منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

” لاإله إلا الله ” شعب الإيمان | الشعبة 12

الدكتورة صوفية علوي مدغري

0

 تقديم:

هي أول شعبة من شعب الإيمان وأعلاها وأفضلها على الإطلاق، ففي آياته التدوينية والكونية إعلان من رب العزة بشهادة أن “لا إلاه إلا الله” إذ قال عز من قائل:” شهد الله أنه لا إلاه إلا الله هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا الله العزيز الحكيم [1]، فهو الله الواحد الأحد لا شريك معه ولا معبود سواه، وجبت له حقيقة الوحدانية والألوهية والخضوع والعبودية، ودلّت عليها كلّ آيات الحس والمشاهدة، وصدقتها تدابيره الكاملة للسماوات والأرض وما بينهما وماتحث الثرى قصد التوجه إليه بمعرفتة سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته وكمالاته المطلقة أزلا وسرمدا وأبدا.

ومعرفته عز وجل تخلص بعبادته وتأدية فرائضه وواجباته، وحسن التقرب بالنوافل اشتياقا ووصلة، وتعداد نعمه وترداد ذكره. والكلمة الطيبة جامعة لكلّ ذلك ومانعة عن كلّ ما يحجب قربه جل وعلا، تملأ القلب بحبه ومناجاته وطلبه دون خلقه فهو سبحانه صاحب الأفضال والمنن لا أحد غيره.

أولا: علم” لاإلاه إلا الله”:

كنوز ” لاإله إلا الله “ لا يكاد يأتي عليها الحصر تأبيا وامتناعا على الإحاطة والجمع؛ فما من علم من علوم الغيب والشهادة إلا و هو فرع لعلم ” لاإله إلا الله “، قال تعالى :” فاعلم أنه لاإله إلا الله“، اختص بعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكاما وتفصيلا، قال الماوردي: وفيه وإن كان الرسول عالما بالله ثلاث أوجه: يعني اعلم أن الله أعلمك أن ” لا إله إلا الله “، الثاني: ماعلمته استدلالا فاعلمه خبرا يقينا، الثالث: يعني فاذكر أن ” لاإله إلا الله “. وهذا العلم هو العلم بتوحيد الله عز وجل المنفرد بالألوهية والعبودية والنعم الظاهرة والباطنة الذي أوجبه على خلقه وهو فرض عين لايسقط على أحد، ويوجب التعلق به لاشريك له.

المزيد من المشاركات
1 من 48

فمن كلمة الإخلاص نتعرف إلى الحق عز وجل؛ فمرة بصفاته:” الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار…”[2]، ومرة بالتقديس: ” قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد[3]، وبأخرى نتعرف إليه بأفعاله وسننه مع خلقه:” ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد[4].

وهي الشهادة التي يدخل بها المرء في دين الله الإسلام وركنه الأول والأعظم، وهي مفتاح الجنة ولأجلها أرسل الرسل وشرعت الشرائع ونصبت الموازين قال تعالى:” وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون[5].

قال ابن عيينة :” ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم ” لا إله إلا الله“، وأن ” لاإله إلا الله ” لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا[6] ،  ومعرفته جلت قدرته دلت عليها ذرات العوالم العلوية والسفلية، السماوية والأرضية ” فالسموات وما حوت، والأرض وما أثلت، والذرة التي لاشيء أصغر منها، كلّ ذلك دليل على وجوده تعالى ووحدانيته”[7].

  ثانيا: استحباب تردادها

وأفضل الذكر ” لاإله إلا الله” عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أكثروا من شهادة أن لاإله إلا الله قبل أن يحال[8] بينكم وبينها” [9]، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من قال لا إله إلا الله، والله أكبر، سبحان الله وبحمده في كلّ يوم مائة مرة حطّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر”[10].

و الإكثار منها باب لتجديد الإيمان الذي يبلى في جوف المرء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” جددوا إيمانكم، قيل: يارسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله، ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه قولها لا تترك ذنبا ولا يشبهها عمل”[11].

