منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قسمة المال |شعب الإيمان| الشعبة (40)

منار الإسلام

0

مقدمة:

الحمد لله خير المقسطين يقسم رحمته على العالمين ’’ أهم يقسمون رحمة ربك’’ (1) وقسم بين العباد معيشتهم’’ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا’’(2) وأمر ببر ذوي القربى والمساكين  ’’وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه” (3)

وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على سيدنا أبي القاسم أفضل من قسم المال وما مال، وعم بره القريب والجار وما جار، القائل “مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّه” (4)

وقسمته صلى الله عليه وسلم غير متعلقة بالزمان والمكان وشاملة للمادي والمعنوي كما يدل على ذلك أول الحديث ’’ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ’’ والكتاب الذي ورد فيه في الصحيح كتاب العلم، ورجحه الدكتور يسري جبر في محاضرة له أثناء شرحه لحديث إنما أنا قاسم والله يعطي.

1) قراءة في العنوان:

المزيد من المشاركات
1 من 43

أ) معنى القسمة لغة واصطلاحا

قسمة: الجمع: قِسْمات وقِسَم. القِسْمَةُ: اسم من اقتسام الشّيء. القِسْمَةُ: نصيب، حظّ، جمع: قِسَمٌ، وجاء في لسان العرب أن القسم مصدر قسم الشيء قسما فانقسم، والموضع مقسم مثاله مجلس وقسمه جزاه وهي القسمة، وقال الجوهري القسم بالكسر أي بمعنى النصيب والحظ من الخير وقسم الشيء جزأه وفرقه، ويقال قسم الدهر القوم أي فرقهم. والقسمة ايضا أن يأخذ كل من الشركاء أو الورثة قسمه من المال أو الميراث أو هي النصيب. والقسمة مصدر للاقتسام وفي حديث قراءة الفاتحة ’’ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي’’(5) وللخروج بتعريف يجمع بين تعريف فقهاء الشريعة وفقهاء القانون. نقول هي عملية حل المقسوم بتعيين الحصة الشائعة وتحول الملكية الشائعة لكل من الشركاء إلى ملكية مفرزة في نصيب كل شريك يستقل بها دون باقي الشركاء فحينما نقول.. حل المقسوم.. نخرج بذلك من تعريف القسمة حالة المهاياة (القسمة المؤقتة) وحينما نقول بتعيين الحصة الشائعة فنحن نحدد بذلك ماهية عملية القسمة وحقيقتها ذلك لأن حصة كل شريك في المال المشاع وقبل إجراء عملية القسمة كانت سارية في كل جزء من أجزاء المقسوم وبعد إجراء القسمة تصبح هذه الحصة معينة لكل شريك دون غيره من الشركاء.

والقسمة في الرياضيات هي النوع الرابع من العمليات الحسابية بعد الضرب والطرح والجمع،

ولا يمكن الحديث عن القسمة إن لم يكن تمت ما يقسم، والقسمة نوعان: قسمة عادلة حسنة وقسمة جائرة ضيزى. فالقسمة الحسنة العادلة هي التي يأخذ فيها كل ذي حق حقه وخاصة المسكين والضعيف دون ظلم ولا هضم ولا بخس، والقسمة الضيزى هي الخارجة عن الصواب الجائرة عن العدل المائلة عن الحق كما قال الشوكاني في ’’ فتح القدير ’’ واستدل بقول الشاعر:

فإن تنأ عنا ننتقصك وإن تغب فحقك مضئوز وأنفك راغم

وقال الكسائي: ضاز يضيز ضيزا وضاز يضوز ضوزا إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص، ومنه قول الشاعر:

ضازت بنو أسد بحكمهم إذ يجعلون الرأس كالذنب

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

ب) معنى المال لغة واصطلاحا

هناك تعريف للمال والمعاملات في الإسلام، وتعريف للمال في القانون، وتعريف للمال في الثقافة المالية والحقوق المتعلقة به، وسأقتصر على التعريف اللغوي والاصطلاحي.

في اللغة: مُلتَ وتمولتَ: معناه كثر مالك.

في الفقه الإسلامي: هو ما يعد في العرف مالا، وهو في اللغة: ما يملك من جميع الأشياء. وعند جمهور أئمة الفقه هو: كل ما يمكن حيازته والانتفاع به، سواء أكان عينا كالذهب والفضة والنبات والحيوان وغيره، أو منفعة كسكنى الدار المستأجرة، أو عرضا كمال التجارة، أو حقا كحق الحضانة، فالإمام الشافعي لا يعد الشيء مالا إلا إذا كان له ” قيمة، يباع بها، ويلزم متلفه، وما لا يطرحه الناس عادة” (6)، وقد حدد الإمام ابن عاشور تعريفا للمال بتحديد ضوابطه ” إن للمال في نظر الشريعة حظا لا يستهان به، وتتقوم هذه الصفة للمال باجتماع خمسة أمور: أن يكون ممكنا ادخاره، وأن يكون مرغوبا في تحصيله، وأن يكون قابلا للتدوال، وأن يكون محدود المقدار، وأن يكون مكتسبا” (7).

ففي تعريفه هذا حدّد ضوابط معينة للمال مما سمّاها “مقاصد الشارع الحكيم للمال”، حيث نهت الشريعة الإسلامية عن بيع المعدوم مثلا، ونهت عن الاكتساب عن طريق السرقة أو الغصب، وفي مقابل ذلك لم تر بأسا من تشريع إحياء الموات.

