القابلية للضلالات واتبع بعضهم أهواء أنفسهم، واتبع بعضهم الظن والجزاف، واحتذى بعضهم آثار الأمم الضالة المضلة وتشبتوا بتلاوة ألفاظ الكتاب وممارسة الشعائر والمراسم التعبدية في الظاهر فقط، بعد أن أضاعوا كتاب الله وأهملوا ناموسه هذه هي عواقب الغفلة في السنن الالهية .

ومن ثم فإن الانحسار الحضاري والهزيمة النفسية والاستنقاع الاجتماعي الذي تتجرع آلامه الأمة اليوم ،كان بسبب العدول عن الانضباط والانسلاك بالسنن الالهية التي شرعها الله للشهود الحضاري والنهوض بأمانة الاستخلاف في الأرض .

إن عملية النهوض بالواقع المعيش تتطلب التزام منهاج السنن، واكتشاف السنن الإلهية، وفهم آلية عملها ومن ثم امتلاك القدرة على تسخيرها ودافعة سنة بسنة . حسب تعبير الأستاذ كهوس.

 – الأثر الخامس : السنن الإلهية بوصلة تحدد اتجاه المجتمعات

إن المنطلقات الأساس التي لابد من التوقف عندها هو أن الأمة المسلمة دون غيرها من سائر الأمم والحضارات الأخرى تمتلك النص الإلهي الصحيح  الوارد بالتواتر الذي يفيد علم اليقين ،كما أنها تمتلك البيان النبوي المعصوم الذي تحقق له من شروط النقل وضوابطه والتوثيق والتحقيق والحفظ ما لم يتحقق لغيره حتى في أرقى العصور المعلوماتية .

إضافة إلى ما يمتاز به أيضا من تحويله من نظر إلى واقع، ومن فلسفة إلى ممارسة، ومن فكر إلى فعل، وتنزيله على واقع الناس في مرحلة السيرة النبوية الخالدة ، حيث تسديد الوحي وتصويب الوحي.. وفي مرحلة الخلافة الراشدة حيث امتداد والتنزيل والفعل البشري بعد توقف الوحي تأييدا وتسديدا .

ومعرفة سنن الوحي هذه التي يمتلكها المسلمون اليوم من نص، وبيان وتطبيق وتجسيد في الواقع والتي اتسمت بشمولية كاملة، تعتبر منهاج العمل ودليل التعامل مع الحياة.. أي البوصلة التي تحدد اتجاهات من جانب، كما تعتبر المعيار وأداة التقويم، ومركز الرؤية لمدى صوابية وسلامة الفعل والاجتهاد البشري من جانب آخر .

 – الأثر السادس: استشراف مستقبل المجتمعات

أما الأثر السادس فقد ذكر فيه الأستاذ رشيد أنه إذا كانت السنن الإلهية هي الناموس العام الذي يؤمن الاستقرار والانسجام بين جزئيات الظاهرة الواحدة إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، فإن هذا يعني أن المؤمن مأمور بعبور الماضي ليفهم جذور حاضره، ومأمور بتجاوز الحاضر ليمد النظر نحو المستقبل حتى يتخذ الخطوة المناسبة .

ونصوص الوحي القرآن تبين هذا الرابط بين الماضي والحاضر في قوله تعالى : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) [سورة آل عمران: الآية 137] ، بل الربط بين الماضي والحاضر في قوله تعالى ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ) [سورة العنكبوت: الآية 20].

وفي عرض الآيات الكريمة التي تضمنت كلمة سنة ومشتقاتها في القرآن الكريم، نجد ورود كلمة ( تجد ) وتفيد استقصاء مضمون ما بعدها على مر الزمان، والمعنى أن من يستقصي تاريخ البشرية يطلع على حاضرها فلن يجد سنة من سنن الله تعالى تحولت على من استحقوها، ولا تبدلت بغيرها فهي قد وقعت في الغابرين والحاضرين على من استحقها، فلابد أن تقع في المستقبل وفق قدرها الذي قدره الله تعالى بصرف النظر عن الزمان والمكان والحال الذي وقعت فيه والأسباب ممن وقعت منهم ، فهي سنن عامة مطردة في الخلق .

وعليه فإن السنن الإلهية تقوم على إصلاح شؤون الحياة للأفراد والمجتمعات مما يحقق لهم خير الدنيا والآخرة .

