منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الذكر وأثره | شعب الإيمان | شعبة (16)

الدكتور أحمد الإدريسي

0

مقدمة:

ذكر الله نعمة كبرى من نعمه عز وجل؛ إذ به تُـجلب النعم، وتُـدفع النقم، وهو وسرور النفوس، وقوت القلوب وزادها، وحياة الأرواح، لذا لا ينبغي للمسلم لا يستغني عنه بحال من الأحوال، فهو الرافد للمخزون الإيماني، والمحرك الموقظ لدواعي الطاعة، والحصن الذي يرجع إليه المؤمن حينما تعترضه عقبات الطريق إلى الله تعالى.

و”الذكر وأثره” هي الشعبة السادسة عشرة من شعب الإيمان السبع وسبعون، بتصنيف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، في مؤلفه “شعب الإيمان”.

أولا: أنواع الذكر.

الذكر يوجب معية الله تعالى وحفظه، قال رسول الله صلى الله عليه فيما يرويه عن ربه عز وجل: (أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه)[1]. والذكر المقصود هو الذي يجتمع فيه القلب واللسان، قال الإمام ولي الله الدهلوي: (وروح الذكر الحضور والاستغراق في الالتفات إلى الجبروت وتمرينه أن يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، ثم يسمع من الله أنه قال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم يسمع من الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وهكذا حتى يرتفع الحجاب ويتحقق الاستغراق)[2].

المزيد من المشاركات
1 من 48

وقد ذكر العلماء أنّ أفضل أنواع الذكر ما كان مشتركاً بين القلب واللسان، أمّا أدناه منزلةً فهو ذكر الله تعالى باللسان فقط، وقد نقل النفراي عن القاضي عياض قوله إنّ لذكر الله عزّ وجلّ ضربان؛ ذكرٌ بالقلب فقط، وذكرٌ باللسان مع القلب.

ثانيا: فوائد الذكر وآثاره.

ذكر ثلة من العلماء الربانيين، وأطباء القلوب[3] من فوائد الذكر ومزاياه وأثره على النفس ما يجعلها تحب الذكر ومجالسه حتى تتعلق بالله سبحانه في كل وقت وحين. وأعظمها أن يذكرك الله تعالى، قال عز وجل: “فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون” (البقرة:150). وفي الحديث القدسي أن رسول الله صلى الله عليه قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعاً، وان تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعاً، وان أتاني يمشي أتيته هرولة)[4].

يقول الإمام عبد السلام ياسين معلقا: (جل الله! ما أعظم كرمه ورحمته بنا. يعرض علينا صحبته وأن يكون معنا، وأن نتقرب إليه ليتقرب إلينا، وأن نسير إليه ليسارع إلينا. جل الله! ما يعي هذا ويعمل عليه إلا عبد نـوّر الله بصيرته، فعلم أن وعد الله حق، وأحيى الله قلبه، فخرج من بين أموات القلوب الغافلين عن الله. وما يحيي القلوب إلا ذكره سبحانه)[5]. وقد عـدّ ابن القيم رحمه الله مائة فائدة للذكر، أذكر منها:

  • طرد وساوس الشيطان والقضاء على الهموم والأحزان ، وجلب السرور والسعادة للمؤمن.
  • سبب في قوة القلب والبدن.
  • جلب الرزق والكسب الحلال.
  • يمنح المسلم المحبة لربه ومولاه، ويرزقه المهابة والخشية.
  • يجعل المؤمن في استحضار دائم لمراقبة الله تعالى له، فيرتقي معه إلى مرتبة الإحسان.
  • يعتبر الذكر سبب في ذكر الله سبحانه لعبده.
  • يكون سبباً في نزول الرحمة والسكينة من الله على قلب المؤمن.
  • هو غراس المؤمن في جنات النعيم.
  • يعتبر سبباً في صلاة الله على عبده وثنائه عليه بين ملائكته.
  • إحياء القلب وعلاج لقسوته، فعن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت)[6]. وشكا رجل إلى الحسن البصري قساوة قلبه فقال: أدنه من الذكر (أي قربه). فالقلوب الميتة تحيى بالذكر كما تحيى الأرض الميتة بالماء.

