منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقاربة الشك المذهبي “أنموذج الإمام الغزالي وديكارت”

د. عبد اللطيف بن رحو / مقاربة الشك المذهبي أنموذج الإمام الغزالي وديكارت

1

مقاربة الشك المذهبي

أنموذج الإمام الغزالي وديكارت

بقلم د. عبد اللطيف بن رحو

 

إن الناظر للمنهج الفلسفي بين الإمام الغزالي وديكارت سيقف لا محال على منهج أساسي في قضية الشكل المنهجي باعتبار المقاربة وقياسا على مكونات المنهج الذي تبناه كل من الإمام الغزالي وديكارت.

إن كتاب المنهج الذي ألفه ديكارت إذا تصفحناه وتصفحنا إلى جانبه كتاب المنقذ من الضلال للإمام الغزالي رحمه الله، ستجد تمت تشابها غريبا بين الكتابين.

المزيد من المشاركات
1 من 33

ثم إن نفس حركة الشك التي تمخضت في كتاب الإمام الغزالي رحمه الله تجدها عند ديكارت. وذلك حينما نرجع إلى بعض النصوص التي تحدث فيها الإمام الغزالي مثلا عن الرياضيات [المنقذ من الضلال ص:193] تجد أن ديكارت قارب هذا المدح، ومدح هو أيضا الرياضات.

والعجيب في الأمر يمكن أن نقف على استنتاج أو سؤال هل فعلا ديكارت اطلع على ما كتبه الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال؟

وبالمعنى الأصح هل سرق ديكارت ما كتبه الإمام الغزالي، وأعاد بناء عملية المنتج وفق ذلك الكتاب؟

سيبقى السؤال عالقا هنا.

فهاتين التجربتين لهما معنى آخر أيضا، تجد تجربة الشك عند الإمام الغزالي رحمه الله تفيد الطالب أو المشتغل بالفلسفة من ناحية الثقة المطلقة في العقل كانت لهم تجربة مريرة وصعبة حينما تتجاوز الفلسفة المطلقة في العقل متعبة جدا لجميع الفلاسفة الذين وثقوا في العقل، وبنوا أنساقهم المعرفية نجدهم يتلبسون بالتجربة المريرة، وذلك حينما يجاوز العقل حدوده في مسألة الاعتقاد الديني.

يحس العقل في هذه المرحلة بأن طاقته لم تعد تكفيه بما يبث ما وراء الطبيعة في ذلك المجال. لهذا نجد تجربة الإمام الغزالي حينما تحدث عن التجربة الكلامية وينتقدها لأنه كان مستندا فيها إلى الاستدلال العقلي، بل يقال إنه سبب عزلته.

ولا شك أن الإمام الغزالي ترك ملاذ الدنيا بل وترك حتى التدريس في مدرسته التي كانت تعج بأهل العلم وطلبته، إضافة إلى أنه كان ميسور الحال، فقرر في لحظة أن يتصدق بماله ويستبقي قوت عياله، ويرحل عن بلده في اتجاه مكة المكرمة فعندما وصل إليها ركن إلى العبادة وتخلص من أحوال الدنيا، وأخفى نفسه ولما عرف في مكة المكرمة وعرفه الناس وأحس أنه صار معروفا رحل إلى بيت المقدس، حتى قيل إنه كان لا يتكلم ولا يتحدث بأية معرفة كلامية أو فلسفية، وبقي على ذلك الحال كما يحكي هو نفسه مدة تجاوزت الست سنوات.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

فهذه التجربة الشكية انطلقت من كتاب ديكارت التي طرحت عملية الشك والتضليل المعرفي، فديكارت أشار إلى عملية هدم وتشكيك ضخمة أطلقها من الجذور لمختلف البنية المعرفية التي حملها هو بنفسه، غير أنه أكد على أن هذه العملية لا يقدم عليها كل الناس، وأعطى مثالا على ذلك، فقد استشهد برجل يقطن في مدينة معينة ولاحظ أن بيته لم يعد يعجبه فقرر هدمه وإعادة بنائه من جديد.

لكننا لم نشهد قط أن مدينة كاملة قررت في لحظة واحدة هدم جميع البيوت وإعادة بنائها من جديد.

فهذا المثال يفهم منه أن العقل أشد تعقيدا من بناء البيت، لذا لا يمكن لهذه العملية الشكية أن يطلقها أي شخص.

فطلابنا اليوم الذي يقرأ شيئا من الفلسفة أو يذوقها ويشرب بعض مصطلحاتها يحس بشيء من العجب لذاته وعقله أو حتى تفننه وإبداعه، فيبدأ في عملية إطلاق الشك خصوصا الجوانب والثوابت الدينية، ليعيش بعدها تجربة مريرة لأنه نسي شيئا مهما، وهو أن البناء النفسي للإنسان مكون من جانب الوجدان، ومن جانب التفكير المعنوي المعرفي، لأنه لا يمكن أن نشتغل بجانب التفكير المعرفي وتغييب الجانب الوجداني، لأن تغييبه تؤدي إلى منزلقات وهاوية بسبب هذه الجرأة الزائدة بدون آليات وأدوات.

والإمام الغزالي كان يدرك إدراكا تاما خطورة عملية الشك من الناحية النفسية، لذلك أبقى على حقيقتين أساسيتين: الأولى هي الحقيقة المتعلقة بالأخلاق التي هي ركيزة وثابت لا يمكن إغفاله ولقول رسول الله ﷺ إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق” [رواه البخاري في الأدب المفرد باب حسن الخلق رقم:135 رقم الحديث:273 ص:78]. والأخلاق هي الحقيقة التي يجب أن تبقى والالتزام بثوابتها، وإلا صار الإنسان شبيه الحيوان في تصرفاته، وهي مسألة لم يشك فيها الإمام الغزالي بل وضعها مرتكزا قائما.

في مقابل هذا نجد فيلسوف آخر من القرن العشرين هو إدموند هوسرل ورغم أنه ملحد إلا أنه انتقد ديكارت في جانب الشك، رغم أنه ديكارتيا في المنحى العام وله كتاب تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينمينولوجيا، فهو دعا إلى منهج التعليق وليس بمنهج الشك، وذكر أن ديكارت أخطأ في شك الوجود وكان من الواجب عليه أن يضع منهج التعليق أي يضع الوجود بين قوسين ولا يشك فيه.

فإذا كان إدموند هوسرل ملحدا ويضع الوجود بدون شك ويشك في عملية جذرية الشك لديكارت، فما بال المسلمين الذين يتغنون بالفلسفة ومنهجها الشكي.

فيجب أن نضع نصب العين أن الفلسفة يجب أن يدرك منهجها ومنظومتها وموازينها.

هذا على ذكر الإمام الغزالي رحمه الله وتجربته الروحانية والعقلانية والتجربة الشبيهة له من طرف ديكارت الذي انقاد تحت الشك.

 

 

تعليق 1
  1. حمزاوي فاس يقول

    مقارنة جيدة في علم الفلسفة الشكية وفقك الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.