ومن ثم فإن السنن تسعى إلى إيجاد مجتمعات نظيفة خالية من مظاهر التلوث، أي كان هذا التلوث أخلاقيا أم سياسيا أم ثقافيا أم فكريا أم اقتصاديا ، فإذا ما سعت المجتمعات إلى ذلك فإن الله تعالى يرفع من شأنها ويعليها.. أما إذا ما انتكست تلك المجتمعات في حمأة التلوث، فإن ذلك يقودها إلى التخلف والانحدار الحضاري والعذاب الإلهي .

المنطلق الثالث: الأبعاد المقاصدية للسنن

  • وتحدث فيه الأستاذ كهوس عن عشرة أبعاد:

 – البعد الأول : توحيد الله تعالى وتعظيمه وعبادته

في هذا البعد أكد الأستاذ رشيد أنّ التوحيد هو مرتكز كل الدعوات الرسالية في التاريخ، ومقصدها الكلي الأساس، وهو قطب الراحة التي تدور حوله حركة الكون كلها وتقول عليه الخلافة البشرية في الأرض، وأي خروج عن ثوابته وضوابطه يخل بمقتضيات الخلافة، ويجعل الوجود الإنساني عرضة لأخطار محققة في العاجل والآجل كما جاء ذلك في القرآن الكريم وعلى لسان النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق [سورة الحج: الآية 31])  وعليه فإن العلم بالسنن الإلهية من أعظم الوسائل لكمال العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وأقرب الطرق إليه وأقوى الآيات الدالة عليه، وأعظم العلوم التي يرتقي بها البشر في الحياة الاجتماعية المدنية فيكونون بها أعزاء أقوياء سعداء .

إن اطراد السنن الإلهية في العوالم العلوية والسفلية، ووحدة النظام مع الإتقان في جميع هذه الأكوان يدلان على أن لها خالقا عليما قادرا حكيما حيا قيوما لا رد لإرادته ، ولا معيق لحكمه وحكمته ، وأنه واحد لوحدة النظام المشهود في جميع الوجود.

ومن ثم فإن الغاية من وجود الإنسان هي أن يعرف الله تعالى، ويخضع له ويستجيب لحكمه قال تعالى : ( وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ) [سورة الذاريات: الآية 56] ولأجل هذه الغاية تضافرت آيات القرآن المجيد في بيان ذلك، وتضافرت قبل ذلك كثير من الآيات في التعريف بالله سبحانه وتعالى، وكان في صميم ما يعرف الإنسان في القرآن الكريم بالله تعالى سننه الخلقية والأمرية، لاسيما أن الغفلة داخلت القلوب والوهم وداخلت العقول نتيجة بعد إنساني عن إبصار هذه السنن ، فكان أن وقع للإنسان في الشرك والوثنيات والإلحاد لحد ما انطبعت هذه الآفات في حياته وتغلغلت فيها .

وعليه فإن السنن الإلهية تقوم على عقيدة توحيد الله تعالى بوصفه الدعامة الرئيسة والقطب الذي تنجذب إليه كل الموجودات التي تستمد منها وجودها وبقاؤها ووظيفتها، فمن أمعن النظر ودق البصر في هذا العالم العلوي والسفلي وما احتوى من مشاهد بديعة وعجيبة لانكشفت له الحقيقة أن خالق هذا الكون واحد لا شريك الله ، ومن تدبر آيات الكتاب المسطور وما جاء فيها من سنن هدائية لكفاه ذلك للوصول إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة،  ولازداد هداية وتبصيرا  .

إننا حين نطلع على طبيعة السنن التي تحكم سير للحياة، ونظام الكون وما فيه من مخلوقات كثيرة، فإننا سندركها أن هذا الكون ما كان له أن يقوم على هذه الصورة البديعة من التناسق والجمال والتوازن والاستقرار لو لم يكن خالقه ربا واحدا وإلها حكيما خبيرا قويا عظيما محيطا بكل شيء قادرا على كل شيء سبحانه وتعالى، لذلك نجد كثيرا من نصوص الوحي قرآنا وسنة تربط السنن بعبادة الله تعالى وتوحيده ، فقد أورد الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن سنة الله في كسوف الشمس والقمر في حديث المغيرة قال : «كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا ، وادعوا الله » .