فسر عظمة ” لاإله إلا الله” لا يقاومها مخلوق ولا يضاهيها قول، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال:” قال موسى عليه: رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به. قال: قل يا موسى لا إله إلا الله ، قال موسى: يارب  كل عبادك يقولون لا إله إلا الله، قال: ياموسى قل: لا إله إلا الله. قال لا إله إلا أنت، إنما أريد شيئا تخصني به. قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأراضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله[12].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

  ثالثا: ثمارها الطيبة

في الدنيا: من قالها مخلصا بقلبه وجوارحه وصدقتها أفعاله ومعاملته في كلّ زمان ومكان في حله وترحاله، وفي حال شغله وفراغه، وعند نومه ويقظته، ومع كلّ أنفاسه عصم ماله ودمه، فهي  كلمة الفصل بين خلقه من أهل الإيمان والكفر، وبراءة من الشرك والإلحاد. وراحة لذاكريها ومردديها من أهل الإيمان الصادقين المخلصين، ولأن الدينا هي دار الهموم والبلايا فلا إله إلا الله انفراج وانشراحة كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:” من قال لا إله إلا الله قبل كلّ شيء و لا إله إلا الله بعد كلّ شيء، ولا إله إلا الله يبقى ربنا ويفنى كلّ شيء عوفي من الهمّ والحزن”[13]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه”[14].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يا أبا هريرة لقن الموتى شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تهدم الذنوب هدما. قلت: يارسول الله فكيف للأحياء؟ فقال: هي أهدم وأهدم”[15].

وأفضل ختام في دنيا الفناء وفوز منج قول “لا إله إلا الله” عن حذيفة رضي الله عنه قال: أسندت النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدري فقال:” من قال لا إله إلا الله ختم له بها دخل الجنة”[16].

وهنا نورد حاصل كلام الغزالي في الإحياء عن أثر ” لا إله إلا الله”  كما قال رضي الدين الصديق ابن المعروف:” هذه الكلمة الشريفة العظيمة لها خاصية تنوير الباطن، وجمع الهمم إذا داوم عليها صادق مخلص، وهي من مواهب الحق جل وعلا لهذه الأمة، وفيها خاصية لهذه الأمة”[17].

في الآخرة: هي الكلمة المنجية وحصن الله الأعظم فمن أكثر اللهج بها أمن أهوال الآخرة ” يخرج من النار من قال لا إله إلا الله[18]، وجاء في الخبر عن الله سبحانه وتعالى:” لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي”[19].

وما أجمل أن تكون هذه الكلمة موجبة لشفاعة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة قال: ” قلت يارسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت يا أبا هريرة  أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه”[20].

خاتمة:

كيف لنا بعد كلّ هذا وما هو إلا فيض من غيض أن لا نرددها ونهتبل ذكرها، ونستن سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في اللهج بها إخلاصا  وتصديقا بالقلب واللسان بغية النجاة والفوز في الدارين، و تذوق مناجاة الحي القيوم والتلذذ بأفضل كلمة باقية على الإطلاق.” لا إله إلا الله”.


 [1]  ـ سورة آل عمران: 18.

[2]  ـ سورة الحشر : 23.

[3]  ـ سورة الإخلاص.

[4]  ـ سورة الفجر: 6.

[5]  ـ سورة الأنبياء: 25.

[6]  ـ كلمة الاخلاص لابن رجب 52ـ53.

[7]  ـ  شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فضائلها، معانيها، شواهدها ومشاهدها، مطالبها، عبد الله سراج الدين .

[8]  ـ  أي قبل الموت.

[9]  ـ  حديث حسن أخرجه أبو يعلى، مسند أبي هريرة، رقم: 6147.

[10]  ـ رواه الترمذي والنسائي.

[11]  ـ قال المنذري رواه الطبراني ورواته محتج بهم في الصحيح.

[12]  ـ أخرجه الترمذي في سننه برقم:3383. وقال حسن غريب.

[13]  ـ رواه الطبراني ، الترغيب للمنذري.

[14]  ـ أخرجه أحمد، مسند الشاميين، حديث شداد بن أوس، رقم: 17121.

[15]  ـ تحفة الأحوذي 4/46.

[16]  ـ رواه أحمد بإسناد لا بأس به.

[17]  ـ بهجة الأنوار وحضرة الأسرار في فضل لا إله إلا الله أفضل الأذكار، الشيخ الإمام رضي الدين ابن المعروف، تحقيق صوفية علوي مدغري.

[18]  ـ رواه البخاري.

[19]  ـ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 3/192.

[20]  ـ أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب الحرص على الحديث، رقم: 99.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.