منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

طلاق الحائض

طلاق الحائض/ طيبة إدريسي قيطوني

0

طلاق الحائض

طيبة إدريسي قيطوني

أثارت مسألة طلاق المرأة في فترة حيضها جدلا كبيرا بين العلماء حيث اعتبروه طلاقا بدعيا واختلفوا في رده أو قبوله ، خصوصا أن هذه الفترة تشكل منعرجا نفسيا كبيرا للزوجين معا و قد أكد الأطباء  تغير الحالة النفسية للمرأة أثناء الدورة الشهرية على نحوٍ سلبي، حيث تشعر بالكسل، وشرود الذهن، وسرعة الانفعال، والحزن، وتقلب المزاج، والغضب و تفسر هذه المشاعر السلبية بانخفاض مستوى هرمون السيروتونين المعروف بهرمون السعادة، مما قد يجعل العلاقة بين الزوجين مضطربة و متوثرة، خصوصا مع غياب التربية الايمانية التي تثمن الزواج وتقدم لنا نماذج راقية في الاحترام و الرحمة و الأخلاق من الطرفين الزوج و الزوجة.

معنى الطلاق لغة و اصطلاحا

الطلاق في اللغة: الطاء واللام والقاف أصلٌ صحيح، يدل على التخلية والإرسال، يُقال: انطلق الرجل ينطلق انطلاقاً، وأطلقته إطلاقاً، ومن هذا الباب؛ عدا الفرس طلقاً وطلقين، وامرأة طالق؛ أي طلّقها زوجها، والطالق: الناقة التي تُرسل لترعى حيث شاءت.(1)]

يُعرّف الطلاق في الاصطلاح بعددٍ من التعريفات، وهي: (2

يُعرّف عند فقهاء الحنفية بأنّه: رفع قيد النكاح في الحال أو المآل، بلفظٍ مخصوصٍ.

– يُعرّف عند فقهاء المالكية بأنّه: رفع القيد الثابت شرعاً بالنكاح

– عرّفه فقهاء الشافعية بأنّه: حلّ عقد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه

ومعناه في الشرع: متفق عليه بين الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وإن تفاوتت ألفاظهم غير أن بعضهم يضيف بعض القيود الخاصة باللفظ..

قال الكمال بن الهمام في فتح القدير: وفي الشرع – يعني معناه في الشرع: رفع قيد النكاح بلفظ مخصص(3)

وعرفه المالكية: بأنه صفة حكمية ترفع حلية تمتع الزوج بزوجته موجباً تكررها مرتين زيادة على الأولى للتحريم(4)

وعرفه الشافعية والحنابلة: بأنه حل قيد النكاح. (5)، و بناءً على ما تقدم يتبين لنا أن معناه في الشرع ينصرف إلى حل القيد المعنوي وهو في المرأة.

تعريف الحيض.

  • تعريفه في اللغة:

الحيض في اللغة السيلان يقال: حاض الوادي: إذا سال، وحاضت الشجرة إذا سال صمغها قال الجوهري في الصحاح، حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً فهي حائض وحائضة أيضاً..

ونساء حيض وحوائض، والحيضة المرة الواحدة، والحيضة بالكسر الاسم، والجمع الحيض، والحيضة، أيضاً: الخرقة التي تستثفر بها المرأة. قالت عائشة رضي الله عنها: (ليتني كنت حيضة ملقاة) وكذلك المحيضة، والجمع المحائض واستحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة، وتحيضت، أي قعدت أيام حيضها عن الصلاة، وفي الحديث: تحيَّض في علم الله ستاً أو سبعاً، وحاضت السمرة حيضاً وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم(6)

  • حكم طلاق الحائض:

طلاق الحائض محرَّم وبدعة، بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، فليس بين أهل العلم نزاع في تحريمه، وأنه من الطلاق البِدعيّ المخالف للسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (33/ 7): “وإن طلقها في الحيض أو طلقها بعد أن وطئها وقبل أن يتبين حملها: فهذا الطلاق محرم، ويسمى: “طلاق البدعة”، وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع

  • أقوال العلماء في حكم من طلق زوجته زمن الحيض: 

ذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن من طلق زوجته في حال الحيض فإنه يجبر على رجعتها ما دامت في العدة، وحملوا الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم “فَلْيُرَاجِعْهَا” على الوجوب، واحتجوا بالحديث ” فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ” ومن جهة المعنى أنه مضار بتطويل العدة، فمنع من ذلك وأجبر على الرجعة؛ لأنه إذا طلقها في الحيض، فقد طلقها في وقت لا تعتد به من قرئها الذي تعتد به، فتطول عدتها، فنهى أن يطوّل عليها، وأمر أن لا يطلقها إلا عند استقبال عدتها، وكان ابن عمر يقرأ (فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) أي في استقبال عدتهن..

وذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، إلى أنه يؤمر برجعتها ولا يجبر على ذلك، وحملوا الأمر على الندب، ومما استدلوا به قوله تعالى: ” فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا” (سورة الطلاق: 2)، وغيرها من الآيات المقتضية للتخيير بين الإمساك بالرجعة، أو الفراق بتركها، فيجمع بينها وبين الحديث بحمل الأمر فيه على الندب جمعا بينهما، ورد بأن الأصل في الأمر الوجوب، فيحمل عليه، ويخص عموم الآيات بمن لم يطلق في الحيض.