 باعث الحديث الشريف كما هو ظاهر من سياقه صرف الناس عن الغلط والوهم في فهم السنن الكونية والاعتقاد أنها مجرد ظواهر كونية تتصل بحياة شخص وموته..  فجعل (ﷺ) مناطَ هذه السنةِ الكونية بعثا للإنسان إلى عبادة الله تعالى من الصلاة والدعاء شكرا لله تعالى على نعمة الشمس والقمر؛ حيث لو أراد تعالى لحجَب أشعتهما ونورهما عن الإنسان فتعطلت حياته، وكذلك هذا اللجوء إلى الصلاة والدعاء خوفا من غضبه سبحانه أن يحجب فضله عن خلقه عدلا فيهم.. حسب محاضرة الأستاذ كهوس.

ومن ثم فإن الوقوف عن سننه تعالى يحث على السير على منهاجها في كتابه العزيز، والاطلاع على نواميسه ونظامه الذي أقام عليه الكون والحياة، ويكشف لنا أن سنن الله تعالى في الكون والحياة لا مجال للصدفة فيها، وأن الأمور لا تمضي جزافا ليمتلئ القلب إجلال وتعظيما وتوقيرا للواحد الأحد الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت .

 – البعد الثاني: تأكيد صدق رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته

وتحدث فيه عن كون نزول القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالسنن الإلهية التي شملت النفس والمجتمع والآفاق وأخبار الأمم السابقة والحوادث الماضية أكبر دليل على صدق نبوته ورسالته، ذلك بأن دعوة أنبياء  الله ورسله واحدة ومنهاجهم واحد وعقيدتهم واحدة، ولهذا فالنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته ورسالته ليس بدعا من الرسل وإنما رسول من رب العالمين.

قال الله تعالى : ( قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحي إلي وما أنا إلا نذير مبين ) [سورة الأحقاف: الآية 9]  وإن نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم بسنن السابقين وأخبارهم أكبر دليل على صدق نبوته ورسالته .

قال الحق جل وعلا : ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) [سورة هود: الآية 49] . لأن النبي صلى الله علي وسلم كان أميا لم يختلف إلى مؤدب ولا معلم ولا فارق وطنه مدة يمكنه الانقطاع فيها إلى عالم يأخذ ذلك عنه، فإذا علم بها وتدبر العاقل من قومه ذلك علم أنه بوحي من الله سبحانه وتعالى فآمن به وبصدقه، وكان ذلك من المعجزات الدالة على صدق نبوته ورسالته .

 – البعد الثالث: تصحيح الاعتقاد وتقويم سلوك الأفراد والجماعات

إن الوعي بسنن الله تعالى يجنبنا الاعتقاد الخاطئ بأن الكون والحياة تحكمها المصادفة، ويبين ما أودعه الله سبحانه وتعالى في الحياة من سنن ليست للمعرفة فحسب، بل لبيان أن من يسير وفق سنن الله تعالى، فإنه يلقى في حياته جزاء سيره هدى في دينه ورخاء في معيشته، أما من خرج عن مقتضى السنن، فإنه يلقى جزاء ذلك ضلالا في دينه وضنكا وشقاء في حياته الدنيا، ويترتب عليها أيضا جزاء في الآخرة قوله تعالى : (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) [سورة طه: الآية 124].

إن العلم بالسنن الإلهية يجنب صاحبه الاعتقاد الخاطئ بأن الكون والحياة تحكمهما المصادفة والفوضى والعبثية، بل توقفه على ما أودعه الله فيهما من سنن تجعل، سيره على بصيرة وعمله على هدى، فيحقق الوقاية من السقوط في مهاوي الهلاك والخيبة والخسران . وذلك من خلال الإيمان بالله تعالى وتوحيده، في ألوهيته وربوبيته، وخلقيته وصفاته، والإيمان بالبعث والنشور، وبكل أنبياء الله ورسله وملائكته وكتبه وقضائه وقدره، وإبطال عقائده الجبرية والخرافية والاستسلامية، لتؤكد السنن أن أحداث وكل ما يقع في الحياة الإنسانية والكون لا يخرج ذلك عن النواميس الإلهية التي بثها الله تعالى في الوجود ، فلا عبثية فيها ولا صدفة ولا عفوية ولا عشوائية قوله تعالى : ( إن كل شيء خلقناه بقدر ) .  هذا فضلا على تقويم سلوك الأفراد والجماعات وأخلاقهم .