ثالثا: أمور معينة على الذكر:

إذا كان الذكر شفاء للنفوس العليلة، والقلوب المريضة، كما قال مكحول: “ذكر الله تعالى شفاء وذكر الناس داء، فالنفس إذا ذكرت ربها شفيت، وإن غفلت عنه انتكست، كما قيل: إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننتكس”، فإنه ينبغي أن نجتهد في البحث عن الأمور المعينة على الذكر، أذكر منها:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 28

– حفظ الأذكار ليستطيع ذكرها في سيارته أو في طريقه دون الحاجة لكتاب.

– الوقوف على معاني هذه الأذكار الشرعية ، فكثيرٌ من الناس يقرأ هذه الأذكار ولا يدري عن معانيها شيئا، مما يجعل تأثيرها في إصلاح القلب ضعيفاً أو معدوماً.

– تخصيص وقت معين في الصباح والمساء يحافظ فيه على الأذكار الواردة ويترك كل ما يشغله عنها.

– ترك تأجيل هذه الأذكار بعد تذكرها، فالتسويف في مثل هذه الحالات قد يُنسيها، مع تنظيم الوقت وترتيب الأولويات.

– الوقوف على ما جاء في الكتاب والسنة من الأجر الجزيل للذاكرين والذاكرات في الدنيا والآخرة، فهذا مما يحفِّز على التذكر لها وعدم إهمالها.

– الابتعاد عن الذنوب والمعاصي ليظل القلب سليماً صافياً يشتاق لذِكر الله تعالى.

– الحرص على التدرج في ذِكر هذه الأذكار، حيث يقرأ شيئاً يسيراً ليتذوق حلاوة الذِّكر، ثم يتدرج في الزيادة شيئاً فشيئاً.

– أن يكثر من قراءة سيَر العابدين المجتهدين في ذكر الله تعالى ليكون ذلك محفِّزاً له، فيقتدي بهم، ويجتهد كاجتهادهم.

– المداومة على الذكر، حتى لا يتكاسل المؤمن عن الذكر.

– صحبة الذاكرين: فالصحبة الصالحة تعين على ذكر الله وتذكره بالأذكار والطاعات، فإن؛ “خير الجليس من إذا غفلت ذكّرك، وإذا ذكرت أعانك”.

– أن يتواصى هو ومن يصحب ومن محب بأن يذكِّر كل واحدٍ منهم الآخر بالمحافظة على الأذكار، فالمؤمن ضعيف بنفسه قوي بأخيه.

خــاتمـة:

إن المداومة على الذكر تحيي القلوب وتوقظها، وتبعث الطمأنينة والسكينة في النفوس، وتورث أصحابها حالة من الرضا والأنس وهدوء البال، يقول تعالى: “الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” (الرعد:28). والمؤمن حينما يكون ذاكراً لله في كل أحيانه؛ يُشغل نفسه ويلزمها بأذكار وأوراد من تسبيح وتحميد وتهليل وصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومداومة على المسنون من الأذكار، فيحى قلبه وتسعد نفسه.

ونختم بتوجيه رباني من الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “آثار ذكر الله فيك إحياء قلبك. وآثاره في مجتمع الغفلة والفتنة أن يسري شفاء ذكر الله في الجسم المريض. تذكر الله في ملأ عندما تؤذن للصلاة، وعندما ترفع شعار التوحيد بين المتنكرين لدينهم، وعندما تدعو هذا وذاك وهذه الجماعة وتلك إلى الله. تحاضر، وتحاج، وتخاصم في الله. كله ذكر…”، إلى أن قال رحمه الله: “والورد المواظب عليه بآداب الذكر، ومنها الطهارة واستقبال القبلة والحضور القلبي، منه تأتي القوة التي تحملك إلى محافل الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله”[7].

والحمد لله رب العالمين.


[1] – رواه الإمام ابن ماجة، كتاب: الأدب. حديث رقم: 3792.

[2] – ولي الله الدهلوي. الحجة البالغة. ج: 2 / ص: 971.

[3] – ومنهم: الأئمة ابن القيم في الوابل الصيب، والشوكاني في التحفة، وولي الله الدهلوي في الحجة البالغة، وغيرهم.

[4] – رواه الإمام البخاري: كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ. حديث رقم: 7405. والإمام مسلم، كتاب التوحيد، باب: الحثِّ على ذكر الله تعالى، حديث رقم: 2675.

[5] – الإمام عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية تنظيما وزحفا. الصفحة: 159.

[6] – رواه البخاري، كتاب: الدَّعوات، باب: فضل ذكر الله عز وجل، حديث رقم: 5928. ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، حديث رقم: 1299.

[7] – الإمام عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية تنظيما وزحفا. الصفحة: 159.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.