2) قراءة في المضمون

قسمة المال عنوان الرشد وعلامة الجود والجد، واستفراغ الجهد في الكد واكتساب المال وبذل الجهد، لأن المال’’ عصب الدعوة ومستقبل الدولة والوسيلة الأولى والمصدر الأول لتربية العصبة الخيرة” (8) ، ومن أجل ضمان القسمة العادلة للمال لابد من معرفة المالك الحقيقي من المالك المستخلف ومعرفة المعطي من القاسم، لأن الغني والخليفة أو الأمير إذا علما أن المال مال الله المعطي الرزاق ذو القوة المتين وعلما أنهما من المستخلفين إلى حين أديا حق الأرملة واليتيم والمسكين.

وقسمة المال تعني الإيثار وإنتاج مع توزيع عادل وبيت مال. “فلا غرو أن نجد في أصل تاريخنا إنفاقا عظيما، ولا غرو أن يكون الإنفاق شرطا أساسيا في كمال الإيمان بل في وجود الإيمان” (9). لأن الباسط وخير الرازقين سبحانه جعل الفلاح ونيل البر في الإنفاق. والمنفقون نوعان منفق سخي تقي يدفعه للإنفاق والبذل الإيمان واليقين بموعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمحبة والإيثار وسلامة الصدر وهذا ما ميز الصحابة الكرام، ومنفق مراء منان مؤذ همزة لمزة جمع بين الشح والتكبر على خلق الله وهذه سمة النفوس الدنيئة.

وكذلك الإنفاق كلي وجزئي بحسب درجة إيمان ويقين المنفق. فالأسوة العظمى صلى الله عليه وسلم كان لا يدخر مالا أبدا ومن ورثه من الصديقين ’’ أبقيتُ لهم الله ورسوله (10) ومنفق شطر ماله وحسب طاقته لما يتخلص من خوف الفقر فيعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

ولا ينهض لقسمة المال إلا من تزكى وتطهر من شح نفسه وتجاوز عقبة حب المال وحب المحمدة عند الناس وهما عائقان نفسيان مفسدان لدين المرء كما جاء في حديث الذئبان الجائعان.

” ولما كان حب المال غريزة مغروزة في الفطر *وإنه لحب الخير لشديد* (11) فلا سبيل للتحرر من الأثرة إلا بالإيمان والسلطان القوي العادل”(12) وهي حقيقة مؤكدة بلا مراء ولا جدال ’’فالنفس مجبولة على الشح في حالتها الجاهلية أو المفتونة همزة لمزة منكبة على القيم المادية وليست تنفتح لخير إلا إن أحبت ما يعوض لها الحب الأولي الذي جبلت عليه’’ (13) كما أن الملكية التكاثرية تثمر عادات وترفا ’’الملكية وما يتبعها من تكاثر وحب القناطير المقنطرة هي العنصر الأساسي في جاذبية الأرض، و حولها تعشش الأنانية وحولها تتألف العادة، وبها يترف الإنسان أكثر ما يترف” (14)

ولعلاج هذا المرض والتخلص من هذه الآفة في حق الفرد والجماعة تأتي خصلة البذل بشعبها الخمس بعد الخصال الثلات التربوية النفسية كأول خصلة عملية تطبيقية في تربية الفرد والجماعة المؤمنة المخاطبة في القرآن ب “يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم” (15)

الخاتمة:

البذل تزكية وتطهر وبرهان صدق ومادة بناء وتعاون، بذل يتأصل فيصبح عادة بدل الشح لتجميع رأس المال ولتسوية الأرزاق. والمؤمن لا يسلم من مطالب نفسه أبدا بل يلزمه أن يعالجها باستمرار ويعاني ويكابد ويدافع من أجل ابتذال المال وتعظيم الإنسان والوصول إلى درجة            ’’ رضينا بالله ورسوله قسما ونصيبا”. (16) كما قال الأنصار رضي الله عنهم حين استيقظت غائلة حب الدنيا والتنافس عليها في قلوبهم المؤمنة أثناء قسمة غنائم حنين، فجدد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة وإيمانا.

وظهور الإسلام على الدين كله رهين بجيل مستعد لبذل النفس والمال في سبيل الله، وتفعيل القسط في حياة الأمة على أرض الواقع شهادة وحكما بما هو “حد أدنى من تعميم الرخاء. وحسن القسمة يقتضي استخراج ثروات الأرض، واستثمار أموال الأمة، وتعبئة اليد العاملة، والعقل المبتكر، لإنتاج ما به تكون الكفاية. فإنه لا عدل هناك ممكنا إن لم يكن لدينا ما نقسم، وما نرضي به حاجة المحتاج. وبعد العدل الرخاء في المطعم، والملبس، والمسكن، والتعليم، والصحة. وكل ذلك يريد أن نقتصد في استعمال مواردنا ونصرفها تصريفا حكيما”. (17)

اللهم إنا نتوسل إليك باسمك المعطي وبحبيبك وحبيبنا القاسم أبي القاسم أن تقسم لنا أعلى وأغلى وأحلى ما يقسم حسا ومعنى ومحبينا وقرائنا الأعزاء ومن بلغ ممن تشاء يا كريم آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] و[2] سورة الزخرف الآية 32. [3] سورة النساء الآية 8. [4] أخرجه مسلم في صحيحه. [5] رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة. [6] الأشباه والنظائر؛ للسيوطي 1/ 327. [7] محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميَّة، ص 187. [8] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا. الصفحة 198. [9] ياسين، عبد السلام، الإسلام غدا. الصفحة: 241. [10] سنن الترمذي وسنن أبي داود. [11] سورة العاديات، الآية 8. [12] و[13] و [14] ياسين، عبد السلام، الإسلام غدا. الصفحة: 243. [15] سورة البقرة، الآية 254. [16] مسند الإمام أحمد. [17] ياسين، عبد السلام، ’’ في الاقتصاد’’ الصفحة 101.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.