 – البعد الرابع: إصلاح الإنسان

إن السنن الإلهية في القرآن لكريم –حسب تعبير الأستاذ كهوس- هداية ربانية لجميع الناس، فمن مقاصدها تربية الإنسان وإصلاح أفراد البشر وجماعاتهم وأقوامهم وإدخالهم في طور الرشد وتحقيق أخوتهم الإنسانية، وحدتهم وترقية عقولهم وتزكية نفوسهم واجتثاث ما فيها من آثار الوراثة والتقاليد والعادات القبيحة الضارة، وغرس قيم الفضيلة والخير فيها وتنمية هذا الغرس حتى ينشأ  كله بإذن ربه هذا هو القرآن الكريم بما جاء فيه من هدايات سننية يكلم الرجال ليعيد صياغتهم، ويكلم الأحياء ليحقق استجابتهم ، ويكلم العقلاء ليوجه وعيهم فيجعل منهم أمة تحمل رسالتها وفعلا حملتي الأمة رسالتها، لأنها فهمت المقصود من إرسال معجزة الأخيرة، وأدركت أبعادها وتدبرت مقاصدها، معجزة إنسانية تتصل بإحياء المواهب الإنسانية، وتفجير الطاقة البشرية لهذا الخلق، وإعادة بناء العقل الإنساني وتشكيله وفق سنن الله تعالى التي لا يتحقق بدونها أي إصلاح نفسي واجتماعي .

إن مما  يقصد إليه القرآن الكريم من ذكر السنن الالهية مقصد إصلاح الإنسان الذي أنعم الله عليه بنعمة الخلق والإيجاد، وبنعمة التوجيه والإمداد، إصلاحا يجمع له بين خير الدنيا والآخرة وسعادة الروح والجسم وطيب المعاش والمعاد ويجعله أهلا لخلافة في الأرض، فالحكمة إذن من بيان هذه السنن والحث على اكتشافها واستنباطها والعمل بمقتضاها أو تسخيرها هي هداية الإنسانية إلى صلاحها، وإثارة الخير في نفوسها فلخيرها نزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم ولهدايتها وجب على الرسول بيان ما أنزل إليهم من ربه قوله تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) [سورة النحل: الآية 44].ولتهذيب نفسها وإصلاح أخلاقها وأمرها بعث الله تعالى النبي العدنان صلى الله عليه وسلم : (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) [ سورة الجمعة الآية 2].

 – البعد الخامس : الاطمئنان والاتزان

ذكر فيه الأستاذ كهوس أن إيماننا بأن كل أمر في هذا الوجود خاضع لسنن الله تعالى، سوف يبعث الاطمئنانينة والاتزان و الشعور بالأمن في نفس المؤمن، إن من خصائص السنن الإلهية الثبات والاطراد والانتظام، وهذه الخصائص تحيط النفس بالاستقرار الذي يكون توطئة لمعرفة ما لكل امرئ وما عليه، فيعتبر المبصر ويحذر المخطئ.. ويتحسس كل إنسان أين تسير به قدماه، فيحجم أو يقدم مستندا إلى السنن التي تبصره بمصيره ومآله في دنياه وأخراه

ومن ثم فإن هذا الاطمئنان والاتزان الذي ينشأ عن كشف السنن الالهية يشكل عاملا مهما في حركة الفرد نحو الاصلاح، وفي ممارسة وظيفته في عمارة الأرض دون قلق يقعد به ويستهلك فكره وطاقته في خوف من مصيبة أو كارثة تفاجئه، إنه يعيش بأنس مع نواميس الكون والحياة يؤذي وظيفته ويرضي ربه .

 – البعد السادس : الوقاية من الأزمات أو إدارتها عند وقوعها

يقول الأستاذ كهوس أيضا: إن المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، والأزمات يأخذ بعضها برقاب بعض، التوجه صوب القراءة السننية قاصدة والإيجابية للأزمة والعمل على امتلاك القدرة لتوظيفها في استرداد فعالية الأمة وتجديد شبابها، واستنبات طاقتها والقضاء على الجوانب الرخوة في حياتها، وبيان أثر الترف والفساد والفسوق والمعاصي في هشاشة بناء الأمة، ونظامها الأخلاقي ونسيجها الاجتماعي .

