منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الدعوة إلى الله عز وجل | شعب الإيمان | الشعبة (77)

محمد سكويلي

0

 

الإسلام دين الله المقبول، والدين عند الله درجات، إسلام فإيمان ثم إحسان. الإسلام مبني على أركان خمسة، الشهادتان، الصلاة، الصوم، الزكاة والحج. أما الإيمان فأركانه الاعتقاد في الله، في الملائكة، في الكتب السماوية، في الأنبياء والرسل، في اليوم الآخر وفي خير القدر وشره.

والإيمان كالشجرة الطيّبة المثمرة التي تُخرج ثمرها كل حين، وللإيمان أجزاء يتكون منها، هذه الأجزاء تسمى شُعَبا، أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة كما جاء في رواية الإمام البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: (الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ).

ولا سبيل لانطلاق شعب الإيمان من قلب المسلم إلّا بتمام الإيمان في قلبه، وسطوع نوره خالصاً من الرياء، وأن يكون المسلم على علم ومعرفة بشعب الإيمان، وحتى يصل المسلم إلى هذه المرتبة الرفيعة في الإيمان لابد له من مجاهدة نفسه، والإكثار من الطاعات؛ كالحرص على تلاوة الأذكار، وقراءة القرآن، ومدارسة العلم، والتوجّه إلى الله تعالى بشتّى أنواع القربات والعمل الصالح.

والإيمان متضمّنٌ لأعمال معيّنة لا بُدّ للمسلم من القيام بها، ونواهي لا بُدّ للمسلم من اجتنابها والابتعاد عنها، وفي مقدّمتها كبائر الذنوب والمعاصي، وقد تحتوي بعض شعب الإيمان على فروع متعدّدة، ومن ذلك حفظ المسلم للسانه؛ فإنّ فيه ما يزيد على عشرين فرعاً، وتحصين المسلم لفرجه عن الحرام يدخل فيه صيانته عن الزنا؛ فالإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والمنكرات، والأعمال الصالحة دليل على الإيمان في قلب العبد، فالأعمال الصالحة الظاهرة، والإيمان الباطن بينهما ارتباط لا ينفك، وكل طاعة أمر من أوامر الله تعالى يفعلها المسلم متّبعاً فيها القرآن أو السنّة النبوية تُعدّ من شعب الإيمان، وكذلك ترك جميع المعاصي المنهي عنها من شعب الإيمان أيضاً.

المزيد من المشاركات
1 من 48

عدد شعب الإيمان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم موضّحاً عدد شعب الإيمان: (الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً)، وقد اشتهر هذا الحديث عند العلماء باسم حديث الشعب، وقد أولاه أهل العلم عناية خاصة؛ فمن العلماء من خصّ هذا الحديث بكتاب مستقل، كالإمام البيهقي رحمه الله في كتابه المسمى بشعب الإيمان، وسبقه في ذلك الإمامان الحليمي وابن حبان عليهما رحمة الله، أما الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين فقد أعاد تقسيم الشعب في تصنيفها إلى عشر فئات، تكون كل فئة منها خصلة لتَقارُب موضوعها ومغزاها الإيماني ومرماها السلوكي. هذه الخصال هي بمثابة صوى على الطريق، وخطى في السلوك، وأدراج نحو رضى الله تعالى.

آخر شعبة صنفها الإمام رحمه الله هي الدعوة إلى الله عز وجل الشعبة السابعة والسبعون، مستشهدا بقول الله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}. سبأ، 28، وتصنيفها ضمن خصلة الجهاد يعني أنها ستبقى في أعالي المبتغيات وأبعد المرامي، فالمسلم بعد إسلامه وإيمانه يشرع في مهامه المتمثلة في دعوة الناس إلى الله تعالى، ويصعد في أدراج الدعوة كلما زاد إيمانه وثبت يقينه.

فالدعوة ذروة سنام الإسلام، وقمة جبل الإيمان وسابع سماء الإحسان. يقول الإمام المجدد رحمه الله تعالى في كتابه المنهاج النبوي: “فتبليغ الرسالة للناس كافة هو الغاية التي من أجلها بعث الله رسله للخلق، وحملها وراثة. الدفاع عنها وتبليغها للأمة وللناس كافة غايةُ جند الله الموعودين بالاستخلاف في الأرض. في مراحل القومة يحمل الدعوة جند الله، ولا تنتهي مهمتهم الدعوية بقيام الدولة القطرية، إنما تبتدئ مرحلة أوسع.” [1]

والأمة الداعية الآمرة الناهية لا بد لها من جند الله يقوم بتأسيسها وتكوينها. ولا يكون ذلك إلا بالدعوة ومهام الأمة الأولى والآخرة هي الدعوة.. دعوة في دعوة ودعوة من أجل دعوة… يقول الإمام المجدد رحمه الله تعالى: “جند الله هم الأمة في وسط الأمة المأمور في القرآن بتكوينها. وقد حدد الله عز وجل لها أهدافها حيث قال عز من قائل: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ}.1 آل عمران، 105-104

هم «جماعة المسلمين». عليهم يدور واجب الأمر والنهي والجمع، جمع شمل الأمة، فقبل قيام الدولة الإسلامية وبعده، هم الورثة المسؤولون عن الرسالة النبوية وحفظها وتبليغها.

يستحقون هذه الوراثة ويمكن الله لهم في الأرض إن هم طابقوا، وطابقت أعمالهم، وطابق إيمانهم، الوصفَ الذي وصف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في هذا البلاغ الإلهي: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}. الأحزاب، 46″ [2]

فلتحقيق السنة الغراء وتمثلها لا بد للدعاة من غشيان المجتمع والتوغل فيه كما غشيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بد من إثبات الذوات وذلك بالتأني والتؤدة والمثابرة مع الإصرار والإلحاح. وإذا غاب رجال الدعوة تاركين الساحة فارغة فإن الأمة لن تكون إلا قصعة جاهزة للأكلة المفترسة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 26

الدعوة يجب أن تبقى قائمة حاضرة شاهدة، هي التي تَقوِم الزيغ والاعوجاج وتصلح وتنير، الدعوة سبقت الدولة، وبعد قيام الدولة تبقى الدعوة مرجعا مركزيا لإعادة تصويب المجاري. فهي روح الدولة وقلبها النابض وعقلها القابض.

“لا تحسب أن مقاومة الظلم والكفر، وإقامة الدولة الإسلامية، تفيدك أنت شخصيا في الدار الآخرة وعند الله تعالى إن لم يكن حبه وطاعته وخدمة دعوته ونصرة قضيته هي فكرك ومعناك، هي غذاؤك وشرابك، هي جسمك وروحك، هي حياتك وموتك.”[3]


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص 454.

[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، 455.

[3] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 455

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.