و قد أفتى ابن عمر رضي الله عنهما بعدم وقوع طلاق الحائض خلافا للجمهور ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجمع من أهل العلم أن هذا الطلاق لا يقع ؛ لأنه خلاف شرع الله ، لأن شرع الله أن تطلق المرأة في حال الطهر من النفاس والحيض ، وفي حالٍ لم يكن جامعها الزوج فيها ، فهذا هو الطلاق الشرعي ، فإذا طلقها في حيض أو نفاس أو في طهر جامعها فيه فإن هذا الطلاق بدعة ، ولا يقع على الصحيح من قولي العلماء ، لقول الله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) (الطلاق: 1)، والمعنى : طاهرات من غير جماع ، هكذا قال أهل العلم في طلاقهن للعدة ، أن يَكُنَّ طاهرات من دون جماع ، أو حوامل . هذا هو الطلاق للعدة ” (7)

وجاء في “فتاوى اللجنة الدائمة” (20/58) : ” الطلاق البدعي أنواع منها : أن يطلق الرجل امرأته في حيض أو نفاس أو في طهر مسها فيه ، والصحيح في هذا أنه لا يقع ” .

وجاء في حديث عبد الله بن عمر حيث طلق زوجته وهي حائض ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( مره فليراجعها ثم يتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق ) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ) فالعدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء أن يطلقها الإنسان طاهرا من غير جماع ، وعلى هذا فإذا طلقها وهي حائض لم يطلقها على أمر الله ، فيكون مردوداً ، فالطلاق الذي وقع على هذه المرأة نرى أنه طلاق غير ماض ، وأن المرأة لا زالت في عصمة زوجها ، ولا عبرة في علم الرجل في تطليقه لها أنها طاهرة أو غير طاهرة ، نعم ، لا عبرة بعلمه ، لكن إن كان يعلم صار عليه الإثم ، وعدم الوقوع ، وإن كان لا يعلم فإنه ينتفي وقوع الطلاق ، ولا إثم على الزوج(8)

الحكمة من تحريم الطلاق زمن الحيض

لا شك أن الأحكام الشرعية هي نتيجة لمقاصد عظيمة تراعي الحالة و الظرفية و تسعى للتخفيف و التيسير و جلب المصالح و درء المفاسد مع حفظ الكليات الخمس، و من مقاصد تحريم الطلاق زمن الحيض:

1- دفع الضرر عن المرأة، إذ لو وقع الطلاق أثناء الحيض فإن المرأة ستظل ثلاثة أطهار وبعض أيام حيضها التي وقع الطلاق فيها، وهذا على قول من يقول: إن القرء هو الطهر و هو قول المالكية، أو تظل ثلاث حيضات وبعض حيضة على قول من يقول بأن القرء هو الحيض، ففي الحالين يلحق المرأة ضرر بتطويل عدتها، و قد  قال الإمام ابن قدامة في المغني: إن الحيضة التي تطلق فيها لا تحسب من عدتها بغير خلاف بين أهل العلم، لأن الله تعالى أمر بثلاثة قروء فتناول ثلاثة كاملة، والتي طلق فيها لم يبق منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثة كاملة فلا يعتد بها، ولأن الطلاق إنما حرم في الحيض لما فيه من تطويل العدة عليها، فلو احتسبت بتلك الحيضة قرءاً كان أقصر لعدتها وأنفع لها، فلم يكن محرماً

2- انصافا للزوجة، باعتبار نفسية الزوج أيام الحيض تكون غير مستقرة بسبب ابتعاده عنها ويشعر بكراهة  لها ، فأكثر ما يقع الطلاق في أيام الحيض وقد يكون بدون سبب فعندما تبرأ من الحيض وتكون قريبة منه فسرعان ما يغير قراره بعد ذلك.

3- مراعاة للتغير الهرموني اللاإرادي و الذي يطرأ على المرأة وقت الحيض، مما يجعلها متوثرة و منفعلة، الشيء الذي  قد  يؤدي الى حدوث الطلاق.

و خير ما أختم به، قوله عز وجل: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (الروم:21). إنها آيات تفتح لنا الأبواب أزواجا و مجتمعا لنعيش في سعادة دائمة دنيا و اخرة، فالأصل في العلاقة الزوجية المودة و الرحمة والصبر و التقوى و ليس العنف و التنافر و القسوة. و يبقى الطلاق استثناء من الأصل الذي هو استمرار الحياة الزوجية  و الاستقرار الأسري الذي يهيأ لنا الجو الملائم للعبادة و التقرب الى لله و عمارة الأرض بالعدل و الاحسان و تنشئة أفراد أسوياء خلوقين و مخلصين، يقدرون الحياة الزوجية و يكرمون الزوجة عملا بالوصية النبوية ” استوصوا بالنساء خيرا” و يعظمون الميثاق الغليظ الذي يربط كل زوجين.


المراجع

(1) عرّفه الحنابلة بأنّه: حلّ قيد النكاحبن فارس (1979)، مقاييس اللغة، بيروت: دار الفكر، صفحة 420-421، جزء 3. بتصرّف

(2) وفاء معتوق حمزة فراش (1985)، آثار الطلاق المعنوية والمالية في الفقه الإسلامي، السعودية: جامعة أم القرى، صفحة 8-12. بتصرّف.

(3) فتح القدير 3/20

(4) مواهب الجليل شرح مختصر خليل 4/18

(5) مغني المحتاج 3/279 والمغني لابن قدامة 7/66

(6) الصحاح للجوهري 3/1073

(7) أحمد بن تيمية، فتاوى الطلاق،ص44

(8) فتاوى إسلامية  (3/268)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.