إن هذه السنن لا تحابي أحد، ولا حتى نحن المسلمين المؤمنين بالله الذي قرر هذه السنن وجعل الحياة تنتظم وفقها، وأنه لا سبيل لنا للنهوض بالبناء الاجتماعي والوقاية الحضارية من الأزمات إلا إذا تميزنا باستيعاب هداية معرفة الوحي إلى هذه السنن، وسبل تسخيرها، وكيفية التعامل معها، وفهم نواميس الكون والحياة، وحسن تسخيرها والتعامل معها، والسعي على أن هذه السنن على صرامتها واطرادها لا تلغي فعل الانساني وإرادته الحرة، وإنما تمنحه القدرة على الرؤية الصائبة وممارسة المغالبة بين الأقدار والفرار من قدر الله وقدر الله .

ولابد أن ندرك جيدا أولا وقبل كل شيء أن هذه الحياة تحكمها سنن و نظام وأقدار، وأن أي خلل في التعامل مع هذه السنن سيفضي إلى الفشل والوقوع في الأزمات والكوارث قوله تعالى ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) [سورة فاطر: الآية 43] . ومن ثم فإن السنن تحمل مجتمعات في الوقوع في الأزمات أو تبصرها في المخرج منها عند وقوعها .

 – البعد السابع : الإفادة من الماضي وتقويم الحاضر العبور إلى المستقبل

إن السنن الإلهية –يقول الدكتور رشيد- تغطي جميع الفضاءات الإنسانية انطلاقا من الماضي وعبر الحاضر، وتمددا في المستقبل، ذلك بأنها تتسم بالاطراد والانتظام والشمول والثبات، ومن ثم يجد فيها المسلمون الخلاص من العوائق التي تعترض نهضتهم الاجتماعية والحضارية، والحلول لكثير من المشكلات التي تواجههم كما سيجدون فيها ساحات وسبل للحركة والعطاء والابداع والتجديد، ومن ثم فإن حديث الوحي عن السنن وربطها بالماضي إنما يقوم على أساس من توظيف واستخدام الماضي بحيث ينتفع به الحاضر والمستقبل .

ومن أجل هذا يبدو التاريخ الكتاب المجيد وحدة زمنية تتهاوى فيها الجدر التي تفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، حيث تشكل الحياة الدنيا فعلا تاريخيا مستمرا يتألف من الماضي والحاضر، ويرتبط بالمستقبل يوم الحساب الذي هو بمثابة المصير النهائي لفاعلية الإنسان في الحياة الدنيا .

 – البعد الثامن: فهم الظواهر الاجتماعية والكونية

إن من خلال السنن الإلهية في القرآن الكريم والسنة النبوية نفهم التاريخ على حقيقته، ونعرف عوامل البناء والأمم والاستقرار والتقدم وعوامل الهدم والخوف، والانحطاط والتخلف على أن هذه السنن مرتبطة بالأمر والنهي والطاعة والمعصية والإيمان والفكر والتوحيد والشرك .

فالإنسان إذا أتى بالأمر واجتنب النهي وقف عند حدود الله تعالى أصاب خير السنة الربانية، وإذا أهمل الأمر وخالفه وارتكب النهي عنه ووقف في حدود الله أصاب شر السنة الربانية، هذا فضلا عن معرفة حركة التاريخ ورصد صفحات النصر والهزيمة والنجاح والفشل فيه، والبحث في الوسائل التي أوصلت المسلمين على مدار التاريخ إلى تلك المواطن والنتائج الشامخة والتمعن في أسباب الانكسارات التاريخية والهزائم النفسية والمصائب العديدة التي حلت بأمة المسلمين من لدن آدم إلى يومنا هذا .

إن تعرف السنن الالهية هو السبيل الأمثل من الظواهر الاجتماعية وحركة التاريخ وفاعلية الانسان فيه وبقاء الأمم واندثارها، وهو المهيع الصحيح في الحياة المعاصرة ووضع الخطط الناجحة للخروج من الركود والعجز الحضاري، وتصحيح المسار والرقي إلى مكان الصدارة والريادة، وتحقيق الدورة الإنجازية الكبرى والشهود الحضاري.

 – البعد التاسع : النهوض بأمانة الاستخلاف

إن هنالك سننا ثابتة لهذا الكون حسب تعبير الشهيد في الظلال يملك الإنسان أن يعرف القدر اللازم له حسب طاقته وحسب حاجته للنهوض بأمانة الاستخلاف، وإقامة العمران في هذه الأرض، وقد أودعه الله سبحانه وتعالى القدرة على معرفة هذا القدر من السنن، وعلى تسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة، وتعمير الأرض وترقية الحياة والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقتها .

وعلاوة على ذلك فإن من الواجب علينا أن سنة الله تعالى قراءة ذكية لا نتبلد مع التقليد ونتدبر تسلسلها التاريخي التكليفي لسنة الله، وجريان قدرها على كل شيء في هذا الوجود .

الدعوة القرآنية إلى دراسة السنن الالهية الهدف منها–كما جاء في محاضرة الأستاذ رشيد-  استخلاص الدروس والعبر التي تستفيد منها الأمة المسلمة، وتسترشد بها وتصحح مسارها العمراني البشري على النحو الذي يحقق لها العيشة الهنية في طمأنينة وسلام وأمن واستقرار .

وعليه فإن التفقه في هذا العلم ومعرفته والانتفاع به أكثر أهمية بالنسبة لأمة الإسلام في هذا العصر أكثر من أي عصر مضى، ذلك بأنها لم تصل إلى ما وصلت إليه من تفرق وتشرذم وطائفية وتناحر وتكالب الأعداء عليها، حتى فقدت السيطرة على مقاديرها إلى يوم أهملت الأخذ بالسنن الانتفاع بها لتحقيق الترقي الاستخلافي في الحياة، بما يعنيه من تحقيق إلى أقصى درجات الفعالية في الترقي الروحي والمعرفي والقيمي والخلقي والنفسي والاجتماعي المتناغم مع سنن الله تعالى ونواميسه في الوجود .

وعليه فلا تقدم ولا ترقي ولا نصر ولا تمكين حتى تأخذ الأمة بالسنن الالهية في الكون والحياة وتسير على منهاجها .

ومن شأن هذه السنن أيضا أن توقفنا على مقومات النهوض وتساعدنا على إدراك المقاصد وإبصار المخارج وتحصيل مؤهلات وامتلاك الوسائل في مسيرتنا العمرانية والاستخلافية الأرضية .

ومن شأنها أن تمكننا من تصويب الحاضر وإدراك أسباب التغيير المجتمعي إلى الارتقاء أو الارتكاس الاهتداء إليها والاتعاظ بها لبناء المستقبل ولتحقيق الوقاية الحضارية .

 – البعد العاشر : ربط الإنسان بمصيره في الآخرة

إن الوحي الإلهي قرآنا وسنة يربي المسلم على النظر دائما نحو الأمان،  فهو منذ البلوغ إلى أن يلقى ربه عز وجل يرنوا ويتجه نحو مستقبل الآخرة يقول الله تعالى : ( يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) [سورة الانشقاق: الآية 6].

وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له » .فالمقصد الأساس من ذكر السنن الإلهية في القرآن لكريم، هو أن لا يمر الإنسان على آيات الله في الآفاق و الأنفس وهو معرض عنها، بل عليه أن يقبل عليه إقبال الدارس، إما لتنتهي إلى قضية إيمانية تسري حياته وتعطيه حياة لا نهاية لها وهي حياة الآخرة، أو تسعده وتسعد غيره ليكتشف منها ما يفيده به البشرية في مسيرتها في الحياة .

وفي ختام هذه المحاضر العلمية أكد الدكتور رشيد كهوس على أن  السير في الحياة بمعزل عن السنن ضرب في متاهة ومشي في غياهب الظلام بلا دليل يقود ولا هاد يرشد ولا صاحب يدل، لأنه حاد عن استصحاب جزء من المعرفة التي يترتب عليها لكل نازلة أو الإفادة من كل منحة .

وهكذا يبقى القرآن الكريم المعجزة الخالدة وكنز يستفتحه كل عصر بأدواته، ليأخذ منه ما  تسن لهم من جواهره ودرره ويقتبس من أنواره، ويقف عند فوائده وفرائضه وهو كريم كلما استثير أعطى،، وهو منبع العلوم والمعارف ومفتاح الهدى والرشاد والحل الوحيد لكل  المشكلات والمعضلات التي حلت بنا اليوم، لأنه ليس بمعزل عن الحياة الإنسانية ومشكلاتها ومنعرجاتها وعقباتها وتقلباتها، بل جاء ليهدي الناس جميعا إلى سننه تعالى الكونية والاجتماعية، ويقودهم إلى طريق الحق واليقين لكل أمر من الأمور في دنياهم وأخراهم  .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.